عماد المهدي - الإعلام المصري والسنة النبوية - بوابة الفتح الالكترونية
عماد المهدي
2014-09-24 09:47:00

لم يعد خافيا على أحد الدور المهم الذى يلعبه الإعلام بصوره كافة فى تشكيل الوعى المجتمعى وتحديد أولويات المواطن وطريقة تفكيره ونظرته إلى الواقع، وهو ما يلقى بعبء المسئولية على عاتق القائمين عليه، حيث يتحملون مسئولية جسيمة وخطيرة فى الوقت ذاته، فبقدر دورهم فى بناء الوعى ونشر المعرفة وتعميق قيمة العلم وإعلاء قيمة الوطن، بقدر ما قد يكون انحرافهم عن دورهم بداية مؤسفة لخلخلة أحوال المجتمع وهدم ثوابته ومنطلقاته.
 
تأتى مناسبة هذا الحديث لما جاء على لسان الإعلامى "يوسف الحسينى" فى إحدى حلقاته بشأن "بول الإبل وفوائده"، حيث ذكر ضمن حديثه أن "مثل هذه الآراء شديدة التفاهة، وأنها تأخذ أذهان الناس إلى كل ما هو عبيط وتافه، وتخلق جدلا واسعا حول اللاشيء، وأن لدينا أمورا أكثر أهمية، وأنه من غير المعقول أن نرى العالم يفكر ونحن ما زالنا مشغولين أن بول الإبل مفيد أم لا؟"، بالطبع أردت أن أنقل بعض كلامه حرفيا، متحريا الدقة حتى لا يقول أحد إن الكلام منزوع من سياقه، وإنه لم يكن يقصد ذلك، وإنما هى الأمانة التى تحملناها فى ألا ننسب إلى أحد قولا غير صحيح.
 
والحقيقة أنه أمام هذا القول نجد أن ثمة ثلاث ملاحظات واجبة التسجيل حتى لا تختلط الأمور وتلتبس على الناس بعض الحقائق التى أثبت البحث العلمى صحتها، كما طالب الأستاذ يوسف الحسينى بضرورة أن نولى اهتماما أكبر بالبحث العلمى وما وصل إليه العلماء فى دراساتهم وأبحاثهم لخدمة البشرية جمعاء، وهذه الملاحظات هى:
 
أولا: من المهم - بل من الضرورى- أن نتفق جميعا على أن ما جرى خلال عام حكمت فيه جماعة الإخوان مصر لا يدفعنا إلى أن نطعن فى بعض جوانب ديننا الحنيف، فجماعة الإخوان لا تمثل الدين الإسلامى ولا تعبر عنه، بل هى مجرد جماعة لها اجتهاداتها بعضها صائب وكثير منه مليء بالأخطاء التى تحتاج إلى مراجعات على المستويات كافة فقهيا وفكريا وسياسيا وعمليا. فحينما أخطأت الجماعة فى إدارتها للدولة أو حتى رؤيتها فى التعامل مع الدولة والمجتمع، لا يصح أن يجرنا هذا الخطأ إلى أن نطعن فى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام؛ فالخلاف مع جماعة الإخوان لا يعنى الخلاف مع الدين الإسلامى. صحيح أن الجماعة وقادتها حاولوا أن يخدعوا الرأى العام بأنهم يمثلون الإسلام وأنهم الحريصون على الذود عنه، وأنهم حاملو لواءه، ولكن أثبتت التجربة أن هناك بونا شاسعا بين الخطاب ومفرداته الخادعة، وبين الممارسات العملية والوقائع على الأرض. وإذا كان ثمة مبررا لأن يقع بعض المواطنين محدودى الثقافة فى مثل هذا الخلط، فإنه من غير المقبول والمعقول أن نجد هذا الخلط لدى بعض الإعلاميين والمثقفين.
 
ثانيا: كان من الأجدر للأستاذ يوسف الحسينى وهو يتحدث عن أهمية البحث العلمى وكيفية توظيفه من أجل خدمة المواطنين وخاصة الفقراء ومحدودى الدخل بهدف الارتقاء بأحوالهم ونقلهم من طبقتهم إلى الطبقة الاجتماعية الأعلى كما طالب هو- فكان من الأجدر به أن يعلم بأن من بديهيات البحث العلمى هو التدقيق والتفحيص والتمحيص والتأنى فى دراسة المعلومات التى ترد بشأن أية ظاهرة؛ فكما هو مطلوب من الباحثين عدم قبول أية معلومة علمية دون تدقيق وتفحيص وتمحيص، فإنه من المطلوب أيضا عدم رفض أو الاعتراض على أية معلومة دون تدقيق وتفحيص وتمحيص أيضا. هذا هو المنهج العلمى الذى نطالب به جميعا؛ ولذا فإننى أجد أن ثمة حاجة مهمة أود أن أقدمها للرأى العام – علما بأنها ليس بمعلومة جديدة- وإنما هى بهدف التذكير والتذكر، فكما ثبت في "صحيح البخاري ومسلم" وغيرهما من حديث أنس بن مالك قال:"قدم رهط من عرينة وعكل على النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتووا المدينة (أى كرهوا المقام بها لضرر لحقهم بها)، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها"، ومن يراجع أقوال أهل العلم يؤكدون صحة هذا القول، سواء أكانوا من القدامى أو المحدثين، فقد ورد فى كاتب "القانون" لابن سينا "أن لبن النوق دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق، وما فيه من خاصية، وأن هذا اللبن شديد المنفعة، فلو أن إنسانا أقام عليه بدل الماء والطعام شفي به، وقد جُرب ذلك في قوم دفعوا إلى بلاد العرب، فقادتهم الضرورة إلى ذلك فعوفوا. وأنفع الأبوال: بول الجمل الأعرابي، وهو النجيب". كما كتب البروفيسور "جاك نيكلسون جراي" -من جامعة ماستشوسس الأمريكية- بحثا عن بول الإبل توصل فيه إلى أن:" بول الإبل يحتوى إجمالا على الماء بنسبة 75%، وعلى مادة اليوريا بنسبة 5%، وخليط من المركبات والهرمونات والأملاح المعدنية بنسبة 20%، خليط المركبات هذا تم التعرف على 140 مركبا". أضف إلى ذلك الدراسة الأخيرة التى أصدرها مركز الملك فهد للبحوث العلمية بالمملكة العربية السعودية من استخلاص دواء من بول الإبل يعالج سبعةأنواع من السرطانات منها الجلد واللوكيميا والرئة والدماغ والكبد والثدي، وأن هذا الدواء ليس له أية آثار جانبية، وأنه آمن بنسبة %100 ، وفعال بنسبة %80 ، وتم تسجيل براءة اختراعه في 53 دولة أوروبية وأمريكا والصين والخليج.
 
ثالثا: من الملائم أن تكون هذه المناسبة للتأكيد على ما قد تتناوله بعض وسائل الإعلام بشأن ما ثبت فى السنة النبوية الشريفة؛ فالذي تولى حفظ القرآن هو الذي حفظ السنة النبوية ، فمتى صحت السنة فلا يجوز ردها أو الاعتراض عليها، كما ذكر الإمام الشافعي أنه إذا:"أجمع العلماء على أنه من استبانت له سنة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليدعها لقول أحد من الناس"،  كما أنه لا يجوز إخضاع السنة الثابتة إلى أصحاب الأهواء والعقول السقيمة العقيمة التي ترد ما تجهله، أو تجهل الحكمة منه؛ امتثالا لقوله تعالى:(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) إلى غير ذلك من الآيات التى تؤكد على اتباع السنة النبوية الصحيحة.
 
خلاصة القول: إن ما جاء به الأستاذ يوسف الحسينى يمثل جرس إنذار لكثير ما يبث فى إعلامنا، خاصة الإعلام الخاص أو المستقل، فضلا عما ينتشر فى مواقع التواصل الاجتماعى من آراء وأقوال يحاسب عليها القانون حينما تمثل خروجا عن قيم المجتمع وثوابته.
 
 وأختم بقول بعض أهل العلم فى المسألة الذي قال فيه:  " إذا نظَرْنا إلى السُّنة سنجد أنَّها تنقسم إلى: سنَّة عمَلِيَّة، وسنة تطبيقيَّة، وسنة قوليَّة، وهناك الصحيح الذي أصبحَ عليه إجماعٌ من الأمَّة، لا يستطيع أحَدٌ أن يتكلَّم فيه، لا بالحقِّ ولا بالباطل، فكيف يمكن التَّشكيك فيما استقرَّ في وجدان الناس، وفي وجدان الأمَّة على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان، وأصبحَ معترَفًا به من اثنين وثلاثين جيلاً؛ منهم مئاتُ الآلاف من العلماء، والعلماء نقَلُوها إلى الآخرين، وأصبحت شيئًا ثابتًا في وجدان الناس، وفي وجدان الأُمة؟! فإنَّ ذلك له يقينُه بالدِّراسات التي قال عنها علماءُ الغرب: "إنَّ أعظم ما تَمَّ دراسته وحِفْظُه، والعناية به في تاريخ البشريَّة كلها هو سُنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم".
 

وهذا الأمر يجعل من السهولة بمكان القول إننا فى حاجة إلى إعادة ضبط إعلامنا من خلال إعادة النظر فى القوانين المنظمة، مع وضع مواثيق الشرف المهنية التى تحقق المعادلة بين ضمان حرية الرأى والتعبير وبين حماية قيم المجتمع وأمنه.