أحمد يحيى الشيخ - مسائل الإيمان والكفر التي خالفت فيها داعش منهج أهل السنة - بوابة الفتح الالكترونية
أحمد يحيى الشيخ
2014-09-08 16:24:00

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

1- يعتقد أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ويتفاضل أهله فيه، وأن له أصلاً وفرعاً، فأصله الإقرار وفرعه الأعمال، على خلاف في الأركان الأربعة، وأن الكفر يكون بالقلب واللسان والجوارح. بينما يعتقد الخوارج أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، بل هو شيء واحد لا يتبعض، وليس له أصل وفرع، بل متى ذهب شيء منه ذهب كله، ولذلك كفروا المسلمين بمطلق المعاصي والذنوب، مخالفين بذلك النصوص القرآنية والنبوية وإجماع الصحابة بعدم تكفير المسلم بمطلق الذنوب ما لم يستحلها.

2- أما عن منشأ هذه النزعة التكفيرية عند الخوارج ومن تبعهم ممن تأثر ببعض أقوالهم، فسببه الفهم الفاسد والتأويل الباطل في التكفير بما لا يوجب الكفر، وتطبيق ذلك على واقع لا يناسب الحكم أصلاً.

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه مالم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب".. وقال: "فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم، وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله، من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم ولا اتباع للسنة ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن".

3- وهذه الصفات التي يذكرها شيخ الإسلام رحمه الله ظهرت جلياً في الكلمات الحماسية عند بعض المنتسبين للعمل الإسلامي، كقول بعضهم على منصة رابعة: "من شك في رجوع الدكتور مرسي فقد شك في قدرة الله"! وقولهم: "قتلانا في الجنة وقتلاهم في النهار"! وهذا صريح في تكفير المخالفين، بهذا الفهم الفاسد الذي يتأوله صاحبه على غير تأويله ولا معرفة بمعناه ولا رسوخ في العلم ولا اتباع للسنة ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن.

4- أما بالنسبة للجماعات الجهادية عامة، وداعش خاصة، فالأمر أوسع من ذلك، فعند كثير منهم إفراط في تكفير المخالفين، حتى وصل الأمر إلى تكفير غيرهم من المجاهدين، حتى لو كانوا سابقين عليهم في الجهاد والدعوة والعمل للدين.
وكل هذا بحجة موالاة النظام الكافر، أو عدم تكفير الكافر، أو الخروج عن جماعة المسلمين يعنون بذلك أنفسهم، وبعد هذا بنوا على ذلك تكفير المخالفين ثم استباحة دمائهم وأموالهم بل حتى استباحة أموال من لم يظهر لهم خلافاً، لمجرد أنهم لم يتابعوهم على البيعة للأمير المجهول والدخول في الدولة المزعومة، ومن ضمن هذا ما فعلوه مع الجمعيات الخيرية التابعة لحملة أمة واحدة في سوريا، وهي جمعية إغاثية.

5- أما عن المسائل التي كفروا بها مخالفيهم، كما هو ظاهر من بياناتهم، مثل البيان الذي كفروا فيه كل من شارك في عمل سياسي، فهذه المسائل تدل على ما وصلوا إليه من فهم فاسد وتأويل باطل واتباع للمتشابه وتكفير بالظن وقتل بالشبهة.

6- أما ما زعموه من كون مخالفيهم يوالون الكفار، فالأمر يحتاج إلى بيان لهذه الموالاة! وهل هي موالاة كفرية أم معصية محرمة؟ فإطلاق أن موالاة الكفار كفر؛ إطلاق غير صحيح.. بل من الموالاة ما هو كفر كالقتال في صفوف الكفار، والفرح بنصرهم وطاعتهم في الكفر، ومنها ما هو معصية لا توجب الكفر كالتشبه بهم والركون إليهم وطاعتهم في المعاصي.

