د. أحمد حمدي - داعش ومنهج التغيير والإصلاح - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2014-10-12 20:36:00

أولاً: قضية التمكينالتمكين وسيلة لتحقيق غاية، وهي العبودية لله في الأرض، وليس التمكين غاية في نفسه، قال تعالى: "الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ".

والتمكين وعد من الله: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا". والتمكين منة من الله: "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ" فليست هناك طريقة أو وسيلة واحدة للتمكين.. بل إما: 

1- أن يؤمن الناس بأنفسهم ويستجيبوا لدعوة الرسل كما آمن قوم يونس.

2- أو أن يهلك الله أعداء الدين كما أهلك ثمود وعادا وفرعون.

3- أو بالدعوة إلى الله وبالقرآن كما فتحت المدينة واليمن والبحرين.

4- أو بالقوة والسنان كما فتحت مكة.

5- أو أن يهدي الله أحد أهل السلطان، فينصر الله به الدين، كما حدث مع الشيخ محمد بن عبدالوهاب عندما نصره الأمير محمد بن سعود، وأسسوا معًا الدولة السعودية الأولى. وليس هذا خاصا بأهل الصلاح من ذوي السلطان فقط، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لينصر الدين بالرجل الفاجر".فلا نحجر كيفية أو وسيلة واحدة للتمكين، كما يقول البعض: "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، أو أن الدين لن يمكن له إلا بالقوة والجهاد بالسنان فقط، أو بالصدامات والانقلابات العسكرية، فالبعض يعتبر التمكين غاية ليتسلط على رقاب الخلائق لينتقم أو يثأر لنفسه.

إن منهج الإصلاح القويم للواقع الأليم، يبدأ أولا: من إصلاح الفرد. بالدعوة إلى إلإيمان والإسلام والإحسان كما فعل صلى الله عليه وسلم بإصلاح القاعدة ابتداء - قبل الوصول إلى رأس المجتمع - في دار الأرقم ثلاث سنوات، ثم الجهر بالدعوة مع الاستضعاف في مكة عشر سنوات، طلبا للإصلاح التدريجي التراكمي الشامل للفرد المسلم، بسماته الخمس:

1- العلم. وثمرته الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، مع ضبط الاعتقاد الصحيح في مسائل الإمامة والصحابة والخلافة والحكم والولاء والبراء. قال تعالى: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ"، فالتوحيد أولا لو كانوا يعلمون.. بوب الإمام البخاري في صحيحه باب بعنوان: "العلم قبل القول والعمل".

2- العبادة. والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه؛ وإلا ارتحل.. أداء الفرائض ثم إتباعها بالنوافل. 

3- الأخلاق والسلوك. مثل: الصدق والأمانة والوفاء بالوعد والتواضع وحسن الخلق واللين والرفق والرحمة وبر الوالدين والإحسان للجيران وصلة الرحم وإغاثة الملهوف والعطف علي الفقراء والمساكين.

4- المعاملات. مثل: البيع والشراء والمضاربة والقرض والزواج والطلاق.

5- الدعوة إلى الله. وتحمل مسئولية العمل لنصرة الإسلام (أصلح، وادع غيرك).
ثانيا: إيجاد الطائفة المؤمنة المترابطةالمتماسكة المتآخية برباط الأخوة الإيمانية، المتعاونة على البر والتقوى، الملتزمة بالعمل المؤسسي المرتب المنظم، الذي يهدف إلى إقامة الفروض الكفائية الممكنة المتاحة، مثل: تعليم الناس التوحيد والسنة والعقائد والعبادات والمعاملات وتحذيرهم من الشرك والبدع والمعاصي، قال الله تعالى: "فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إليهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ". وإقامة الجمع والجماعات والأعياد والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ". والفصل بين الناس في الخصومات والفتوى والقضاء وجمع الصدقات وتوزيعها على الفقراء والأيتام والأرامل، وغير ذلك من الفروض الكفائية.
ثالثا: إيجاد المجتمع المسلم، وإصلاح مؤسسات الدولة تدريجيا بإزالة الصورة الذهنية المشوهة، ببيان الحكمة والموعظة الحسنة واللين والرفق، والفهم الشامل للإسلام والمشاركة السياسية المنضبطة بالشرع وبالمصالح والمفاسد، والدفاع عن الشريعة والهوية الإسلامية في الدستور ومجلس النواب، وايجاد وتدريب وإخراج الكفاءات في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والطبية والإعلامية وغيرها.ترى التيارات الصدامية والجهادية –وعلى رأسها داعش- أن التغيير لا يكون إلا عن طريق العمليات المسلحة السريعة المفاجئة، وأنه يبدأ من القمة وليس من القاعدة، وهو ما يؤدي بلاشك إلى الجرأة على تكفير الناس واستحلال دمائهم وأموالهم.

 ففرق بين من يسعى إلى هداية الناس وترغيبهم وتحبيبهم في الإسلام ويفرح بهدايتهم، ومن يفرح بتكفيرهم وقتلهم على الكفر! فالنبي صلى الله عليه وسلم فرح فرحا شديدا بنطق الغلام اليهودي للشهادتين على يديه: "الحمد لله الذي أنقذ بي نفسا من النار".تلعب داعش وغيرها من التيارات الصدامية على حماسة الشباب، مع الجهل بالشرع وهدم الرموز والعلماء والطعن فيهم وتجريحهم بدعوى أنهم علماء السلطان الذين باعوا دينهم لفض الشباب عنهم.تنكر داعش العمل السياسي كوسيلة مساهمة في التغيير، بل وتكفر من يشارك فيه في ظل الأنظمة الحديثة! بحجة أنه بمشاركته يقر بالديموقراطية التي تبيح الحكم بغير ما أنزل الله. وقد أخطأوا بعدم تفرقتهم بين الفلسفة الكفرية للديموقراطية، والتي ننكرها جميعا، وبين آليات الديموقراطية، التي تشمل تعيين الحاكم عن طريق الانتخابات، والفصل بين السلطات وتداول السلطة.

وقد يسر الله لنا – بفضله – ضبط تلك الفلسفة ونزع الصيغة الكفرية عنها في الدستور المصري، من خلال المادة الثانية وتفسيرها في حكم 1985 المشار إليه في الديباجة، والذي نص على أن البرلمان لا يجوز له إصدار قوانين تخالف الشريعة الإسلامية.


وقد يتعجل البعض الثمرات، ويسأل عن نوع التمكين المتحقق من خلال منهج التغيير الذي بيناه، وما الفارق بين نتائجه ونتائج المنهج الصدامي أو التكفيري؟ فنقول هناك فرق كبير: 

1- أنه منهج لم يجر إلى أن نسفك دما معصوما أو نكفر أحدا أو نستحل عرض أحد. 

2- أنه منهج تسبب في إحياء عشرات الطاعات والفرائض والسنن، مع تيسير باب الدعوة إلى الله والوصول إلى قلوب الناس.. بخلاف التيارات الصدامية التي لا تعمل على دعوة عموم الناس وإدخالهم إلى حقل الالتزام الصادق بدين الله عز وجل، وإنما تركز على بعض الشباب الملتزم (الغير متعلم لدينه)، مستغلين الحماسة مع ضعف الارتباط بالعلم.