عماد المهدي - الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟ - بوابة الفتح الالكترونية
عماد المهدي
2014-07-03 12:17:00

(نقلًا عن الموقع الإلكتروني لجريدة الشرق الأوسط)

في خضم الفوز الكاسح الذي حققه المشير عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو(أيار) 2014 وحصوله على نحو 97 في المائة من نسبة الأصوات، استكملت الدولة المصرية الاستحقاق الثاني في خارطة (أيار) الطريق التي جرى التوافق عليها في الثالث من يوليو (تموز) 2013 عقب خلع الرئيس السابق محمد مرسي في أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو والتي مثلت الموجة التصحيحية لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011.

في الإطار ذاته، تنتظر مصر الخطوة الثالثة والأخيرة في خارطة الطريق، والتي تستهدف استكمال بناء مؤسسات الدولة بعد إقرار الدستور واختيار الرئيس، تأتي الانتخابات التشريعية لتشكيل البرلمان المصري الذي أصبح ذا غرفة واحدة بعد إلغاء الغرفة الثانية (مجلس الشورى) بمقتضى دستور 2014. وتعد هذه الخطوة من أهم الخطوات وأخطرها على مستقبل العملية السياسية في مصر، فصحيح أن الانتخابات الرئاسية ذات أهمية كبرى لاختيارها رأس الدولة، إلا أنه ومنذ ثورة الثلاثين من يونيو لم يكن هناك انقسام حاد في المجتمع المصري حول شخصية الرئيس عبد الفتاح السيسي بل برزت دعوات ومناشدات عقب بيان الثالث من يوليو تطالبه بخوض الانتخابات الرئاسية مما ترتب عليه تراجع عدد كبير من المرشحين عن خوض غمار هذه الانتخابات في ظل الشعبية الجارفة التي تمتع بها السيسي، وهو ما جعل نتائجها أشبه بالمحسومة رغم منافسة حمدين صباحي وإن ظلت في إطار محدود. وذلك على العكس مما ستشهده الانتخابات البرلمانية المقبلة التي تواجه حالة من الاستقطاب الحادة مع بدء إعداد الترتيبات الخاصة بإجرائها، ولعل الجدل الدائر في مصر اليوم حول قانون مجلس النواب ومباشرة الحقوق السياسية يعكس جزءا من المشهد السياسي القادم وإن اختلف في ملامحه عما كان سائدا قبل الثلاثين من يونيو، فصحيح أن حالة الاستقطاب والصراع المجتمعي كانت على أشدها بسبب سياسات النظام السابق بما جعل الرئاسة طرفا في الصراع، إلا أنه من غير المنتظر أن تكون الرئاسة في ظل عبد الفتاح السيسي جزءا من هذا الصراع، بل من المتوقع أن تمثل رئاسته رمانة الميزان وضابط الإيقاع في الحياة السياسية المصرية خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل ما يتمتع به من شعبية جارفة وتأييد مختلف الأطراف السياسية باستثناء جماعة الإخوان وحلفائها، وهو ما اتضح في عملية تنصيبه والترحيب المجتمعي الواسع والذي امتد إلى ترحيب إقليمي ودولي من المنتظر أن ينعكس كل ذلك إيجابا على دوره في استعادة الاستقرار إلى الفضاء السياسي وإن شهد بعض الصراعات بين القوى السياسية حول تركيبة البرلمان المقبل.

وفي محاولة لقراءة الواقع السياسي المصري في هذه المرحلة التي تشهد إجراء الانتخابات البرلمانية ومستقبل العملية السياسية، يمكن تناول المحاور التالية:

أولا- الإطار الدستوري الحاكم للعملية الانتخابية:

نظم الدستور المصري السلطة التشريعية وعملية انتخابها في عدد من مواده، فقد أفرد الدستور الفصل الأول من الباب الخامس المتعلق بنظام الحكم (مواد 101-138) لتنظيم تشكيل مجلس النواب وآلية عمله وعلاقته مع مؤسسات الدولة المختلفة، هذا فضلا عن تنظيم بعض المواد الأخرى للعملية الانتخابية وذلك على النحو التالي:

1- ميز الدستور بين الانتخابات المزمع إجراؤها ما بعد إقرار الدستور وبين الانتخابات والاستفتاءات التي ستجرى فيما بعد. ففي مادته (228) أسند مهمة إجراء هذه الانتخابات للجنة العليا للانتخابات القائمة، أوكل مهمة الانتخابات التالية والاستفتاءات اللاحقة للهيئة الوطنية للانتخابات المنصوص عليها في الدستور فور تشكيلها.