7- أما تكفيرهم لمن لم يكفر الكافر؛ فيعنون به من لم يكفر من كفروه! كما في بيانهم بتكفير مرسي لأنه حكم بالديمقراطية، وعليه فكل من لم يكفره فهو كافر! وهذا ميزان فاسد.. لأن قاعدة "من لم يكفر الكافر فهو كافر" إنما هي في الكافر المتفق على كفره المعلوم بحاله، كاليهود والنصارى.
وقد كان في تاريخ المسلمين من هو كافر محارب لدين الإسلام كالعبيديين الذين اشتهروا باسم الفاطميين، ومع ذلك اشتبه حالهم في بداية الأمر على كثير من المسلمين، حتى دعوا إلى تأليه بعض حكامهم علانية، فلا يصح أيضاً أن تطبق هذه المقولة على واقع لا يناسبها.

8- أما بالنسبة لتكفيرهم لمن يزعمون أنهم خرجوا عن جماعة المسلمين، فهذا زعم الخوارج في كل عصر! يزعمون أنهم وحدهم جماعة المسلمين، وأن من فارقها أبيح دمه وماله بذلك.
واقتران ذلك باسم الجهاد وردّ المعتدين يعطيه قوة في نفوس المتحمسين وحجة في قلوب المدافعين.. لكن من حقنا أن نسأل: بأي حق يكون هؤلاء هم جماعة المسلمين دون غيرهم؟
لأجل أنهم أعلنوا دولة لشخص مجهول لا يعلم حاله؟

9- للأسف فكثير من الناس ربما يغره الخلاف للانتقام، وقد رأينا شيئاً من ذلك في التفجيرات المتكررة في مصر بعد عزل د.مرسي عن الحكم، بل يصل الأمر للانتقام العام من الناس، الذين هم - حسب ظن هؤلاء - لا يرضون بالشريعة ولا يدافعون عنها، ولا يهمهم إلا لقمة العيش، فبأي حق يكونون مسلمين؟ بل ليسوا بمسلمين! ولا يستحقون الشفقة والرحمة، فلا بأس بقطع الطرق وإن مات مرضاهم وتعطلت مصالحهم، ولا بأس بقطع الأضاحي والصدقات عنهم، حتى يذوقوا عاقبة أفعالهم وسوء اختيارهم، بل لا بأس بقتلهم إن اقتضى الأمر ذلك!.

10- هكذا تبدأ النظرة الخارجية والنزعة التكفيرية للمجتمعات التي لم يظهر منها تأييد هؤلاء التكفيريين في طريقهم، حتى وإن كان طريقهم هذا سبباً في إزهاق أرواح الناس بلا ثمن.

11- من أجل ذلك كله كان لابد من التحذير من هذه الفتنة التي بدأت تتشربها القلوب من ضغط الواقع وغلبة اليأس وسوء الظن. فلابد للعاملين في الدعوة من دراسة هذه القضايا تفصيلياً ومعرفة ما يخرج العبد من الإسلام، حتى لا يستمر هذا الخلط بالاتهام بالتكفير والتخوين والنفاق بما يظنه المخالف مخرجاً عن الدين وليس كذلك.

12- ومن المناسب في هذا المقام أن ننهي الكلام بأقوال أهل العلم في التحذير من هذه الفتنة حتى يبرأ الإنسان لدينه منها:
 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإذا عرف هذا، فتكفير المعين من هؤلاء الجهال وأمثالهم بحيث يحكم عليه أنه من الكفار؛ لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد أن تقوم على أحدهم الحجة الرسالية التي يتبين بها أنهم مخالفون للرسل، إن كانت هذه المقالة لا ريب أنها كفر. وهذا الكلام في تكفير جميع المعينين، مع أن بعض هذه البدعة أشد من بعض، وبعض المبتدعة يكون فيه من الإيمان ما ليس في بعض.
فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له الحجة، ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة".
قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله: "فالجاهل والمخطئ من هذ الأمة ولوعمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى تبين له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعاً قطعياً يعرفه كل المسلمين من غير نظر ولا تأمل كما يأتي بيانه إن شاء الله، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع".
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله؛ لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك".
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه وإنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل! ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكله من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ولم يقاتل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم".
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين، الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب، الأمر الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه وتنتفي الموانع".
نسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين.