م. عبد المنعم الشحات - أصول الفكر القطبي ( كفر الحكام – جاهلية المجتمعات – مفاصلة المجتمعات-اللجوء للعنف بدعوى الردع) - بوابة الفتح الالكترونية

تمهيد
هذا المقال جزء من دراسة عن تاريخ ظهور مناهج العنف والصدام في الحركة الإسلامية المعاصرة، وكنت أفضل ألا أتعرض لها حتى تهدأ العاصفة وتذهب السكرة وتأتى الفكرة،ولكن من الواضح أن هناك من لا يريد للسكرة أن تذهب،ولا للفكرة أن تأتى بطبيعة الحال!!
 
فتعمد "تحالف دعم الشرعية" أن يدعو إلى ما أسماه بـ"ثورة الشباب المسلم"،وحرص أن يتم ذلك من خلال مجموعة تسمى بـ"الجبهة السلفية"وهى كما بينا في مقالة "الجبهة القطبية وليست الجبهة السلفية" مجموعة قطبية بمسمى سلفي!!
وهذا يعنى أن إصرارهم على جر الشباب السلفي إلى "ممارسات قطبية" تزداد وضوحا يوما بعد يوم؛ مما يوجب علينا التوضيح والبيان.
 
سيد قطب بين السلفية والعقلانية
 
يحلو لبعض المعجبين بسيد قطب - رحمه الله- أن يلحقوه بركب المنهج السلفي، بل ربما جعلوه من أئمته،وبعد أن يقوموا بهذا يعجزون عن الدفاع عن أخطائه في معظم أبواب العقيدة من الأسماء والصفات،والصحابة والإمامة وغيرها،وهى أخطاء نرى بالفعل أنها غير مقصودة ولكنها لا يمكن أن تصدر عن طالب علمٍ درس عقيدة السلف، فضلا عن عالم فيها؛ مما يلزم معه الإقرار بأنه في العلوم الشرعية بمنزلة العوام أو المثقفين على أقصى تقدير.
 
وأما خطؤه الرئيسي فجاء مستندا على مرجعيات شتى منها "مدرسة العقاد الأدبية"،ومنها "النزعة الاشتراكية" التي تأثر بها، ومنها "الصدمة في تنظيم الضباط الأحرار" الذين تعاون معهم حتى قبل أن ينضم للإخوان في الفترة من 1950 إلى 1953 قبل أن ييأس من تنفيذ مشروعه الإصلاحي (عندما كان مشروعه إصلاحيا) من خلالهم فيتجه إلى الإخوان بصفتهم مشروعا إصلاحيا قائما بالفعل يلتقي معظم أهدافه،ولكن الصدمة كانت عليه كبيرة حينما تتبعه، حينما وقع الصدام بين عبد الناصر والإخوان بينما هو يخطو خطواته الأولى كمسئول للتثقيف داخل الجماعة؛ فجلس في سجنه يفكر هو ورفيقه "يوسف هواش" في أمر الدعوة ومستقبلها وتأمينها من بطش الأنظمة الحاكمة،
فمنهج سيد قطب "عقلاني" بامتياز، وأما مرجعيته الشرعية فكانت للقرآن أصالة مع شيء من السنن التي طالعها في كتب التفسير، التي كان يراجعها وهو يكتب خواطره في تفسير القرآن؛وهذا بلا شك أدنى بكثير مما هو مقرر في المرجعية السلفية من الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
 
ومن طبيعة العقل أن يخطئ حينا ويصيب حينا؛ومن ثم فقد أصاب سيد قطب في مواطن من تأملاته القرآنية، لا سيما فيما يتعلق بأهمية العقيدة كأصل يتفرع عليه العمل،ولكن هذا الصواب سرعان ما لحق به خطأ لا يغتفر حينما تواردت أفكاره مع بعض أفكار الخوارج، أو بدرجة أكبر مع أفكار المعتزلة في مسائل الإيمان والكفر؛وهذه طبيعة المناهج العقلية.
 