2- رغم أن الدستور لم يحدد أيهما تجرى أولا الانتخابات الرئاسية أم البرلمانية، تاركا الأمر للتشريع العادي، فإنه حدد التوقيت الزمني لإجراء كل منهما، ففي الوقت الذي أعطى للانتخابات الأولى (أعطيت الأولوية للانتخابات الرئاسية) مدة تتراوح ما بين ثلاثين يوما وتسعين يوما من تاريخ العمل بالدستور، فقد ألزم إجراء الانتخابات التالية (الانتخابات البرلمانية التي نحن بصددها) خلال مدة لا تجاوز ستة أشهر من تاريخ العمل بالدستور. وهو ما يعني أنه لا بد من إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة في موعد أقصاه منتصف يوليو المقبل، حتى لا يطعن بعدم دستوريتها إذا ما أجريت بعد هذا التاريخ (تاريخ الاستفتاء على الدستور).

3- أكد الدستور على ضمانة حقوق المواطنين كافة في المشاركة في الحياة العامة واعتبر ذلك واجبا وطنيا، ملزما الدولة بإدراج اسم كل مواطن بقاعدة بيانات الناخبين متى توافرت فيه شروط الناخب، كما ألزمها بكفالة سلامة الاستفتاءات والانتخابات وحيدتها ونزاهتها وعدم التأثير على مجرياتها.

4- لم يحسم الدستور شكل النظام الانتخابي بصورة قاطعة، بل سمح النص للمشرع العادي باختيار النظام الانتخابي الأكثر ملاءمة طبقا لمقتضيات الظروف والأحوال، فأصبح للمشرع حرية الاختيار بين النظام الفردي أو نظام القوائم أو الجمع بينهما بأي نسبة، شريطة أن يراعى التمثيل العادل للسكان والمحافظات والتمثيل المتكافئ للناخبين. من الواضح أن المشرع الدستوري حاول أن يتلافى العيوب التي وردت في الدساتير السابقة حول تحديد نظام انتخابي معين قد يحتاج المشرع العادي إلى تغييره في ضوء ما يستجد من تطورات وتحولات لا يتلاءم معها هذا النظام، بما يفتح المجال لتعديل مواد الدستور، وتفاديا لذلك – انطلاقا من المبدأ الذي يتبناه النظام الدستوري المصري بأن دستور مصر من الدساتير الجامدة بمعنى أن تعديله يحتاج إلى حزمة من الإجراءات المطولة - أراد المشرع الدستوري أن يجعل النص أكثر رحابة ليشمل كافة النظم الانتخابية مانحا المشرع العادي حرية الاختيار والتنقل بينها طبقا للمستجدات. كما حرص المشرع الدستوري أيضا على تفادي قصور التشريع القانوني الذي أجريت على أساسه انتخابات مجلس الشعب ما بعد الثورة وكان سببا في إبطاله حينما سمح للأحزاب الترشح على المقاعد الفردية وجاء حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان الانتخابات وترتب عليه حل مجلس الشعب، فقد أحال الأمر برمته إلى القانون.

