عصام حسنين - وقفات ومواقف... (1) نحن أَخَــــــوان!! - بوابة الفتح الالكترونية
عصام حسنين
2015-01-12 11:12:00

بعد يوم اليرموك الشهير، والذي كان يوم خالد بن الوليد –رضي الله عنه -  حاصر المسلمون دمشق ، وأثناء هذا الحصار جاء كتاب عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- إلى أبي عبيدة بن الجراح –رضي الله عنه- يُعزيه في الصديق –رضي الله عنه- ويُعْلمه أنّه قد استنابه على مَن بالشام ،و أمره أن يستشير خالداً في الحرب. فكتمه أبو عبيدة  من خالد عشرين ليلة حتى فُتحت دمشق
 
فدفعه إليه ..فجاءه خالد وقال:- يرحمك الله ..!!ما منعك أن تعلمني حين جاءك؟!
 
قال:- كرهت أن أكسر عليك حربك ، وما سلطان الدنيا أريد ، ولا للدنيا أعمل !!..وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع !! ، وإنما نحن أخوان !، وما يضير الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه " .
 
بل يعلم الوالي أنه يكاد يكون أدناهما إلى الفتنة ، وأوقعهما في الخطيئة لما تعرض من الهلكة إلا من عصمه الله –عز وجل – وقليل ما هم .[البداية والنهاية 4/331،وسير أعلام النبلاء 3/227]
 
- هذا موقف من مواقف الصحابة العظيمة وغيرها كثير لكننا –الآن- أحوج ما نكون إلى التعلم من هذه المواقف وأخذ الدروس منها والعمل بها ..
 
أولاً :-إن خالد بن الوليد رضي الله عنه – سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين  كما لقبه النبي صلى  الله عليه وسلم – في غزوة مؤتة :- "ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله ففتح الله على يديه " [صحيح]
 
الذي كسرت في يده يومها تسعة أسياف ونجح بالفرار بالجيش من مهلكة شاملة،
 
حارب في أكثر من مائة معركة لم يهزم فيها
 
كان له زلة في عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم–  وزلة في عهد أبي بكر وطلب عمر من أبي بكر أن يعزله فرفض وقال:- "ما كنت لأشيم-أي:أغمد- سيفا سلّه الله على الكافرين".
 
- واستمر خالد –رضي الله عنه – في فتوحاته حتى فتح الله على يديه الشام ؛ فجاء كتاب عمر لأبي عبيدة بتوليته مَن بالشام وعزل خالد .
 
وهنا سؤال ؟: لماذا عزل عمر –رضي الله عنه –خالداً؟!
 
سؤال غَمز ولمز فيه الرافضة والعالمانيون الكارهون للصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) ، والحقيقة كما ذكر ابن كثير –رحمه الله- "ولما بلغ عمر ما فعله خالد بأهل قنسرين وقوله لهم :إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا ".
 
ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه ..
 
قال:- "يرحم الله أبا بكر كان أعلم بالرجال مني ، والله إني لم أعزله عن ريبة ، ولكن خشيت أن يُوكل الناس إليه "[البداية والنهاية4/71]
 
أي:- خشى أن يظن أنهم ينصرون بخالد فيُوكلون إليه ؛ وإنّما النصر من عند الله فيجب التوكل عليه في نصرة الدين .
 
وهذا درس بليغ لجميع العاملين في الدعوة إلى الله –عز وجل- أنّهم - يقيناً-لا يُنصرون بفلان ،ولولا فلان ما تم كذا أو حدث كذا ،  ولو غاب فلان سيحدث كذا إنّما التوكل على الله وحده مع الأخذ بالأسباب {وما النصر إلا من عند الله }.
 
 { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت  وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}.
 
ثانيا:- هذا الموقف يُظهر فضل أبي عبيدة –رضي الله عنه – ومع ما لَه من فضائل عظيمة فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأمين هذه الأمة ...وطلب منه أبو بكر يوم السقيفة أن يتقدم ليستخلفه فقال:- ما كنت أتقدم رجلا أمره رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ ـأن يؤمنّا.
 
