زين العابدين كامل - "نادر" و"وسام" في الميزان - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فلقد هالني ما قرأت من تعليق الأستاذ وسام عبد الوارث بارك الله فيه ردا على الأستاذ نادر بكار بارك الله فيه، وذلك  بعد أن دعا الأستاذ نادر للمتوفى الأستاذ (أبو العز الحريري ) رحمه الله ، حيث أنكر الأستاذ وسام على الأستاذ نادر دعائه للمتوفى بالرحمة والمغفرة ،ثم اشتدد الأستاذ وسام في الإنكار فسأل الله أن يحشر أخانا نادر مع أبى العز الحريري، ثم جاوز أخي وسام الحد فتبرأ إلى الله من أخينا نادر؛ وذلك لأن "الحريري" كان من المخالفين الرافضين لبعض أفكار التيار الإسلامي، ثم أنه من الذين ينتصرون إلى الفكر اليساري.
 
 وأود في هذا الصدد أن ألقى الضوء على عدة مسائل:
 
أولا: هل يجوز الدعاء للمسلم العاصي أو المبتدع بعد وفاته بالرحمة والمغفرة ،
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في(الفتاوى ص 7/217):
"وإذا ترك الإمام، أو أهل العلم والدين (الصلاة) على بعض المتظاهرين ببدعة أو فجور زجرًا عنها، لم يكن ذلك محرمًا للصلاة عليه والاستغفار له،بل قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو الغالي،وقاتل نفسه والمدين الذي لا وفاء له: (صلوا على صاحبكم)، وروي أنه كان يستغفر للرجل في الباطن وإن كان في الظاهر يدع ذلك زجرًا عن مثل مذهبه".
 
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ردا على سؤال قد وجه له وهاك نصه:
"عندما يموت شخص مسلم ولكنه فاسق في حياته فهل يجوز الترحم عليه؟
فأجاب ، نعم يجوز الترحم عليه ، والدعاء له بالعفو والمغفرة، كما يصلى عليه صلاة الجنازة إذا كان فاسقا لا كافرا . والله المستعان ."
 
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ردا على سؤال قد وجه له وهاك نصه:
"هل يجوز للمسلمين أن يؤدُّوا صلاة الجنازة على مسلم مات منتحرًا؟
فأجاب،تجب الصلاة على جنازة كل مسلم، ولو كان قاتلًا لنفسه؛ لأنَّ قتله لنفسه كبيرة لا تخرجه عن الإسلام؛ فالقاتل لنفسه عاص،له ما للمسلمين من الصلاة عليه والاستغفار له وتغسيله وتكفينه ودفنه في مقابر المسلمين."
 
ويقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله :"والزاني ومدمن الخمر ونحوهم من الفسّاق فإنه يصلى عليهم " يقصد الشيخ صلاة الجنازة وهي تحتوي على دعاء للميت (  "أحكام الجنائز ص 83".
 
فإن الأصل جواز الدعاء لكل من مات على التوحيد من المسلمين لعموم الأدلة الدالة على ذلك؛ ولأن العصاة من المسلمين أحوج إلى الدعاء لهم والترحم عليهم من غيرهم، وقد ذكر الشيخ محمد المختار الشنقيطي في "شرح زاد المستقنع" في حكم  صلاة الجنازة على المحدود في حد من حدود الله عز وجل:) الميت المسلم إذا قتل بحد، كأن يكون زانيًا محصنًا، ثم رجم حتى مات، أو قتل عمدًا وعدوانًا، ثم اقتص منه فقتل، أو قتل حرابةً؛ فإنه يشرع تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، ويُصلى عليه ويدعى له ويستغفر له ويترحم عليه؛ لأنه من المسلمين، وهو أحق بالاستغفار والترحم؛ لمكان حاجته إلى توبة الله عز وجل عليه، وإن كان قيام الحدود بالمذنبين كفارةٌ لهم في الدنيا، وكفارة لهم في الآخرة، ولكن كونه على جرم أو كونه على فسق؛ أدعى أن يستغفر له الإنسان، وأن يترحم عليه؛ وهكذا إذا كان مبتلى بالمسكرات والمخدرات يشرع أن يصلى عليه، وأن يعزى أهله، وليس هناك دليل يخرجه من الإسلام حتى يحكم بمعاملته معاملة الكافر.فبعض الناس -أصلحهم الله- يغلو، فتجده لا يعزي أهل الميت إذا مات في شرب خمر، أو مات في معصية من كبائر الذنوب، وهذا خطأ! فإن المسلم العاصي إذا لم تبلغ معصيته به إلى الكفر يشرع معاملتهم عاملة المسلم المطيع.ولكن الذي ذكره العلماء رحمة الله عليهم: أنه لا يصلي الإمام العام ومن له تقدم كأهل الفضل على أهل المعصية؛ زجرًا للناس أن يفعلوا فعلهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز .

