د. علاء بكر - المنهج الإبليسي في رفض الآخر - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2014-11-26 11:36:00

تقوم السياسية في النهج الغربي على الصراع المادي بين الخصماء السياسيين ، وهو صراع قوامه اللدادة في العداء ، والفجر في الخصومة ، وإن أظهر المتنافسون غير ذلك ، أو أبدوا الاحترام المؤقت لمن وجدوا بيده السلطة. أما إن صار الخصم ضعيفًا قابلوه بالتخوين والإقصاء ، وعمدوا إلى اغتياله سياسيًّا. وهذا من مساوئ الديمقراطية على الطريقة الغربية ، ولا يرى الغرب فيها أي غضاضة ، فهي عندهم ضريبة لا بد منها عند الأخذ بالديمقراطية. وهم لا يتصورون أن يمارس السياسية من يلتزم بقيم أو أخلاق أو بآداب ، بل يعدونه لا يفهم في السياسة ، خاصة إذا كانت آداب وأخلاق وقيم الإسلام السامية الراقية .
 
ولقد حرصت الدعوة السلفية عندما خاض أبناؤها العمل السياسي على الممارسة السياسية وفق الشرع ، ومراعاة أحكامه ، والاجتهاد في إطارها ، إذ إن مدار  السياسية في كثير من جوانبها  تقوم على الاجتهاد فى الأخذ بالممكن وبما يوافق الشرع إن لم يتحقق المأمول ، وهي اجتهادات قابلة للخطأ والصواب عند الترجيح ، وقابلة لعدم إدراك كل ما كان يرجى منها عند العمل بها والتطبيق. ويمكن القول بلا مبالغة : إن أبناء الدعوة السلفية قد وفقوا إلى درجة كبيرة في ممارساتهم السياسية ، ولعل من أهم أسباب هذا التوفيق هذه المراعاة للشرع ، و هذا  التمسك  بآداب  الإسلام وأخلاقه ، حيث فاقوا في هذا الشأن غيرهم بمراحل ، واتقوا الله ما استطاعوا في من خالفهم ، وإن لم يتق مخالفهم الله فيهم. وأثبتوا بذلك أنه يمكن ممارسة السياسية وفق الشرع لا وفق منهج الغرب ، ولله الحمد والمنة.
 
والشدة في العداوة إلى حد الحرص على القضاء على المخالف - سنة إبليس ، الذي ساءه أن يرى آدم – عليه السلام - يُقدّم عليه ، فكنّ له ولذريته العداوة ، مع أن آدم عليه السلام لم يضمر أو يظهر له العداء. وجاء منهج إبليس في هذه العداوة مبنيًّا على :
 
 - الأنانية المفرطة والنظرة التحكمية للأمور ، إذ قال : ( أنا خير منه ) ، مع أنه لم يكن خير من آدم عليه السلام. وما زلت المقولات العنصرية والفكر القومي في عالمنا المعاصر  تتعامل مع مخالفيها بالنهج نفسه .
 
- عدم الاعتداد بالإيمان والعمل الصالح في تقدير الأفضلية ، وإنما هي النظرة الضيقة إلى الانتماء لجنس أو عرق أو وطن ، وربط الأفضلية بها ، إذ قال : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ( الأعراف 12)، وهو قياس فاسد من جهة ، ومعارض  للأمر الإلهي بالسجود لآدم عليه السلام من جهة أخرى ، ولا قياس مع نص .
 
- إنكار أحقية الآخر في التميز عليه ، إذ رفض إبليس أن يقدم الله تعالى آدم عليه ، والله أعلم بعباده .
 
- اعتقاد أن تحقيق الأفضلية يكون  بإبعاد الآخرين وإقصائهم ، إذ رأى إبليس لتحقيق المساواة بآدم أن يبعده عن ربه ، فيصير هو وأدم في المكانة سواء ، أو يقدم هو على آدم بذلك .
 
- الحسد  لمن رآه يقدّم عليه ، وإن كان مستحقًا لهذا التقدم ، وتمني زوال النعمة منه ولو بإضلاله أو تحطيمه.    
 
- الاغترار بالنفس وحب التحدي في الباطل ، والتمرد على الخالق عز وجل ،  فلم يتب إبليس ، ولم يطلب فرصة للتوبة ، ولكن طلب الفرصة للتحدي والتمادي في الشر ، فلم يكن همه نجاة نفسه ولكن تحطيم الآخرين ، إذ قال : ( رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) ( ص 79 -82) . ، وقال : ( أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلًا ) ( الإسراء 62) .
 
- رفض الامتثال للأخلاق في صراعه مع آدم ، إذ قال في بيان منهجه : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم  ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم  ولا تجد أكثرهم شاكرين ) ( الأعراف 16-17) . وقال عنه الله تعالى : ( فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما  وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين  وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور ) ( الأعراف 20-22) . ومازال هذا دأبه مع ذرية آدم ، يكذب ويخادع ويزين الباطل ، ( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ) ( النمل 24) ، ( العنكبوت 38) .
 
- الكبر وطلب العلو في الأرض ولو بالإفساد ، قال تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين )( البقرة 34) . والله تعالى يقول فى قصة قارون  : ( تلك الدار الآخرة  نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض و لا  فسادًا والعاقبة  للمتقين )  ( القصص 83 )  .
 
- محاولة تحطيم الآخر إيمانيًّا و معنويًّا بإيقاعه في الضلالة  بما يغضب الله تعالى عليه . وقد وصل الأمر بإبليس أن زين لأتباعه من الضالين من البشر أن يحطموا المخالفين لهم من الصالحين تحطيمًا حسيًّا بقتلهم وإبادتهم . وقد ذكر الله تعالى في كتابه أبشع صور هذه الإبادة الحسية في سورة البروج قال تعالى : ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) ( البروج 4-10) .وجاء في تفسيرها في قصة الملك والغلام التي رواها الإمام مسلم في صحيحه مرفوعة : ( فأمر – أي الملك الطاغية – بالأخدود في أفواه السكك ، وأضرم النيران ، وقال : من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها ، أو قيل له اقتحم ، ففعلوا ، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام  يا أمه اصبري فإنك على الحق) .
نسأل الله تعالى أن يعصمنا من التجني على من يخالفنا من المسلمين ، أو أن نعامله بما لا يليق شرعًا ، وأن يوفقنا بالتمسك بأحكام الشرع و آدابه، اللهم آمين .