وقال عنه وهو يجود بنفسه :-لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته فإن سألني ربي عنه قلت:-"استخلفت أمين الله وأمين رسوله "
 
وهذا الموقف من المواقف العظيمة التي تضاف إلى سجل فضله –رضي الله عنه – والتي سيجازيه الله تعالى عنها ...
 
رجل جاءه كتاب الخليفة بأن يكون أميراً على جيوش الشام؛ فيُخفيه لئلا يكسر على خالد حربه وجهاده ضد الروم ؛فلو أعلم خالداً بالأمر والحرب قائمة على قدم وساق لفتَّ ذلك في عضده ، والله أعلم ماذا سيكون المآل ؟!
 
 فالمصلحة مصلحة الإسلام والمسلمين وليست مصلحة فرد !.
 
فدائمًا قبل النظر إلى مصالحنا الخاصة ننظر إلى مصلحة الإسلام والمسلمين ،وننظر إلى الذي تؤول إليه أفعالنا .
 
وهذا درس بليغ أن تقدم دائما المصلحة العامة للإسلام والمسلمين على مصالحنا الشخصية أو الحزبية أو الطائفية  .
 
فكان الردّ الحسن من خالد –رضي الله عنه- ؛ يرحمك الله - ما منعك ان تعلمني حين جاءك؟
 
قاعدة عامة مضطردة :
الإحسان لا يأتي إلا بالإحسان
 
ولا يضيع أجر المحسنين ، وبذلك تزداد أواصر المحبة والأخوة في الله –تعالى-
 
ثالثاً:- قول أبو عبيدة :-
" وما سلطان الدنيا أريد ، ولا للدنيا أعمل ، وما ترى سيصير  إلى زوال وانقطاع " .وفي رواية بصيغة الجمع وهذا أولي..
 
وهذا هو الظن الحسن بالصحابة –رضي الله عنهم !!.
 
وفيه درس بليغ لنا خاصة مع وجود حزب سياسي وما يتبعه من جاه قد يؤدي إلى تنافس يلزم منه شحناء وتباغض وعمل للدنيا ، وضعف وانتكاسة ،ولا يصيب الدعوة منه إلا الوهن والضعف .
 
فلنرب أنفسنا على :-
" وما سلطان الدنيا نريد ولا للدنيا نعمل ، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع ، وإنما نحن أَخوان ، وما يضير الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه "
 
-         أي نعم   ضغط الواقع قد يعرض بعض الأمور المكروهة للنفس المضادة لذلك ، وهنا يأتي دور الإخوة في التعامل الصحيح للخروج من هذا المأزق :
 
1- أن يُقدم الأصلح في كل مجال .
 
2- التعاون والتشاور والتعليم .
 
3- الإخلاص والتواضع .
 
فمثلاً المشاركة البرلمانية :-
 
لابد وأن يتكلم البرلماني حتى لا  يُعاب  أمام أهل دائرته
 
ولابد وأن يعرض ما يراه واجباً لأهل دائرته ويتكلم بمتطلباتهم وحاجياتهم ومشكلاتهم .
 
فيُعان في ذلك بمشاورة ونصح وأن يتكلم في فنّه ،وما لا يعلمه علِمه ؛فلم يولد الإنسان عالماً وإنّما العلم بالتعلُّم .
 
فكلٌّ يتكلم بما يتقنه ، ويُعان فيما لا يُتقنه!!إذا كنّا لا نُريد الدنيا ولا العمل لها ،وإنّما نريدها قناة دعوية ندعو من خلالها إلى الله –تعالى – وتبيان سياسة شرعية نعلمها لغيرنا ، ومن أهمها :-
 
الإخلاص والحب في الله و العمل ابتغاء مرضاته 
 
= هذا مثال  يُقاس عليه غيره!!
 
- ولم ينته الموقف عن ذلك بل ينتهي بمدح كلٍّ أخاه بما فيه أمام الناس لا أن يقلله ليرتفع بمفهوم المخالفة !!
 
قام خالد –رضي الله عنه -  في الناس خطيباً : "بُعث عليكم أمين هذه الأمة ".
 
وقام أبو عبيدة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :- "خالد سيف من سيوف الله ، نعم فتى العشيرة ".
 
رضي الله عنهما وعن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين ،ووفقنا للعمل بعملهم والتخلق بأخلاقهم.