زين العابدين كامل - السلفية نحو العالمية - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..                                                                                                       
لعل القارئ يتعجب من عنوان مقالي هذا في هذا التوقيت، ويقول نحن فى مرحلة حرجة للغاية والبعض يعدها مرحلة استضعاف فكيف نقول السلفية نحو العالمية؟
أقول لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفر الخندق يوم الأحزاب عرضت لهم صخرة عظيمة شديدة في عرض الخندق لا تأخذ فيها المعاول فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رآها وضع ثوبه فأخذ المعول، وقال: "بسم الله" وضرب ضربة فكسر ثلثها، فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة"، ثم ضرب الثانية فقال: "بسم الله"، ففلق ثلثاً آخر، فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض"، ثم ضرب الثالثة ففلق بقية الحجر، فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" وهنا قال بعضهم:  أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته.. ولكن هذه كانت  بشارة في وقت انتشر فيه الرعب بين الناس؛ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الناس فيه من كرب وبلاء؛ جعل يبشرهم صلى الله عليه وسلم محاولاً أن يقلب هذه المحنة وهذا الكرب إلى نصر ومنحة، وأنا أسلك ما سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقتفى أثره فى محنتنا هذه.

أقول لقد أجمع المسلمون على أن الولايات من أفضل الطاعات فإن الولاة المقسطين أعظم أجرا لما يجرى على أيديهم من إقامة الحق ومحاربة الباطل، ونحن نعتقد أن الإسلام دين ودولة فإذا أقيم الدين استقامت الدولة، وإذا حدث خلل فى أمر الدين اختل أمر الدولة، ولا بد أن نعلم أن الإمامة والولاية رتبة دينية لإقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين وأهداف العمل السياسى المعاصر إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين، وقد تقدم التيار السلفى وشارك فى الحياة السياسية ليقدم سياسة شرعية منضبطة بثوابت الدين وأصول الشريعة وكما هو معلوم إن ممارسة السياسة المعاصرة لابد أن تكون وفق آليات الديمقراطية وهى فى حقيقة الأمر تشبه لحد لا بأس به مبدأ الشورى فى الإسلام وقد رضينا بذلك بما لا يتعارض مع ثوابت الدين وأصول الشرع وذلك تغليبا للمصلحة العامة ودرءا للمفسدة وحفاظا على الدعوة.

وعالمية الخطاب السلفى مستمدة من عالمية الإسلام وقد نشر رسول الله دعوته خارج الجزيرة العربية وكاتب الملوك والأمراء والرؤساء وهكذا فعل الصحابة رضى الله عنهم ومما يؤكد ذلك ما قاله ربعى بن عامر رضى الله عنه لرستم قائد الفرس: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله".
وقد تميز التيار السلفى بصفة عامة والدعوة السلفية بصفة خاصة ببعض الخصائص التى تجعله مؤهلا للعالمية، منها: المرجعية العلمية فلقد أثبت جدارة فى العالم الإسلامى من الناحية العلمية ويشهد بذلك القاصى والدانى وهو الفصيل الوحيد الذى نظرا لتفوقه العلمى حارب البدع والمناهج المنحرفة كفكر الصدام المسلح والتكفير والتوقف والتبين والعقيدة الشيعية الفاسدة والمرجئة والصوفية والأشاعرة وغير ذلك، ولقد أقام المعاهد العلمية وتخرجت الكوادر السلفية فى شتى أنحاء العالم، ومن خصائصه أيضا الثراء فى الكفاءات ووجود قيادات علمية وسياسية وقانونية واقتصادية ونحو ذلك وقد ظهر ذلك جليا فى المرحلة المتأخرة، ومن خصائصه كثرة انتشاره فى ربوع الأرض وكثرة أتباعه وأبنائه لاسيما فى العالم العربى، وإذا نظرنا إلى بلدنا مصر نرى أن الدعوة السلفية قد انتشرت بفضل الله فى كل مدينة ومركز وقرية وشارع ومسجد جامع وزاوية صغيرة وعبر الفضائيات وفى الإذاعات وغير ذلك من أنواع التواصل الجماهيرى، ومن أجل ذلك كان للتيار السلفى القدرة الهائلة على الحشد الجماهيرى بل وانتشرت الدعوة السلفية وظهر نشاطها فى بلاد العالم المختلفة، وللدعوة الآن عدة مكاتب دعوية خارج مصر لاسيما أفريقيا وقد أسلم خلق كثير على يد مسئول الدعوة الخارجية وعبر مكاتب الدعوة، ومن خصائصه أيضا الشمولية فى نظرته للحياة ما بين الدين وهو الجانب الروحى والدنيا وهى الجانب المادى، ومن خصائصه أيضا محاربته للفوضى الفكرية المنتشرة فى المجتمع بمختلف التوجهات والأيديولوجيات والحث على نشر الفكر الوسطى المعتدل، ومن خصائصه أيضا نظرته للمجتمع كجزء لا يتجزأ ولا ينفصل بعضه عن بعض فالمجتمع يكمّل بعضه بعضا فلا إقصاء لأى كيان أو فصيل, ومن الخصائص المهمة المصداقية فى المعاملات والسلوك والأخلاق وقد شهد بذلك حتى أعداء هذا التيار فلا مداهنات ولا كذب ولا خداع ولا غش فهو يشترط أن تكون الوسيلة صالحة ولا تتعارض مع ثوابت الدين فالغاية لا تبرر الوسيلة, ومن الخصائص أيضا التى تؤهله نحو العالمية الصعود السياسى بقوة وثبات رغم العقبات المتتالية.