ضوابط النقل عن سيد قطب
 
قدمنا أن لسيد قطب أخطاء متناثرة في عدة مسائل عقدية، كما أن له كلاما طيبا في أهمية العقيدة ولكنه غالبا ما يأتي متضمنا لكلام فيه تقرير لقواعد تكفيرية،أو يلزم منها التكفير؛ مما يجعل النقل عنه في هذا الباب لابد أن يتسم بالحذر الشديد،ولكن لسيد قطب كلام طيب للغاية فيما يتعلق بالوحدة الموضوعية للسور،وتبيين مقاصدها،واستنباط الفوائد التشريعية والاجتماعية والبلاغية منها؛ والمنهج السلفي قائم على قبول الحق ممن جاء به شريطة أمن عدم التباس الحق بالباطل،وهذا ما يفسر نقل السلفيين عن سيد قطب، هذا بالإضافة إلى أن الكثيرين يميلون - ولو بالعاطفة- إلى التفريق بين سيد قطب وبين المنهج القطبي، وهو ما سنتناوله في الفقرة التالية.
 
بين سيد قطب والمنهج القطبي

 
لا شك أن المنهج القطبي ينسب أصالة إلى سيد قطب،ولكن الأسلوب الأدبي لسيد قطب شجع الكثيرين على محاولة تبرئته من المنهج القطبي الذي انتشر نسبة إليه، مدعين أن هذا المنهج "فهم خاطئ" من أصحابه لكلام سيد قطب.
 
ولنا على هذا المسلك عدة ملاحظات:
1- لا شك أن المنهج القطبي لا ينسب إلى سيد قطب وحده، بل ينسب إلى من هو سابق على سيد قطب كأبي الأعلى المودودي، ولبعض تلاميذه،وعلى رأسهم أخوه محمد قطب وعبد المجيد الشاذلي،ومجموعات أخرى أكثر تطرفا من عبد المجيد الشاذلي؛ بل الصحيح أن جماعة "التكفير والهجرة" هي ذاتها أحد الجماعات التي نشأت على الفكر القطبي في السجون.

2- مسئولية سيد قطب عن كتابات أبى الأعلى المودودي واضحة وكبيرة؛ لأنه هو الذي قررها على الأسر الإخوانية؛ ولذلك اكتفى كتاب "دعاة لا قضاة" من باب المواءمة مع قطبيي الجماعة بتوجيه النقد إلى كتابات أبى الأعلى المودودي التي تعنى توجيه النقد الضمني إلى سيد قطب.

3- مسئولية سيد قطب عن كثير من كتب أخيه محمد قطب كبيرة؛ لأنه كتبها وهو معه في السجن وتحت إشرافه مثل كتاب "جاهلية القرن العشرين"،وكتاب "هل نحن مسلمون؟!".

4- الذي يمكن أن يقبل فيه دعوى عدم مسئولية سيد قطب عنه هو كتابات عبد المجيد الشاذلي، وما فيه من تقعيد أكثر أصولية لمبدأ "المنزلة بين المنزلتين" تحت مسمى "اللوث"، بل إن محمد قطب نفسه لا يتبنى تنظير عبد المجيد الشاذلي بعينه،وإن كان لا يرفضه،وكما لا يرفض مسالك قد تبدو أكثر قربا من الطرح السلفي كالوصول، كإثارة مسألة اشتراط جنس العمل الظاهر في أصل الإيمان، مع أن بعض تفسيراتها تقربها من طرح التكفير والهجرة؛وفى ذلك يقول الشيخ يوسف القرضاوى في مقالة له بعنوان "كلمة أخيرة حول سيد قطب":
«وقد رأينا تجمعات في أقطار مختلفة يسمون (القطبيين)، يتبنون فكرة التكفير، وقد رأيت من آثار ذلك: من سألوني عن الصلاة في البيوت، وترك المساجد باعتبارها معابد الجاهلية، وهو مما فهموه من "الظلال" في تفسير قوله تعالى: "واجعلوا بيوتكم قبلة"، وقد رددت عليهم في الجزء الأول من كتاب "فتاوى معاصرة".

ومن قرأ أدبيات جماعات التكفير يجد آثار هذا الفكر وعباراته المعروفة في صلب هذا الفكر، وإن لم يصرحوا بالنقل عنه» ا.هـ"كلام الشيخ القرضاوى".

