زين العابدين كامل - (فسقى لهما).. كانت هي البداية! - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
قال تعالى فى سورة القصص حاكيا عن نبيه موسى عليه السلام: "وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)"
هل تأملنا هذه الآيات ، انظروا كيف يقرر القرآن العظيم ويؤكد أن الإحسان إلى الناس دون انتظار المقابل منهم هو أمر جلل ، يكشف الله به الكربات ، فموسى عليه السلام خَرَجَ مِنْ مِصْرَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَأْلَفْ ذَلِكَ من قبل، بَلْ كَانَ يعيش فِي رَفَاهِيَةٍ وَرِئَاسَةٍ، خرج وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلى أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها. قال ابن عباس: سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيا ، سقطت نعلا قدميه ، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع، وإنه لمحتاج إلى شق تمرة. ولما ورد الماء المذكور " وجد عليه أمة من الناس يسقون * ووجد من دونهم امرأتين تذودان " أي: تحبسان غنمهما حتى يفرغ الناس ويخلو لهما البئر. قال ما خطبكما؟ قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير " أي: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره. قال الله تعالى: " فسقى لهما " ثم تولى إلى الظل، وكان ظل شجرة " فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ". ، فذهبتا إلى أبيهما، فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما، فأخبرتاه بما كان من أمر موسى عليه السلام؛ فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه، " فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ". فلما جاءه وقص عليه القصص " وأخبره خبره، وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من فرعون، " قال " له " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " أي: خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم. فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها: " يا أبت استأجره " أي لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين. ثم كان ما كان من أمر الزواج إلى نهاية ما نعلمه جميعا من قصة موسى عليه السلام ، وأود أن أطرح عدة أسئلة حول هذا الموقف:
1-               ماذا لو لم يسق موسى عليه السلام  لهما؟
2-               هل طلب موسى عليه السلام منهما أجرا وهو فى غاية الاحتياج؟
3-               كم من رجل مر على الفتاتين ولم يلق لهما بالا، ولم يفكر فى أن يساعدهما؟
4-               هل كان موسى عليه السلام ينتظر أجرا منهما؟
5-               هل كان موسى عليه السلام يتوقع ما حدث بعد ذلك؟
6-               هل تردد موسى عليه السلام فى مساعدة الفتاتين؟
7-               هل حال همه وحزنه وما فيه من تعب وكرب عن مساعدة الفتاتين؟
8-               ماذا لو أن أحدنا فى موقف موسى عليه السلام؟ ماذا كنا سنفعل؟
 
ديننا جعل نفع الناس والإحسانَ إليهم عبادةً عظيمة؛ فالله سبحانه أمر بالإحسان في آياتٍ كثيرة، وأخبَر أنَّه يحبُّ المُحسنين، وأنَّه مع المُحسنين، وأنه يَجزي المُحسن بالإحسان، وأنه يجزي المحسنين بالحُسنى وزيادة، وأنه لا يضيع أجر المُحسنين، ولا يضيع أجرَ من أحسن عملاً، وورد ذِكْرُ الإحسان في مواضِعَ كثيرةٍ من القرآن الكريم؛ تارة مقرونًا بالإيمان، وتارة مقرونًا بالتَّقوى أو بالعمَل الصَّالِح، كلُّ ذلك مما يدلُّ على فضل الإحسان وعظيم ثوابه عند الله تعالى. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أحب الناس إلى الله أنفعهم ، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم ، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضي عنه دينا ، أو تطرد عنه جوعا ، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا ، ومن كف غضبه ستر الله عورته ، ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ؛ ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة ، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له ؛ أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام ، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل"  )رواه الطبراني في "الكبير"، وابن أبي الدنيا وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة(".
 إن أول المستفيدين  فى الحقيقة من الإحسان هم المحسنون أنفسهم، يجنون ثمراتِه عاجلا في نفوسهم وأخلاقهم وضمائرهم؛ فيجدون الانشراح والسكينة والطمأنينة . ويجدون أجرهم عند الله يوم القيامة  وخديجة - رضي الله عنها - تقول في وصف نبيِّنا  صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنَّك لتَصِل الرَّحِم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقِّ ." نعم (فسقى لهما ) كانت هى البداية ، فهيا بنا نبدأ ، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!