والصحيح: أنه يشرع أن يصلى عليه، وخاصةً إذا اعترف بذنبه وأقر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عمر : ( أتصلي عليها وقد فعلت ما فعلت ) المرأة التي زنت (؟! قال: والذي نفسي بيده! لقد تابت توبةً لو قُسمت على أهل المدينة لوسعتهم )، وأثنى عليها عليه الصلاة والسلام، لأنها تابت وأقرت) اهـ .
 
وجاء في وصية للإمام النوويِّ رحمه الله تعالى:
"لا تستصغر أحدا؛ فإن العاقبة منطويةٌ، والعبد لا يدري بم يُختم له، فإذا رأيت عاصيا؛ فلا تر نفسك عليه، فربما كان في علم الله أعلى منك مقاما، وأنت من الفاسقين، ويصير يشفع فيك يوم القيامة! وإذا رأيت صغيرا؛ فاحكم بأنه خير منك، باعتبار أنه أحقر منك ذنوبا.وإذا رأيت من هو أكبر منك سنا؛ فاحكم بأنه خير منك، باعتبار أنه أقدم منك هجرة في الإسلام.وإذا رأيت كافرا؛ فلا تقطع له بالنار لاحتمال أنه يسلم، ويموت مسلما".


فهذه أقوال أهل العلم في المسألة، فليس هناك ما يمنع شرعا من الدعاء للحريري بالرحمة والمغفرة ،ولكن الذي أظنه أن العاطفة عند الأستاذ وسام طغت على الناحية الشرعية.
 
ثانيا : التعليق على تبرأ الأستاذ وسام من أخينا نادر :
 أقول لو جاز لك أن تتبرأ فلا ينبغي لك أن تتبرأ من أخيك المسلم، ولكن تتبرأ من فعله فقط لو كان الفعل محرما ،كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد فعن ابن عمر قال: "بعثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني (أحْسبه قال: جَذيمةَ)، فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يحْسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعَلوا يقولون: صَبأنا، صَبأنا، وجعَل خالد بهم أسرًا وقتلًا, قال: ودَفَع إلى كل رجل منَّا أسيرًا، حتى إذا أصبح يومًا أمر خالد أن يَقتل كلُّ رجل منَّا أسيرَه، قال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يَقِتل رجل من أصحَابي أسيره، قال: فقدموا على النبي صلي الله عليه وسلم، فذكَروا له صنيع خالد، فقال النبي صلي الله عليه وسلم، ورفع يديه: "اللهم إني أبْرأ إليك مما صَنَع خالد، مرتين".رواه البخاري فتبرأ رسول الله من فعل خالد وليس من شخصه.
 
ثالثا : هناك إشارة واضحة في كلام الأستاذ وسام تشير إلى مصير الحريري ،وقد سأل الأستاذ وسام ربه أن يحشر أخانا نادر مع الحريري ، وكأن الأستاذ وسام يعلم أن الحريري في جهنم الآن؛ لذا هو أنكر بداية الدعاء له بالرحمة والمغفرة ، فهل قصد الأستاذ وسام ذلك بالفعل؟ ولو كان هذا مقصده فهل من بينة؟ولو كان مقصده غير هذا فلماذا أنكر على نادر الدعاء وسؤال المغفرة؟!
 أقول لأخي في الله وسام ،إياك أن تتألى على الله تعالى فيغفر لغيرك ويحبط عملك.
رابعا: عنعبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة. "قالالهيثمي في "المجمع": إسناده جيد، وحسنهالألبانيفي "الجامع".
فهل هذا الدعاء سيشمل المؤمنين جميعا أم يشمل بعضهم فقط ؟وماذا لو دعا الأستاذ وسام بهذا الدعاء هل سيستثنى منه بعض المؤمنين؟ وماذا لو مر على القبور هل سيدعو للمسلمين جميعا أم سيستثنى بعض المخالفين له في الفكر والاتجاه من الدعاء؟
 
وللأسف أقول إن البعض في كثير من الأمور والمسائل الشرعية لا يضبطون المسائل بالضوابط الشرعية، بل أصبحت العاطفة عندهم هي المحرك الرئيسي والضابط الوحيد والله المستعان!