5- في محاولة من المشرع أن يضمن تمثيل مختلف الفئات المجتمعية التي ربما يكون تمثيلها عن طريق الانتخاب المباشر صعبا وخاصة في المرحلة المقبلة، فانتهج مسارين: الأول، أعطى لرئيس الجمهورية الحق في تعيين عدد من الأعضاء في المجلس لا يزيد على خمسة في المائة، مع تقييده في ممارسة هذا الحق بأن تطلب من القانون تحديد كيفية ترشيحهم. أما المسار الثاني، فقد نص في مادتين هما (243- 244) على ضرورة ضمان تمثيل ملائم في الانتخابات المقبلة فقط لكل العمال والفلاحين، وكذلك للشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين بالخارج. فضلا عن ذلك، ألزم الدستور في مادته (11) الدولة بأجهزتها المختلفة أن تضمن للمرأة المصرية تمثيلا مناسبا في المجالس النيابية بصفة مستمرة دون قصرها على الانتخابات المقبلة فحسب كما فعل مع الفئات الأخرى. والحقيقة أن فكرة الاستثناء ومبرراته غير مستساغة وغير منطقية من أكثر من جانب، فليس صحيحا أن فئتي العمال والفلاحين لن يستطيعا أن يكون لهما ممثلون تحت القبة، بل العكس صحيح فأغلبية الشعب المصري ينتمي إلى هاتين الفئتين وبالتالي فكتلتهما التصويتية تجعل منحهما استثناء أمرا مستغربا. إضافة إلى ذلك أن فكرة الاستثناء فكرة تتعارض مع المبادئ الدستورية العامة بل والنصوص الدستورية التي أكدت على المساواة بين الجميع وترسيخ مبادئ المواطنة وتكافؤ الفرص.

6- لم يتبن المشرع الدستوري النهج الذي سار عليه دستور (2012) حينما حاول استثناء القوانين المنظمة للعملية الانتخابية من شرط الرقابة اللاحقة للمحكمة الدستورية العليا، وإنما أعاد الأوضاع إلى طبيعتها في عمل المحكمة الرقابي على القوانين والتي تتبنى نهج الرقابة اللاحقة، وهو أمر يتفق وطبيعة النظام القضائي المصري منذ إنشاء المحاكم الدستورية سواء حينما كانت تحت اسم المحكمة العليا أو حينما أصبح اسمها المحكمة الدستورية العليا، حيث تبنى نظام الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين، كما أن الرقابة السابقة تجعل من المحكمة المشرع الفعلي وليس البرلمان، بما يمكن معه القول إن تطبيق الرقابة السابقة تستوجب البحث عن آليات جديدة لا تتعارض مع طبيعة النظام القائم.

ثانيا- الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية:

في ضوء ما حدده الدستور من ضوابط وما وضعه من إجراءات واشتراطات وما رسمه من إجراءات ناظمة للعملية الانتخابية. يأتي التشريع ليتولى عملية التنظيم وتحديد آليات العمل وكيفية التنفيذ التزاما بالإطار الحاكم الذي حدده الدستور، وذلك على النحو التالي:

1- نص قانون مباشرة الحقوق السياسية في مادته الأولى على حق كل مواطن مصري بلغ ثماني عشرة سنة أن يباشر حقوقه السياسية كواجب وطني، على أن يعفى من أداء هذا الواجب كل من ضباط وأفراد القوات المسلحة وهيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم. كما عدد القانون عشر حالات للحرمان المؤقت من ممارسة هذا الحق.

2- وضع قانون مباشرة الحقوق السياسية آليات تنظيم العملية الانتخابية بدءا من القيد في الجدول، مرورا بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات واختصاصاتها، وضوابط الدعاية الانتخابية والاستفتاءات، وصولا إلى تحديد أهم جرائم الانتخابات والعقوبات الواردة عليها.

3- وضع القانون تعريفات للصفات التي يجري الانتخاب على أساسها، وشملت قائمة التعريفات كلا من: العامل، الفلاح، الشاب، المواطن ذا الإعاقة، المصري المقيم في الخارج. وقد أثارت بعض هذه التعريفات لغطا كبيرا خاصة في تعريف العامل والفلاح بما يستوجب إعادة النظر فيها قبل إجراء الانتخابات.