لقد خاض السلفيون تجربة صعبة فى مصر فى وقت حرج للغاية وما كانت مشاركة الدعوة السلفية في العمل السياسي إلا بعد تغير المعطيات واستطاعت الدعوة السلفية على وجه الخصوص فى مرحلة من المراحل الحرجة جدا أن تقدم أنموذجا فريدا فى الوعى السياسى، بل وتصدرت المشهد السياسى فى وقت من الأوقات واستطاعت أن تغير فى أرقام المعادلة الصعبة وأن تكون جزءا من المعادلة بل أن تكون رقما أساسيا فى المعادلة لا تصلح المعادلة بدونه وقد كانت القوى السياسية والدولية تنتظر فى وقت من الأوقات موقف الدعوة السلفية وحزب النور فى بعض القضايا مما أسهم فى صعود الدعوة السلفية على مستوى العالم السياسى لاسيما بعد أن أثبتت المواقف حسن قراءة الدعوة السلفية للمشهد السياسى والواقع فى مصر، وأثبتت الدعوة السلفية أنها مع حداثتها السياسية إلا أنها فى كثير من المواقف كانت موفقة إلى حد كبير، وقد شهد بذلك أهل الساسة والخبرة فى حين أنه قد أخفقت بعض الحركات الأخرى الأسبق فى العمل السياسى فى قراءتها للواقع وكيفية التعامل معه وكيفية التعامل مع المخالفين.

سيدخل التيار التيار السلفى لاسيما الدعوة السلفية حيث إنها الكيان الوحيد السلفى المنظم مرحلة جديدة من مراحل تطوره بعد أن أثبت جدارة وأهلية فى الريادة والقيادة والقيام بالأمانة .. ولقد أثبتت الأحداث أن الدعوة السلفية تقوم بحق فى نظرتها ومنهجها على الأدلة الشرعية والقواعد الأصولية ولا تنتهى المرجعية كما يدعى البعض عند شيخ الإسلام ابن تيمية أو الإمام أحمد بن حنبل والشيخ محمد بن عبد الوهاب  كما يدعون ولكن السلفية المعاصرة تتصل اتصالا وثيقا بالرعيل الأول الذين رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل خير فى اتباع من سلف وكل شر فى ابتداع من خلف، لذا أستبشر خيرا وأبشر إخوانى، أبشروا فالسلفية فى اتجاهها نحو العالمية،  قال تعالى في سورة النور: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" والله المستعان.