م. عبد المنعم الشحات - تجديد الخطاب الديني بين المقبول والمردود - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله و بعد
نتناول في هذه المقالة موضوع "تجديد الخطاب الديني بين المقبول و المردود" و من خلال هذا العنوان يتضح أننا نريد أن نؤكد على  أن مصطلح "تجديد الخطاب الديني " من المصطلحات التي تطلق و يراد بها معان مختلفة بعضها مقبول و بعضها مردود و من ثم فالصواب أنه لا بد من تفصيل في تقرير هذا الحكم و هذا قاعدة عامة في غاية الأهمية و مخالفتها كان سببا في كثير من الفتن  بدأنا بتقرير هذه القاعدة ثم التعريج
 
قاعدة:يجب وقف اللفظ المجمل على الاستفصال حتى يتميز حقه فيقبل من باطله فيرد
الألفاظ من حيث دلالتها على معانيها لا تخلو من ثلاثة أقسام:-
ألفاظ لا تحمل إلا الحق، فحق هذه الألفاظ أن تقبل من غير تفصيل, وألفاظ لا تحمل إلا الباطل, فحق هذه الألفاظ أن ترد مطلقاً من غير تفصيل, الفاظ تحتمل حقاً وباطلاً، والعمل في ذلك أن هذا اللفظ موقوف على الاستفصال حتى يتميز حقه من باطله وتتحدد معالم معانيه ويتضح فيه وجه الإشكال فيقبل الحق ويرد الباطل.
 
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ( فبالاشتراك والاشتباه في الألفاظ والمعاني ضل كثير من الناس ). وقال رحمه الله تعالى ( ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ نوعان:- نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك فيثبت ما أثبته الله ورسوله، فاللفظ الذي أثبته الله أو نفاه حق، فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ الشرعية لها حرمة، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته وينفي ما نفاه من المعاني فإنه يجب علينا أن نصدقه في كل ما أخبر ونطيعه في كل ما أوجب وأمر، ثم إذا عرفنا تفصيل ذلك كان ذلك من زيادة العلم والإيمان وقد قال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على إثباتها ونفيها فهذه ليس على أحدٍ أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به وإن أراد بها معنىً يخالف الرسول أنكره، ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها أو بين مرادها بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي، فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدع ومعانٍ مشتبهة ) اهـ. وقال رحمه الله تعالى ( يجب أن تفسر الألفاظ المجملة بالألفاظ المفسرة المبينة وكل لفظ يحتمل حقاً وباطلاً فلا يطلق إلا مبيناً به المراد، الحق دون الباطل فقد قيل:- أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وكثير من نزاع الناس في هذا الباب هو من جهة الألفاظ المجملة التي يفهم منها هذا معنى يثبته ويفهم منها الآخر معنى ينفيه ) اهـ.
 
تجديد الخطاب الديني بين المقبول و المردود
و بتطبيق القاعدة السابقة على مصطلح الخطاب الديني نجد أنه يطلق و يراد به أحد المعاني الاتية
 
المعنى الأول: تنقية الدين من الأفهام الخاطئة
و قد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم عن ظهور البدع بعده فقال "و إنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثير فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى و إياكم و محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة" يفيد بمنطوقه حدوث الانحراف كما أنه يأمر و يبين الطريقة الصحيحة التي ينبغي أن يصحح بها هذا الانحراف و أما قوله صلى الله عليه و سلم  "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها" فنص في وجود التجديد و إن كان يدل بطبيعة الحال على وجود انحراف استدعى ذلك التجديد
 
و تدور أقوال العلماء في معنى التجديد هنا على نشر السنن و رد البدع و تعليم الناس أمر دينهم
 
المعنى الثاني: مخاطبة الناس على قدر عقولهم و بلغة يفهمونها و الاهتمام بما استجد من مشاكلهم
و قد اشار الله عز و جل إلى هذا المعنى في قوله تعالى "و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" فكان هذا التعليل دليلا على مشروعية بل وجوب أن يكلم العلماء الناس باللغة التي يفهمونها و أن بيان الحق للعامة بلغة فقهية رصينة لا توصل لهم المعنى المقصود ليس بلاغا و لا بيانا في واقع الأمر و يدخل فيه وجوب التمهيد للمعاني التي تلتبس على العامة حتى إذا يتمكنوا من فهمها و من ذلك قول بن مسعود رضى الله عنه "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا يبلغه عقولهم غلا كان لبعضهم فتنة" و قول على رضى الله عنه "حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله و رسوله"
 
و يدخل في هذا الاهتمام بما جد في حياة الناس من معاملات و ما زاد انتشاره منكرات و ما أحدثه أهل الباطل من شبهات و منها في زماننا شبهات الالحاد و العالمانية و ادعاء عدم صلاحية الشريعة لكل زمان و مكان و اعداء تاريخية النصوص الشرعية إلى غير ذلك من الشبهات التي استند عليها القائلون بتجديد الخطاب الديني بمعناه الثالث المذموم
 