4- تبنى قانون مجلس النواب النظام المختلط الذي يجمع بين القائمة والفردي، حيث وزع مقاعد البرلمان البالغة عددها (540 مقعدا) ما بين (420 مقعدا) للنظام الفردي بنسبة 80 في المائة، و(120 مقعدا) للنظام بالقائمة المغلقة المطلقة بنسبة 20 في المائة، على أن تقسم الجمهورية إلى عدد من الدوائر لكل منهما، مع تحديد عدد دوائر الانتخاب بنظام القوائم لتشمل أربع دوائر، على أن توزع المقاعد المخصصة لها على نوعين من القوائم: الأول، قائمتان ذات (15 مقعدا) على أن تتضمن قائمة المرشحين: ثلاثة على الأقل من المسيحيين، اثنين على الأقل من كل من العمال والفلاحين، الشباب، ومرشح واحد على الأقل من كل من الأشخاص ذوي الإعاقة، المصريين المقيمين بالخارج. كما اشترط أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو غيرهم سبع نساء على الأقل أي ما يقارب نصف عدد مقاعد القائمة. أما النوع الثاني، قائمتان ذات (45 مقعدا) على أن تتضمن قائمة المرشحين: تسعة على الأقل من المسيحيين، ستة على الأقل من كل من العمال والفلاحين، الشباب، ثلاثة على الأقل من كل من الأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين في الخارج. كما اشترط أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو غيرهم 21 من النساء على الأقل أي ما يقارب نصف عدد مقاعد القائمة. فضلا عن هذا اشترط القانون أن يتوفر في المترشحين الاحتياطيين ذات الأعداد والصفات.

5- سمح القانون للمستقلين أن يشكلوا قوائم للمنافسة على المقاعد المخصصة للقوائم سواء بأنفسهم أو من خلال مشاركة الأحزاب في قوائمها، كما سمح للأحزاب التقدم بمرشحيها على المقاعد الفردية، شريطة أن يظهر كل مترشح اسم الحزب الذي ينتمي إليه أو صفته المستقلة. لأنه في حالة إذا ما حدث أي تغيير في الصفات التي ينتخب عليها المترشح يترتب عليه إسقاط العضوية بقرار من المجلس بأغلبية ثلثي أعضائه. مستثنى من ذلك المرأة، حيث نص القانون على ألا تسقط عضويتها إلا إذا غيرت انتماءها الحزبي أو المستقل الذي انتخبت على أساسه دون النظر إلى الصفات الأخرى المطبقة في حالة الذكور، وهو ما يمثل إخلالا بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليها في الدستور.

6- نظم القانون عملية الانتخاب بدءا من شروط الترشح وإجراءاته والدعاية الانتخابية وصولا إلى إعلان النتائج ورد مبالغ التأمين. كما وضع المشرع عددا من الضوابط الخاصة بالمعينين الذين يختارهم رئيس الجمهورية وإن كانت هذه الضوابط والمعايير فضفاضة وغير كافية.

7- تناول القانون تنظيم حقوق الأعضاء وواجباتهم بدءا من الحصانة البرلمانية وإن اقتصرت وفق نصوص القانون على الحصانة الجنائية دون حصانة الرأي تحت القبة، حيث أغفلها المشرع في حين نص عليها الدستور في مادته (112)، كما حدد القانون قيمة المكافآت الممنوحة للأعضاء حتى لا تتحول العضوية إلى وظيفة يتربح منها العضو. وفيما يتعلق بالواجبات فقد حدد القانون جملة من الضوابط والمحظورات التي يتعين على النائب أن يلتزم بها أمام المجلس كحظر تعامله مع الدولة وأجهزتها بيعا وشراء واستئجارا، كذلك الفصل بين الملكية والإدارة، تنظيم الأنشطة المهنية والأعمال الاستشارية، وأيضا تنظيم عملية القروض والتسهيلات الائتمانية، وذلك كله لتفادي تكرار الجرائم التي ارتكبها بعض النواب في المجالس السابقة وتمتعوا بالحصانة في الهروب من مقاضاتهم.

