د. ياسر برهامي - مع إبراهيم عليه السلام - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2014-10-10 16:54:00

قال سبحانه وتعالى عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم فى دعوته لأبيه: "يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا".
 
ينبغي على الداعي إلى الله عزوجل أن يظهر الشفقة والخوف على  من يدعوه إلى الله سبحانه وتعالي، وهكذا كان الرسل دائمًا يخافون على أقوامهم ويظهرون ذلك لهم؛ لأن ذلك من أسباب إيقاظ العلاقة الحسنة التي يريد الشيطان ألا يشعر الإنسان بها حتي لا تستجيب الفطرة السليمة لها، العلاقة الطيبة التي يستجيب هذا الأب لابنه؛ لأنه مشفق عليه، وقد قال مؤمن آل فرعون نفس هذه الكلمة، قال عزوجل: "وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32)".
 
لابد أيها الداعي إلى الله عزوجل، أن تكون أولا خائفًا على الناس، لا يكون همك أن تدخلهم النار أو تحكم عليهم بها، أو تحكم عليهم بأنواع العقاب، وإنما تريد لهم الخير والنجاة، وتخاف عليهم فعلا، وتشفق عليهم، فالدعاة إلى الله عزوجل  أتباع الأنبياء يخافون على الناس ويرفقون بهم، وهذا الرفق وهذه الشفقه تحيي فى القلوب الفطرة السليمة فى أتباع من هذا شأنه.
 
فإذا أظهرت صفات الرب سبحانه وتعالى الذي هو أرحم بعباده من الأم بولدها بذكر اسم الرحمن متكررًا، وإذا أظهرت شفقتك على الناس بأنواع مختلفة من  الأساليب؛ كان ذلك من أسباب قبول الخير.
 
"يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ"، تأمل فى هذه الألفاظ، مجرد مسيس من العذاب يخاف على أبيه منه، فهو لا يخاف فقط أن "يلقي  فى النار"، وإنما يخاف مجرد أن يمسه أدني شيء من العذاب، فلو كان قلب أبيه يتحرك لتحرك لكن يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء.
 
وهكذا فليكن أسوة حسنة فى الدعوة إلى الله عزوجل، وليكن أسوة حسنة فى الصبر والاحتمال حتى ولو لم يجد أثرًا لذلك، "يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ"، فإذا عذبك الرحمن فمن يرحمك إذن؟! الرحمن الذي صفته اللازمة له الرحمة، إذا عذب فمن يرحم؟! الله سبحانه وتعالى إذا لم يرحم عبده لم يرحمه أحد  غيره، فهو الرحمن، وإنما استوجب العبد العذاب لما فعله واقترفه، وليس لأن الله عزوجل لم يعطه ما يستحقه، وإنما هو الذي فعل ما استوجب به عذاب الرحمن سبحانه وتعالي؛ فالرحمة أحب إليه سبحانه من العذاب، ورحمته تغلب غضبه كما قال النبي صل الله عليه وسلم:"إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: أن رحمتي سبقت غضبي؛ فهو مكتوب عنده فوق العرش "، والله عزوجل  كتب على نفسه الرحمة.
 
كمال قال تعالي:"كتب على نفسه الرحمة".
 
ورحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء، فإذا عذب الإنسان فقد خرج من أي رحمة؛ لذا لاترحمه الملائكة، ولا يرحمه المؤمنون، ولا يرحمه شركاؤه فى النار، ولا يرحمه أحد، ولا ترحمه النار، ويمقت نفسه ويبغضها، وأهل النار يسترحمون خزنة النار: " وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)"، فلا يرحمونهم ،ويسترحمون مالكًا: "ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك"فلا يرحمهم : "قال إنكم ماكثون"، فيسترحمون  المؤمنين فلا يرحمونهم، "وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)"، فإذا كان الإنسان قد خرج من رحمة الرحمن الرحيم فلن يرحمه أحد.