و المعنيان السابقان حسنان بل مطلوبان و هذا بخلاف النوع الثالث الآتي ذكره فهو مذموم و من أجمع العبارات في الفرق بين هذا و ذاك قول فضية الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر الحالي في مناقشته لأطروحة حسن حنفي حول التراث و التجديد حيث قال
"ثمة فرق بين التجديد والتغيير، الأول: حفاظ على الأصول وإضافة إليها، ونفض لما يتراكم عليها من غبار يحجبها عن الأنظار، والثاني: هدم وبدء جديد من فراغ يتم تحت أي مسمى إلا مسمى التجديد، اللهم إلا إذا كان القصد تغييب الوعي أو خداع الجماهير."
(راجع كتاب التراث و التجديد شبهات و ردود و قد لخصناه في مقالة سابقة بعنوان ضوابط تجديد التراث عند شيخ الازهر)
 
المعنى الثالث المردود: التلاعب في أحكام الدين ذاته
و يشمل ذلك صورا  تتفاوت في تطرفها و انحرافها منها:
-     استعمال منهج المواءمة بين الشريعة الاسلامية و الحضارة الغربية بحيث تصبح معطيات الحضارة الغربية هي أحد المرجحات الفقهية في مسائل الخلاف و هذا المنهج الذى سلكه الأفغاني و محمد عبده ثم آل إلى حالة شديدة من اخضاع الشريعة لمعطيات الحضارة الغربية عند الترابي و الغنوشي و لا يعنى هذا أننا لسنا بحاجة إلى صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان و مكان أو أننا لا نقر أن للواقع اثرا في الفتاوى و لكن المشكلة في اعتبار أن له اثرا في الأحكام و لهذا الأمر مقام آخر في بيان ضوابط استعمال قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان و المكان لعلنا أن نخصص لها مقالة قادمة إن شاء الله
 
-     و من أشدها خبثا ادعاء تاريخية الخطاب الديني و حصر كل آية في سبب نزولها مما يساوى عمليا زعم أن كل نصوص الوحى كتابا و سنة قد نسخت يوم نزولها و صارت تاريخا لك أن تحاكيه إن شئت أو تعرض عنه إن شئت
(و قد رد عليهم شيخ الأزهر في كتابه المشار إليه آنفا و تقلنا ذلك عنه في المقالة التي أشرنا إليها)
 
-     و أما أشد هذه الدعوات خبثا على الاطلاق فهي الدعوة إلى نقد النصوص ذاتها بل ربما تبجح بعضهم و دعا إلى نقد القرآن ذاته و العياذ بالله
 
تنبهات هامة حول تجديد الخطاب الديني بين المقبول و المردود
تنبيه حول القائلين أن العبرة بخصوص السبب
يجهد العالمانيون أنفسهم بحثا و تنقيبا عن عالم يكون قد قال أن العبرة بخصوص السبب و غذا وجدا نقلا في هذا المعنى هنا أو هناك هللوا له و ينبغي أن يعلموا أنه لم يقل احد من المسلمين قط غيرهم بتاريخية النصوص الشرعية و أن غاية من يدعى أن العبرة بخصوص السبب أنه لا يعتبر الآية نصا إلا في السبب الذى نزلت لأجله ثم يعدى الحكم إلى نظائره بنفي الفارق أو بالقياس و يظل هذا دليلا إلى أن يرث الله الأرض و من عليها
و مع هذا فمذهب جماهير أهل العلم سلفا و خلفا أن دلالة النصوص العامة على أفراد جنسها بعمومها اللفظي
 
 لا يكفى الاقرار بعدم الاقتراب من النصوص ليكون تجديدا منضبطا
 يرى البعض أنه يكفى ضمانا لعدم التلاعب أن يمتنع من الاقتراب من النصوص (الكتاب و السنة) و هذا غير كاف لأن بعض من يدعون لذلك يريد الانقلاب على الفقه الإسلامي ككل مما يقطع الصلة بين الأمة و بين النص فالنص إنما بقى محفوظا بما تلقته الأمة بالقبول من تفسيره مع وجود مساحة مقبولة من الخلاف في تفسير النص
 
الشريعة صالحة للتطبيق في كل زمان و مكان
 لالتزام بتطبيق  النصوص على حوادث جديدة متاح من خلال قواعد ابرزها القاعدة التي تقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و من خلال أداة القياس و من خلال معرفة العلل و المقاصد و هذا مما يجعل الفقه مسايرا لكل العصور و غير منعزل عن أي منها
 
الشريعة تتضمن قواعد التعامل مع الانحراف الذى عم و انتشر و ذلك عبر الاليات التالية
أ‌-              النصوص الآمرة بالرفق و اللين و الوسطية
ب‌-      الأدلة الدالة على اعتبار المصالح و المفاسد
ج- الأدلة الداعية إلى الفرق بين حال الاختيار و حال الضرورة
د- و بصفة اعم النصوص التي تبين الفرق بين الحكم و الفتوى
ه- مراعاة أن الرخص في حالة انتشار المشكلة  في دولة أو مجتمع تجوز في أحوال اقل من الضرورة
و من ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم لعائشة رضى الله عنها "لولا ان قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة و لأقمتها على قواعد ابراهيم"
 
فقه البدائل و دوره في التصدي لشيوع المعاني الفاسدة لتجديد الخطاب الديني
مما سبق نعلم أنه ليس كل من ينادى بتجديد الخطاب الديني يردي المعنى  الفاسد و دورنا كدعاة أن نرشد من نطق بكلام مجمل إلى أن يصرح بمعناه الحسن لا سيما إن كان متبوعا لرياسة أو علم و تكون بهذا قد نصحت له و لمن وراءه و أما محاولة تثبيت التهم على الناس فسياسة ميكافيلية لا تناسب الدعاة إلى الله بحال من الأحوال


بل و الأخطر من هذا أن بعض من يقبل بالدعوة إلى تجديد الخطاب الديني دون ضوابط يتصور  أنه لا يمكن مقاومة الأفكار الخاطئة لا سيما تلك التي لحقت بمفهوم الجهاد إلا بالقبول بدعوة متحررة إلى تجديد الخطاب الديني
و لو أنك أحسنت العرض أن في الدين ذاته وسائل ضبط هذه الأفكار المنحرفة لما عرج على هذه القضية من الأساس
 
و قد علمنا الشرع أننا متى وجدنا مخالفة أنكرناها و لكن هذا لا يكفى بل يجب ان تبحث عن الدافع الذى قاد الناس إلى التفكير أو القبول بهذه المخالفة فإن وجدت مسلكا شرعيا ليحقق ذات الغرض أو قريب منه وجب عليك بيانه ليكون أعون للناس على التزام الشرع و من أمثلة ذلك تحريم بيع الثمر قبل بدو صلاحه و تشريع بيع السلم بديلا له يحقق ذات أهدافه و يخلو من مفاسده
و من هذا المنطلق نقول لهؤلاء
الشريعة ذاتها تتضمن وسائل تنقيتها من الغلو و الانحراف لا سيما في قضية الجهاد
و أن علاج انحراف داعش و غيرها لا يكون بالتلاعب بنصوص الشريعة بل العكس هو الصحيح فانتشار الآراء الداعية الى التلاعب بالدين هي أحد أهم أسباب اتجاه المتدينين عموما و الشباب خصوصا الى الأفكار المتطرفة و أنما يجب تطبيق الشروط و الآداب و الأحكام التي في الشريعة ذاتها فيما يتعلق بمفهوم الجهاد و هي كافية في الرد على هذه المفاهيم
 
و لا يمكن أن يطالع عاقل ابواب الصلح و الهدنة مع المشركين و غيرها من المعاني في كتب الفقه ثم يطاب المسلمين حكاما و محكومين أن يقاتلوا العالم عن بكرة ابيه بل لم يأت من قال بذلك كداعش و غيرها إلا من اهمالهم الرجوع إلى كتب أهل العلم المعتبرين
 
كما ينبغي ان ندرك أن الدين يتضمن وسائل حمايه من التطرف و حماية ابنائه من التهور و ذلك عبر أليات كثيرة منها (تقدم ذكرها و نعيدها هنا لأهميتها) و هي
أ‌-              النصوص الآمرة بالرفق و اللين و الوسطية
ب‌-      الأدلة الدالة على اعتبار المصالح و المفاسد
ج- الأدلة الداعية إلى الفرق بين حال الاختيار و حال الضرورة
د- و بصفة اعم النصوص التي تبين الفرق بين الحكم و الفتوى
ه- مراعاة أن الرخص في حالة انتشار المشكلة  في دولة أو مجتمع تجوز في أحوال اقل من الضرورة
و من ذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم لعائشة رضى الله عنها "لولا ان قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة و لأقمتها على قواعد ابراهيم"
 
الخلاصة
قال تعالى "و الله لا يحب الفساد" فكل فساد روج له البعض باسم الشريعة فلا بد و أن يكون في الشريعة ذاتها الرد على ذلك و بيان فساده و الرد بهذه الطريقة لا نقول يقضى على الفساد نهائيا و لكنه يقلله إلى أدنى درجة و أما ما سوى ذلك من المسالك فتوفر للمتطرفين الشباك التي يصيدون بها الشباب المتدين.