ثالثا- الانتخابات البرلمانية.. صراع مفتوح:

رغم ما قد يراه البعض من أنه في ظل الرئاسة الجديدة، لن تشهد الانتخابات البرلمانية المقبلة صراعات حادة على غرار ما جرى عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، خاصة في ظل مقاطعة بعض التيارات السياسية وتحديدا جماعة الإخوان وحلفاءها لاستحقاقات خارطة الطريق، فإن هذا الرأي يفتقد إلى الكثير من الصحة في ضوء عدة عوامل، منها:

1- إنه على غرار ما حدث في الانتخابات البرلمانية ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير من تكالب وصراع كبير من مختلف القوى السياسية للمشاركة فيها، فإنه من المنتظر أن يتكرر هذا المشهد، وهو أمر يتفق وطبيعة الأوضاع والظروف. ففي كل مراحل التحولات الديمقراطية تشهد المجتمعات التي تمر بها حجم مشاركة مجتمعية كبير بهدف المساهمة في بناء هذه المرحلة. يدلل على ذلك استمرار ارتفاع حجم المشاركة السياسية سواء في الاستفتاء على الدستور (2014) أو الانتخابات الرئاسية الأخيرة. صحيح أن حجم المشاركة انخفض قليلا بما كان عليه في الانتخابات السابقة (2012) إلا أن هذا الانخفاض مقبول ومفسر سواء في ضوء انخفاض عدد المرشحين فيها، ففي انتخابات (2012) شارك (13) مرشحا، في حين شارك مرشحان فقط في الانتخابات الأخيرة التي كانت أشبه بالمحسومة لصالح عبد الفتاح السيسي بما جعل بعض الناخبين يرون أن مشاركتهم لن تغير من الأمر شيئا. ولكن هذا الأمر لن يتكرر في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي من المنتظر أن يتنافس فيها الآلاف من المرشحين، خاصة في ظل زيادة عدد مقاعد المجلس (540 مقعدا) يذهب 80 في المائة منها للمقاعد الفردية و20 في المائة للقائمة. ومن المعلوم أن التصويت في الانتخابات الفردية يكون أكثر حجما مقارنة بالانتخابات بنظام القائمة.

2- من المنتظر أن يؤدي إلغاء الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الشورى) إلى زيادة تكالب الأحزاب السياسية على المشاركة في الانتخابات المقبلة، وذلك لغياب متنفس آخر يمكن أن يسمح لها بالتمثيل. بمعنى أكثر وضوحا أدى غياب مجلس الشورى – رغم شكلية دوره سواء في العملية التشريعية أو الرقابية - إلى عدم وجود مكان آخر لتمثيل هذه الأحزاب التي تجاوز عددها اليوم 90 حزبا. بما يدفعها إلى المنافسة على المقاعد كافة بما فيها الفردية. أضف إلى ذلك زيادة المقاعد الفردية يعنى رفع نسبة المستقلين المشاركين في هذه الانتخابات، وخاصة في المناطق الريفية والصعيد والتي يغلب عليها العصبية والقبلية، بما من شأنه أن يزيد من حدة الصراع والاستقطاب في هذه الانتخابات.

3- من غير المنطقي أو الواقعي أن جماعة الإخوان سوف تقاطع هذه الانتخابات، بل من المتوقع أن يكون لها مشاركة واسعة فيها ترشيحا وتصويتا، وهو ما يجد تفسيره في أمرين: الأول، أن تاريخ الجماعة في علاقتها بالسلطة يؤكد أنها لم تفوت أي استحقاق انتخابي إلا وشاركت فيه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. أما الأمر الثاني، فهو أن الجماعة لم يعد أمامها طريق سوى العودة إلى قواعد اللعبة السياسية التي حاولت أن تخرج عنها بفرض إملاءاتها على المجتمع والدولة فاصطدمت بهما. وعلى هذا، فمن المؤكد أن الجماعة سوف تشارك في هذه الانتخابات عن طريق إما أن تدفع بأشخاص جدد غير معروفين لدى المجتمع بانتمائهم إلى الجماعة فكرا وتنظيما، وإما أن تدخل في تحالفات مع بعض الأحزاب السياسية مثال ذلك حزب مصر القوية (برئاسة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح) وحزب الاستقلال.. إلخ، أو تدفع بمرشحين على قائمة حزبها (الحرية والعدالة) الذي ما زال موجودا على الأقل من الناحية القانونية وإن كان هذا الخيار الأخير مستبعدا، بما يعزز خيارها الأول في إبرام تحالفات مع أحزاب تتوافق معها وتتماشى مع رؤيتها للأحداث، دون أن يمنع ذلك الجماعة من التقدم بمرشحين على المقاعد الفردية أو دعم مرشحين لا ينتمون إليها على هذه المقاعد من خلال صفقات يجري إبرامها معهم، خاصة وأن فن الصفقات من الفنون التي تدربت عليها الجماعة على مدار تاريخها، بل ربما يكون أحد أهم أدواتها وسياستها في العمل السياسي، وكان له الفضل الأول في الحفاظ على وجودها حتى اليوم.

