د. أحمد فريد - من أخلاق النصر - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2014-10-16 11:36:00

إنفاد أبي بكر الصديق جيش أسامة بن زيد، الذين كانوا قد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشباب! حيث قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة، فيغيروا على تلك الأراضي، فخرجوا إلى الجُرف، فخيموا بها، وكان بينهم عمر بن الخطاب، ويقال: أبو بكر الصديق، فاستثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم للصلاة، فلما ثقل رسول الله أقاموا هناك، فلما مات عظم الخطب واشتد الحال، ونجم النفاق بالمدينة، وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق، ولم يبق للجمعة مكان سوى مكة والمدينة، وكانت "جواثا" من البحرين أول قرية أقامت الجمعة بعد رجوع الناس إلى الحق، كما في "صحيح البخاري" عن ابن عباس، وقد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الإسلام، ولم يفروا...، والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور، أشار كثير من الناس على الصديق ألا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم؛ لأن ما جهز بسببه في حالة السلامة، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فامتنع الصديق من ذلك وأبى أشد الإباء إلا أن ينفد جيش أسامة، وقال: "والله لا أحُلٌ عقدة عقدها رسول الله، ولو أن الطير تخطفنا من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لأجهزن جيش أسامة"، وأمر الحرس يكونون حول المدينة، فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك، فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة، فقاموا أربعين يومًا: ويقال: سبعين يومًا، ثم أتوا سالمين غانمين، ثم رجعوا فجهزهم حينئذ مع الأحياء الذين أخرجوهم لقتال المرتدين ومانعي الزكاة.
 
نوم علي بن طالب في فراش النبي صلى الله عليه وسلم استجابة لأمره صلى الله عليه وسلم: قال ابن إسحاق: فأتى جبريل عليه السلام رسول صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي تبيت عليه"، قال: فلما كانت عتمة من الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: "نم على فراشي، وتسجّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده هذا إذا نام.
 
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام وهم على بابه: إن محمدًا يزعم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم، فجعلت لكم جنات كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نارًا تحرقون فيها.
 
قال: وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: "أنا أقول ذلك، أنت وحدهم"، وأخذ الله تعالى أبصارهم عنه فلا يرون، فجعل ينشر ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلوا هذه الآيات: "يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ " إلى قوله تعالى: " فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ"، حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فآتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنظرون ههنا؟! قالوا: محمدًا، قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟!
 
قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيًا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائمًا، فلم يبرحوا كذلك، حتى أصبحوا فقام علي رضي الله عنه عن الفراش، فقالوا: لقد كان صدقنا الذي حدثنا.
 
مسارعة الصحابة إلى إراقة الخمر بعد تحريمها تعظيمًا لأمر الله عز وجل وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانًا وفلانًا، إذ رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس فلا تسألوا عنها، ولا راجعوها بعد خبر الرجل.
 
ومن ذلك قصة تحويل القبلة ومباردة الصحابة بالتوجه إلى الكعبة دون تأخير: عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم ركوع، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة فداروا كما هم قِبل البيت.
 
واستدل به الإمام الشافعي على أن خبر الواحد يؤخذ به في الأحكام والعقائد؛ فالصحابة رضي الله عنهم تركوا القبلة التي كانوا عليها لخبر واحد ما قالوا: ننتظر حتى يتواتر الخبر، أو حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك من مسارعتهم إلى تنفيذ أمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.