 
5- كان سيد قطب أول من استعمل مصطلح "دعاة لا قضاة"،ومن الواضح أنه دشن به لمسألة اللوث أو التوقف لأنه كان يستعملها في معرض الإجابة عن السؤال حول مدى انسحاب الحكم بالجاهلية من المجتمع على أفراده (تفريعا على اعتقاد سيد قطب أن المجتمعات المعاصرة مجتمعات جاهلية).
بينما استعمله الأستاذ الهضيبى بمعنى التنفير من التكفير.

 
منهج سيد قطب من وجهة نظر الشيخ القرضاوي
 
من المفيد هنا قبل أن نلخص منهج سيد قطب من خلال كتاباته بقلمنا، أن نؤكد - حتى لا يظن أحد أن هذا الفهم نوع من التجني على الرجل- أن ثمة اتفاق على أن هذه الأصول موجودة في كتابات سيد قطب، وأن مفكري الإخوان يكادون يتفقون على هذا ولكنهم ينقسمون فيما بعد إلى أربعة أقسام:
 
الأول:معتقد لهذه الأفكار؛ ومن ثم تقر جماعة الإخوان مثل عبد المجيد الشاذلي
(الذي أيد حازم أبو إسماعيل في انتخابات الرئاسة، ثم دخل في تحالف دعم الشرعية بعد ذلك).
الثاني: معتقد لها أو لمعظمها مع بقائه في الجماعة مثل سعيد حوى.
الثالث: من يلتمس التأويل لسيد قطب في أنه لم يعنِ المتبادر إلى الذهن من كلامه مثل المستشار سالم البهنساوى.
الرابع:من يرى وجوب التصريح بخطأ "كتابات" سيد قطب في هذا الباب حتى ولو التمست أعذار له من أنه لم يقصد أو تراجع،ومن هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوى الذي لخص منهج سيد قطب ونقده في مقالة بعنوان "كلمة أخيرة عن سيد قطب"، ننقل منها المواطن التي لخص فيها منهج سيد قطب فمن ذلك قوله:
 
«وسيد قطب ينطلق من أن الأمة المسلمة قد انقطع وجودها منذ زمن، ولابد من إعادتها من جديد، وكل الموجودين اليوم من سلالات أقوام كانوا مسلمين، وأوطانهم كانت من قبل دارا للإسلام، ولم تعد اليوم دارا للإسلام، وإذا لم يكونوا مسلمين، فعلينا أن ندعوهم إلى اعتناق العقيدة الإسلامية، وأن يدخلوا في الإسلام من جديد».
 
ويقول:
« فهو يرى أن الإسلام قد انقطع وجوده من الأرض، فلا توجد أمة مسلمة، ولا يوجد مجتمع مسلم، بل لا يوجد أفراد مسلمون، لا بمعنى أنهم ارتدوا عن الإسلام، بل لأنهم لم يدخلوا أصلا في الإسلام؛ لأن دخول الإسلام لا يتحقق إلا بشهادة أن (لا إله إلا الله)، بما تتضمنه من إفراد الله تعالى بالحاكمية، وهم لم ينطقوا بالشهادة بهذا المدلول.
وهذا هو المفهوم الذي أنكره العلامة الندوي على "سيد" وعلى "المودودي" من قبله، وسماه (التفسير السياسي للإسلام)».
 
ويقول:
«وغاية سيد قطب: أن يعلن رفض هذا المجتمع كله من حوله؛ فهو مجتمع جاهلي لم يدخل بعد في الإسلام، المطلوب: أن ندخل الناس في الإسلام من جديد، وندعوهم إلى اعتناق عقيدته، كما دعاهم الرسول وأصحابه، وأن نشعرهم بأنهم شيء ونحن شيء، وأن نصارحهم بذلك بلا وجل ولا خجل حتى يعرفوا حقيقة أنفسهم».
 