4- رغم أهمية الائتلافات والتحالفات في العملية الانتخابية كما نشهدها في الدول الديمقراطية، فإنه من غير المتوقع أن تشهد هذه الانتخابات نسبة كبيرة من التحالفات، فقد كشفت الممارسات السياسية على مدار الأعوام الثلاثة عن تزايد حجم المنافسة بين الأطراف السياسية المختلفة، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء سيطرة الفرد على المؤسسة الحزبية. فغياب الفكر المؤسسي عن الأحزاب وارتباطها بأشخاص جعل من الصعوبة بمكان أن تدخل هذه الأحزاب في تحالفات أو ائتلافات انتخابية يمكن أن تبعث برسالة للمواطنين بأن نتائج الانتخابات محسومة لصالح تيار معين أو ائتلاف محدد، فيؤدي ذلك إلى تراجع نسبة المشاركة على غرار ما كان يحدث في ظل النظام الأسبق حينما كان يسيطر الحزب الوطني الديمقراطي على الحياة السياسية وتأتي بقية الأحزاب لتكمل الديكور الديمقراطي من دون أن يكون لها ممارسة حقيقية على الأرض. يعني ذلك أن تشرذم القوى السياسية وفشلها في بناء تحالفات واصطفافات يعزز من تزايد حجم المشاركة في الانتخابات المقبلة ليس فقط على مستوى المشاركة في التصويت بقدر ما تزداد نسبة المشاركة في الترشح، وهو ما من شأنه أن يزيد حدة الصراع والاستقطاب.
ملخص القول إن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستشهد حالة واسعة من الاستقطاب والصراع بين مختلف التكوينات السياسية والاجتماعية في المجتمع المصري، بما ينذر بمؤشرات خطيرة تفرض على الدولة أن تأخذها في الحسبان خاصة في المناطق الريفية والصعيد بسبب غلبة العصبية والقبلية التي تلعب الدور الأكبر في اختيار المرشحين ونجاحهم. فضلا عن أهمية أن تلتزم أجهزة الدولة ومؤسساتها الحيدة والنزاهة في هذه الانتخابات.

كما يجب على الأحزاب السياسية أن تعي أن العمل السياسي المنفرد خاصة في العملية الانتخابية وما بعدها يظل نقطة الضعف الأولى والمهمة في مسيرتها، فالخبرة السياسية في الدول الديمقراطية تكشف عن أن التحالفات والاصطفافات والائتلافات هي المسار الأكثر نجاحا في العمل الوطني. ولذا، فعلى الأحزاب ذات المرجعيات المتقاربة أن تشكل ائتلافات واحدة تخوض بها العملية الانتخابية وتضمن لها تمثيلا مريحا تحت قبة البرلمان يمنحها دورا في الأداء التشريعي والرقابي في تلك المرحلة الحرجة التي تمر بها مصر اليوم وإلا انتقلت الصراعات والاستقطابات من الشارع إلى البرلمان كما حدث في برلمان 2012 رغم سيطرة التيار الإسلامي وخاصة الإخواني على غالبية مقاعده إلا أنها لم تتمكن من بناء تحالفات حقيقية تتحمل معها المسؤولية في بناء مصر الجديدة. ولذا، فالاستفادة من الخبرات الدولية والخبرات السابقة تؤكد على أهمية أن تشهد هذه الانتخابات بداية حقيقية لتكريس العمل السياسي في إطار من التحالف بين أنصار المرجعيات والأفكار الواحدة مع الاحتفاظ بهامش الاختلافات والتباينات في حدها الأدنى.