عماد المهدي - ميثاق الشرف الدعوي ... خطوة للأمام أم للخلف؟ - بوابة الفتح الالكترونية
عماد المهدي
2014-07-14 13:12:00

في خطوة تكميلية لسياسة وزارة الأوقاف المصرية؛ من أجل ضبط الخطاب الديني على المنابر، أصدر وزير الأوقاف، الدكتور محمد مختار، ميثاق شرف مهني دعوي هدف إلى ضبط أداء العاملين في المجال الدعوي؛ من خلال تحديد خطوط يجب الالتزام بها، ووضع اشتراطات وجب توافرها.

وإذا كان صحيحًا أن هذا الميثاق هو الأول من نوعه الذي تصدره وزارة الأوقاف من أجل هذا الهدف، إلا أنه من الصحيح أيضا أن فكرة وضع مواثيق شرف لم تكن جديدة على المجتمع المصري، بل عرفت بعض المهن مواثيق شرف؛ هدفت إلى ضبط أداء العاملين بها، كما هو الحال في ميثاق الشرف الصحفيوالإعلامي، وميثاق الشرف الطبي، وهو ما يطرح علينا تساؤل بمناسبة صدور مثل هذا الميثاق في ضوء تقييم تجربة المواثيق السابقة، هل نجحت هذه المواثيق في تحقيق المستهدف منها؟ وإذا لم تحقق ما هو مستهدف، فما هي الجدوى من تكرار التجربة؟

م ثمة مستجدات يمكن أن تضمن نجاح هذا الميثاق؟ ويرتبط بما سبق تساؤل آخر، هل من الأفضل أن تضع السلطة التنفيذية مواثيق الشرف أم يضعها العاملون في المهنة؟ فعلى سبيل المثال حينما أصدرت وزارة الإعلام – كونها ممثلة للسلطة التنفيذية-ميثاق الشرف الإعلامي واجهت رفضا من أبناء المهنة، والعاملين بها يطالبون أن يكونوا هم أصحاب القرار في هذا الأمر، فهل يمكن النظر إلى قيام وزارة الأوقاف بإصدار مثل هذا الميثاق هو تكرار لتجربة لم تلق قبولا من أبناء المهنة، بما جعل نجاحها محدودًا حتى الآن؟ أم أن وزارة الأوقاف أفسحت المجال لأبناء المهنة؛ لوضع هذا الميثاق بالتعاون معها؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فثمة ثلاثة ملاحظات واجبة التسجيل عما ورد في ميثاق الشرف الدعوى، وذلك على النحو التالي:

أولاً-أقر الميثاق مجموعة من البديهيات التي لم ولن يختلف عليها أحد،وهي: أن المساجد لله لا ينبغي انتسابها لحزب أو فصيل، وأنها مخصصة للدعوة إلى الله دون إفراط أو تفريط ودون سواه، وأنها ليست للحزبية أو الطائفية، بل من مهامها الأساسية جمع شمل الأمة، بما يعنى عدم توظيفها لتحقيق مكاسب حزبية أو سياسية.

وأن وزارة الاوقاف باعتبارها الهيئة المعنية بشئون الدعوة،هي المسئولة عن الإشراف على تنظيم شئون المساجد كافة، بدءا من بناءها، مرورا بتنظيم العمل بها، وصولا إلى تحديد من يصعد على المنبر وفق الشروط والضوابط الموضوعة في هذا الشأن.

ثانيًا-تضمّن ميثاق الشرف مجموعة من الضوابط المنظمة لعمل الدعاة والخطباء على المنابر، سواء من حيث اشتراط حصولهم على مؤهل معين، أو اجتياز بعضهم للدورات التي تعدها الوزارة، مع ذكر بعض الاستثناءات فيما يخص أساتذة جامعة الأزهر المعروفين بوسطيتهم، وتمكنهم من الخطابة، على أن يستخرج التصريح لهم بمعرفة الوزير، أو من يفوضه تفويضا كتابيا في ذلك.

والحقيقة أنه رغم أهمية وجود ضوابط حاكمة، واشتراطات يجب توافرها فيمن يقوم بإرشاد الناس ودعوتهم إلى صحيح الدين، إلا أنه كان من الأفضل أن يصدر بهذه الضوابط قرار وزاري مستقل، دون اقحامها في مضمون ميثاق الشرف،الذي يضع الملامح الرئيسية، والخطوط العريضة، والمبادئ العليا، والقيم السامية،التي يجب أن يلتزم بها العاملون في المهنة.

كما أن صدور مثل هذا القرار يمنح مجالا أوسع للوزارة لدعوة الجهات والأفراد المعنية بقضايا الدعوة للمشاركة معها في وضع ميثاق الشرف، مع احتفاظ الوزارة بحقها القانونيفي وضع الضوابط،التي يجب أن يلتزم بها الدعاة والخطباء على المنابر.

ثالثًا-يعضدد المقترح الوارد في النقطة السابقة، والخاص بإصدار قرار وزاري مستقل يضع الضوابط والاشتراطات، خلو الميثاق من أية إشارة إلى العقوبات التي ستطبق إذا ما وقعت مخالفة من البعض، وهذا أمر مفهوم وبديهي؛ لأن مواثيق الشرف لا تتضمن عقوبات على مخالفتها، وإنما هي مجرد التزام أدبي.

في ضوء ما سبق، يمكن النظر إلى ميثاق الشرف الدعوي بأنه خطوة متميزة على سبيل ضبط الخطاب الديني، من جانب بعض المنتسبين إلى الدعوة والداخلين عليها، والذين يفتقدون إلى الحد الأدنى من المعرفة الدينية،التي تؤهلهم للقيام بهذه المهمة الأساسية،التي تعد عماد الإسلام وأصله الأول، بل من أجلها بُعث نبينا -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه من ناحية أخرى، مَثّل الميثاق خطوة للخلف؛ حينما صدر من جانب السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الأوقاف، دون الأخذ في الاعتبار آراء، ورؤى، ومقترحات مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالأمر، من خلال حوار مجتمعي تشارك فيه.

هذا فضلا عن تضمينه للإجراءات والاشتراطات الواجب توافرها فيمن يتولى القيام بهذه المهمة،في حين أن موضعها الأنسب هو إصدار قرار وزاري مستقل، يمنح الوزارة حق توقيع العقوبة على المخالفين، ويمنح المتضررين من هذا القرار اللجوء إلى القضاء؛ للنظر فيما إذا كان هناك بعض المخالفات التي يمكن تصويبها.

بمعنى أكثر وضوحًا، سحب هذا الميثاق حق الوزارة في توقيع العقوبة على المخالفين للاشتراطات والضوابط التي تضمنها الميثاق؛ تطبيقًا لنص الدستور أنه لا عقوبة إلا بنص، وفي الوقت ذاته، سحب حق المتضررين من التقاضي إذا ما رأوا في هذا القرار ما يخالف نص الدستور أو القانون.