ويقول:
«وسيلة سيد قطب: هي الدعوة والتربية أيضا مع غرس الشعور في العصبة المؤمنة القليلة -التي هي المسلمة دون من عداها- بالعزلة الشعورية من المجتمع، ورفض الانفتاح والتحاور مع الآخر، بل وتجب التعبئة الفكرية والشعورية ضده، وتقديم سوء الظن بهؤلاء الذين لا يضمرون إلا الشر والعداوة لمسلمين».
 
ومن هذه النقول عن الشيخ يوسف القرضاوى يتبين لنا أنه لخص أهم أخطاء سيد قطب في الأمور التالية:
1- الحكم بكفر الحكام.
2- الحكم بجاهلية المجتمعات.
3- دعوته للعزلة الشعورية.
وقد فات الشيخ القرضاوى أن يتعرض لخطأ آخر من أهم أخطائه، أو لعله سكت عنه لكونه من موروثات عصر الأستاذ حسن البنا، كما أن الجماعة أعادت اعتماده بصورة أو بأخرى وهى فكرة (اللجوء للعنف كأسلوب ردع  إذا تعرضوا لحملة أمنية).
وسوف نتناول هذه العناصر مع التركيز بشكل أكبر على العنصر الرابع الذي أغفل الشيخ القرضاوى ذكره.
 
تتمة: البنا وقطب والبناويون والقطبيون
 
هل يوجد خلاف جوهري بين فكر الأستاذ سيد قطب والأستاذ حسن البنا؟
 
الإجابة على ذلك متفاوتة أشد التفاوت بين مفكري الإخوان أنفسهم فضلا عن غيرهم، وعندي أن سبب ذلك أن فكر الأستاذ حسن البنا - رحمه الله- قد مر بمرحلتين: الأولى في الثلاثينيات وكان لا يتبنى تكفير الحكام سواء الملك أو رؤساء الحكومات، بما في ذلك رؤساء الحكومات التي عارضتها كل القوى الوطنية مثل حكومة إسماعيل صدقي، الذي يرى المستشار طارق البشرى أن تأييد الإخوان له يمثل خطأ يستعصى على التأويل ولا يجدي معه إلا الاعتذار.
 
كما كان الأستاذ البنا منفتحا على المجتمع،وكان ينبذ العنف.
 
وشهدت مرحلة الأربعينيات تطورا في فكر حسن البنا؛ حيث اتسم كلامه مع الحكام بالشدة، كما أسرف في مدح إسلام وإيمان أبناء جماعته في مقابل إسلام وإيمان غيرهم،والأخطر من هذا أنه بدأ من الناحية العملية فكر "الردع بالعنف" بتأسيس التنظيم الخاص مشفوعا بتنظير نظري مقتضب في جملة "إننا لن نلجأ للعنف إلا مضطرين".
 
ونستطيع أن نقول إن فكر الأستاذ سيد قطب تطوير طبيعي لفكر الأستاذ البنا في مرحلة الأربعينيات في هذه الاتجاهات الثلاثة: (العلاقة بالدولة – العلاقة بالمجتمع – اللجوء للعنف بداعي الردع )،وأنه في كل هذه الاتجاهات نحا نحو مزيد من الغلو، وأنه أضاف إليها العزلة الشعورية والزهد في الوصول إلى الحكم،وأن هذه النقاط هي التي تميزه بشكل واضح عن فكر البنا في مرحلتيه.
 
والسؤال الآخر:هل ينقسم الإخوان إلى بناويين وقطبيين؟
 
يقسم معظم الباحثين الإخوان إلى تيارين:
الأول:يطلق عليهم الباحثون وصف "بناويين"،والأجدر بهذا الوصف هم الذين يحملون فكر "بنَّا الثلاثينيات" مثل عمر التلمسانى ومعظم أبناء جيل الجماعة الإسلامية الذي انضم للجماعة في عهده.
 
الثاني:يطلق عليهم الباحثون وصف "قطبيين"،وهؤلاء منهم من على نهج حسن البنا في الأربعينيات،ومنهم من سبق له الانضمام للتنظيم الخاص،ومنهم من على نهج سيد قطب ومنهم من يأخذ ملامح من أحدهما وملامح من الآخر؛وهذا مما يجعل قطبي جماعة الإخوان مختلفين عن التيار القطبي الذي انشق عنها بصفة كاملة (وإن قربت بينهما الظروف أحيانا،وفى هذه الأحيان غالبا ما يدفع الجماعة التيار السلمي "الإصلاحي  البنَّاوى" ثمن هذا التقارب، بل ويدفع الوطن كله ثمنا باهظا لذلك).
 
"لماذا أعدموني؟!" سيد قطب يلخص عناصر فكره وكيف تكون!
 

تمثل الشهادة التي كتبها سيد قطب للنيابة في قضية تنظيم 65 ملخصا لفكر الرجل في آخر مرحلة من حياته،وهى الشهادة التي تم نشرها تحت عنوان "لماذا أعدموني؟!"،

ولصراحة ما فيها من أفكار حاول البعض التشكيك في نسبتها لسيد قطب،ولكن شهادة كثير من معاصريه بأن النسخة الخطية التي اطلعوا عليها عند الناشر أنها بخط الأستاذ سيد قطب رحمه الله.

كما حاول البعض التشكيك في مصداقيتها بدعوى أنها كتبت تحت الإكراه،والذي يقرأها وما فيها من أسلوب أدبي وإسهاب وشرح وتعليل يتأكد أنها تعبر عن إرادة كاتبها - وأهم من هذا كله- أنها تمثل الآن منهجا متبعا عند كثير من الجماعات المعروفة باسم "السلفية الجهادية"، كما أن الواقع العملي يبين تبنى الجبهة القطبية المسماة بـ"الجبهة السلفية" مع  القيادات القطبية في الإخوان لهذه الأفكار؛ مما يؤكد ضرورة التعامل معها بجدية،

ومن المواطن التي تحدث فيها بصورة تجمع تقريبا جميع خصائص فكره قوله:
(وبعد مراجعة ودراسة طويلة لحركة الإخوان المسلمين ومقارنتها بالحركة الإسلامية الأولى للإسلام أصبح واضحا في تفكيري - وفي تفكيره كذلك- أن الحركة الإسلامية اليوم تواجه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها المجتمعات البشرية يوم جاء الإسلام أول مرة من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية، والبعد عن القيم والأخلاق الإسلامية - وليس فقط البعد عن النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية- وفي الوقت نفسه توجد معسكرات صهيونية وصليبية استعمارية قوية تحارب كل محاولة للدعوة الإسلامية، وتعمل على تدميرها عن طريق الأنظمة والأجهزة المحلية بتدبير الدسائس والتوجيهات المؤدية لهذا الغرض، ذلك بينما الحركات الإسلامية تشغل نفسها في أحيان كثيرة بالاستغراق في الحركات السياسية المحدودة المحلية، كمحاربة معاهدة أو اتفاقية، وكمحاربة حزب أو تأليب خصم في الانتخابات عليه.
 
كما أنها تشغل نفسها بمطالبة الحكومات بتطبيق النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية، بينما المجتمعات ذاتها بجملتها قد بعدت عن فهم مدلول العقيدة الإسلامية والغيرة عليها، وعن الأخلاق الإسلامية.. ولابد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة: وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية من يقبل هذه الدعوة وهذه المفهومات الصحيحة، تربية إسلامية صحيحة، وعدم إضاعة الوقت في الأحداث السياسية الجارية. وعدم محاولات فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي؛ لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تحكم به.
 
وفي الوقت نفسه، ومع المضي في برنامج تربوي كهذا، لابد من حماية الحركة من الاعتداء عليها من الخارج، وتدميرها ووقف نشاطها وتعذيب أفرادها، وتشريد بيوتهم وأطفالهم تحت تأثير مخططات ودسائس معادية، كالذي حدث للإخوان سنة 1948، ثم سنة 1954 وسنة 1957، وكالذي نسمع ونقرأ عنه مما يحدث للجماعات الأخرى، كالجماعة الإسلامية في باكستان، وهو يسير على نفس الخطة وينشأ عن نفس المخططات والدسائس العالمية.
 
وهذه الحماية تتم عن طريق وجود مجموعات مدربة تدريبًا فدائيًا بعد تمام تربيتها الإسلامية من قاعدة العقيدة ثم الخلق.. هذه المجموعات لا تبدأ اعتداء، ولا محاولة لقلب نظام الحكم، ولا مشاركة في الأحداث السياسية المحلية. وما دامت الحركة آمنة ومستقرة في طريق التعليم والتفهيم والتربية والتقويم، وما دامت الدعوة ممكنة بغير مصادرة لها بالقوة، وبغير تدمير لها بالقوة، وبغير تعذيب وتشريد وتذبيح وتقتيل؛ فإن هذه المجموعات لا تتدخل في الأحداث الجارية، ولكنها تتدخل عند الاعتداء على الحركة والدعوة والجماعة لرد الاعتداء وضرب القوة المعتدية بالقدر الذي يسمح للحركة أن تستمر في طريقها)!!
 
1- انه يرى أن حال الأمة الآن كحالة المجتمعات عند بدابة دعوة الرسل.
 
2- أن دور الحكام في رأيه هو تنفيذ مخططات الغرب في حرب الإسلام، هكذا بالعموم وبلا تفصيل ولا بينة،وهو في هذا الباب ينطلق من منطلق آخر وهو أشبه بالحتميات الاشتراكية في أن الحاكم ومن حوله الطبقة الحاكمة ككل لابد أن يعادوا الدعوة،وأن الضعفاء يترددون ثم يحدث التمايز فينضم بعضهم إلى معسكر الإيمان والبعض الآخر إلى معسكر الملأ، ثم يأتي النصر من السماء!!
(في تواكلية عجيبة ترقى إلى أن تُجعل أصلا من أصول فكر سيد قطب أو على الأقل سمة في غاية الظهور).. يقول سيد قطب في تفسير سورة الأعراف تعليقا على قصة شعيب عليه السلام مع قومه:
«ذلك ليعلم أصحاب الدعوة إلى الله أن المعركة مع الطواغيت مفروضة عليهم فرضًا، وأنه لا يجديهم فتيلًا أن يتقوها ويتجنبوها؛ فالطواغيت لن تتركهم إلا أن يتركوا دينهم كلية، ويعودوا إلى ملة الطواغيت بعد إذ نجاهم الله منها. وقد نجاهم الله منها بمجرد أن خلعت قلوبهم عنها العبودية للطواغيت ودانت بالعبودية لله وحده...
فلا مفر من خوض المعركة، والصبر عليها، وانتظار فتح الله بعد المفاصلة فيها،وأن يقولوا مع شعيب:
"عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ".. ثم تجري سنة الله بما جرت به كل مرة على مدار التاريخ..».
 
3- أنه وفق هذه الرؤى لا يرى جدوى العمل الدعوى ولا الإصلاح السياسي،ولكنه يرى العمل التربوي الخاص،والخاص جدا مع "النخبة المؤمنة".
 
4- أنه لا يرى العنف وسيلة للدعوة،ولكنه يراه ضروريا لما أسماه بـ"الردع"،وهذا الردع عنده يوجه إلى الدولة (رموزها)، فإن لم يكفِ ذلك أولم يقدر على ذلك فلا بأس عنده بأن يوجه إلى (مرافقها)،ولو تأثر بذلك المجتمع ولا عجب؛ فالمجتمع عنده مجتمع جاهلي في المقام الأول والأخير،وأفراده ما بين "كافر بعينه، أو متوقف في الحكم بإسلامه، أو لم يرق بعد إلى درجة المسلم المعصوم الدم والمال"!
قال سيد قطب في وصف إجراءات الردع التي اتفقوا عليها:
«وهذه الأعمال هي الرد فور وقوع اعتقالات لأعضاء التنظيم بإزالة رؤوس في مقدمتها رئيس الجمهورية، ورئيس الوزارة، ومدير مكتب المشير، ومدير المخابرات، ومدير البوليس الحربي، ثم نسف لبعض المنشآت التي تشل حركة مواصلات القاهرة لضمان عدم تتبع بقية الإخوان فيها وفي خارجها كمحطة الكهرباء والكباري، وقد استبعدت فيما بعد نسف الكباري كما سيجيء».
 
