محمود عبدالحميد العسقلاني - السلفيون..وتحقيق الاتباع - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالاتباع هو: اتباع ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكتاب والسنة، وقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بالتمسك بسنته، وبين لهم أن الاختلاف سيكثر، والأهواء سوف تظهر، والعصمة من ذلك إنما هي في التمسك بالكتاب والسنة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

وبين -صلى الله عليه وسلم- أن خير الهدي هو هديه -عليه الصلاة والسلام-، وأن كل محدثة بدعة، وقد بين الله -سبحانه وتعالى- أن الهداية إنما تكون باتباعه -صلى الله عليه وسلم-، فقال تعالى: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف:158)، (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)(النور:54).

وحذر الله -سبحانه وتعالى- من مخالفته -صلى الله عليه وسلم- فقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63). وتوعدهم الله -سبحانه وتعالى- بالعذاب على مخالفة أمره -صلى الله عليه وسلم- فقال -تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يا ليتني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً . يَا وَيْلَتِى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً) (الفرقان: 28-27)، وقال-تعالى-: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ) (الأحزاب:66)، وهذا تندم المخالفين لهديه -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة. 
وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَطَاعَنِي؛ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي؛ فَقَدْ عَصى اللهَ) (متفق عليه)، وذلك لأن الله جعل طاعة الرسول طاعة له -سبحانه-؛ فقال تعالى: (مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)(النساء:80)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي؛ فَقَدْ أَبَى) (رواه أحمد والبخاري).

وقد حث أهل العلم على متابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال الإمام أحمد: "من علم طريق الحق؛ سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أحواله وأقواله".
وقال ابن القيم: "فمن صحب الكتاب والسنة، وتغرب عن نفسه وعن الخلق، وهاجر بقلبه إلى الله؛ فهو الصادق المصيب".
وقال ابن تيمية: "فكل من اتبع الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فالله كافيه، وهاديه، وناصره، ورازقه".
وقال -أيضًا-: "من فارق الدليل؛ ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- ".
وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "عليك بالاستقامة، اتبع ولا تبتدع".
وقال سهل التستري: "ما أحدث أحد في العلم شيئًا إلا سئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنة؛ سلم، وإلا فلا".
وقال الشافعي -رحمه الله-: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس".
وقال ابن خزيمة: "ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها".
وقال ابن عبد البر: "الحجة عند التنازع السنة؛ فمن أدلى بها؛ فقد أفلح".
وقال ابن شهاب: "بلغنا عن رجال من أهل العلم قالوا: الاعتصام بالسنة نجاة"، وقال ابن القيم: "ولا يحبك الله؛ إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرًا وباطنًا، وصدقته خبرًا، وأطعته أمرًا،َ وأحببته دعوة، وآثرته طوعًا عن حكم غيره بحكمه".
وقال الجنيد: "الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول".
والاتباع ضد الابتداع، فالبدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها: المبالغة في التعبد لله -تعالى-، أي أن المبتدع ليس على هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنما هو آتٍ بشيء جديد، ليس له فيه سلف.
ومضرة البدع، وهدمها للدين، ومنافاتها له أشد من عامة الفواحش، والظلم، والعدوان، والبدع تؤدي إلى ضياع ثواب الأعمال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الخوارج الذين لم يكونوا على السنة مع عظم عبادتهم: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ ، وَصَوْمَهُ مَعَ صَوْمِهِمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (رواه ابن ماجة، وصححه الألباني)، ولذلك؛ كان تحذير السلف من البدع، والمبتدعين، قال الحسن البصري: "من وقر صاحب بدعة؛ فقد سعى في هدم الدين" وقال -أيضًا-: "لا تجلس إلى صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك، ويفسد عليك دينك، وخير أمور الدنيا ما كان سنة، وشر الأمور المحدثات البدائع".
قال الأوزاعي: "ما ابتدع رجل بدعة؛ إلا سلب الورع". وقال سفيان:"البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها".

قال ابن عباس: "النظر إلى رجل من أهل السنة يدعو إلى السنة، والنهي عن البدعة عبادة".
وعن ابن عباس -رضي الله عنه- في قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران:106)، قال: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة". وقال الفضيل بن عياض: "اتبع طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق البدعة، ولا تغتر بكثرة الهالكين".
والاتباع عند السلفيين إنما يقصد به اتباع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، كما قال الإمام أحمد: "الاتباع: أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخير". وقال رحمه الله (أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والاقتداء بهم)، وقد قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:115)، فقوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) لا شك أنهم الذين ذكروا في الآية السابقة: (مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة:100).
 فلا يجوز للمسلم- باسم اتباع الكتاب والسنة- أن يتبع أراءً أو أقوالاً تخالف ما كان عليه سلفنا الصالح، ذلك؛ لأن ما كانوا عليه تبيانًا للكتاب والسنة، فالسنة ليس لنا طريق إلى الوصول إليها والتعرف عليها؛ إلا من طريق أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك؛ فلا سبيل إلى أن يكون المسلم من أهل السنة، ومن الفرقة الناجية إلا بأن يتبع الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح.
 فعدم الرجوع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح من المفاهيم هو السبب الأصيل الذي جعل المسلمين يتفرقون إلى مذاهب شتى، وطرق قددًا، فمن كان يريد -حقًّا- الرجوع إلى الكتاب والسنة؛ فيلزمه الرجوع إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان، فما اتفقوا عليه؛ لا يجوز لنا مخالفته، وما اختلفوا فيه على قولين؛ فلا يجوز لنا إحداث قول ثالث، فالدين ما دانوا به، والحق ما قاموا عليه، قال تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) (البقرة:137).