وجاء هذا التوضيح لاحقا بقوله:

«... وكان قد جرى في أثناء المناقشات الأولية عن الإجراءات التي تتخذ للرد على الاعتداء إذا وقع على الإخوان اعتداء حديث عن تدمير القناطر الخيرية الجديدة وبعض الجسور والكباري كعملية تعويق، ولكن هذا التفكير استبعد لأنه تدمير لمنشآت ضرورية لحياة الشعب وتؤثر في اقتصاده، وجاء استبعاد هذه الفكرة بمناسبة حديث لي معهم عن أهداف الصهيونية في هذه المرحلة من تدمير المنطقة:
... أولًا: من ناحية العنصر البشري بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي..
... ثانيًا: من ناحية تدمير الاقتصاد .. وأخيرًا التدمير العسكري .. فقال الأخ علي عشماوي بهذه المناسبة: ألا يُخشى أن نكون في حالة تدمير القناطر والجسور والكباري مساعدين على تنفيذ المخططات الصهيونية من حيث لا ندري ولا نريد؟!
... ونبهتنا هذه الملاحظة إلى خطورة العملية فقررنا استبعادها والاكتفاء بأقل قدر ممكن من تدمير بعض المنشآت في القاهرة لشل حركة الأجهزة الحكومية عن المتابعة؛ إذ إن هذا وحده هو الهدف من الخطة».
 

تنبيه: حكم ترك الإنكار على دعاة العنف

مما سبق نعلم أن هناك من يتبنى العمل المسلح مباشرة،وأن هناك اتجاهات أخرى مثل إخوان الأربعينيات والتيار القطبي يلجأون للعنف تحت دعوى "الردع"،ورأينا كيف أن هذا الردع المزعوم يمكن أن ينال أرواحا ومنشآت وممتلكات عامة وخاصة وتعطيل لمصالح الناس.
 وهناك بعض من عصمه الله من هذا ومن ذاك إلا أن الشيطان يدخل له من مدخل آخر و"هو ترك الإنكار على دعاة العنف" من باب ردع الأنظمة أيضا، مدعيا أنه في هذه الحالة يحقق الردع المتوهم؛ في حين أنه لا يلحقه لوم ولا عتاب ولا إثم في شأن هذا العنف!

وهذا في حالة هذا العنف الذي يصل إلى إراقة دماء معصومة - حتى ولو ارتكب صاحبها مظالم، كما يتضمن قتل جنود وضباط الجيش والشرطة، كما يتضمن تهديد مصالح المجتمع - باطل من وجوه منها:
1- أن الدعاة إلى الله يتحملون في الدنيا والآخرة تبعة الدماء التي تراق بغير حق إن لم ينكروا.
 
2- أن صورة الإسلام والدعوة إلى الله خاصة تشوه بمثل هذه الأفعال.
 
3- أن الترك المؤقت لدعاة العنف وهْم كبير،وإلا فمتى توحشوا ازداد غلوهم وزادت خطورتهم،وهاهم "داعش" يخرجون عن طوع أبى محمد المقدسي، ثم يُعملون القتل فيمن ما زال على طريقته مثل "جبهة النصرة"،وهم ينتمون إلى التيار السرورى الذي عهد عنه السكوت عن التيار القطبي ومحاولة الدفاع عنه وضمه إلى أهل السنة.

4- ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الشيخ محمد بن سرور بن نايف زين العابدين ألف في الرد على "التكفير والهجرة"،وفى الرد على "التوقف والتبين"، فاختار مجموعات صغيرة من غلاة غلاتهم فرد عليهم معرضا عن الرد على التيار الرئيسي لهم الذي يمثله عبد المجيد الشاذلي؛ فحصل من هذا أن التيار السرورى يسكت عن أخطاء التيار القطبي فيما يتعلق بحكمهم على الحكام والمحكومين،وفيما يتعلق بتبنيهم لاستعمال العنف بداعي الردع.
 
وبعد هذا البيان نرجو الله أن نكون قد وفقنا إلى تحذير إخواننا من التيار القطبي والسرورى بما يكفل لهم مقاطعة جميع فعالياتهم التي تدار وفق هذا المنهج المنحرف.
ونسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنباه!