م. أحمد الشحات - دروس وعبر من مواقف الفتن (وقعة الحرة) - بوابة الفتح الالكترونية
م. أحمد الشحات
2014-05-27 14:52:00

من يقلب في أوراق التاريخ القديم يجد أنها قد امتلأت بأنواع من الفتن ، كان لها أثر وشأن في وقتها، ثم ما لبث الزمان أن دار كهيئته وطواها في صفحات نسيانه ، ولكن ستبقى مقولة: " التاريخ يعيد نفسه " قاعدة لها من الوجاهة والواقعية قدر كبير؛وبالتالي من لا يحسن قراءة التاريخ لن يحسن التعامل مع الحاضر، وسيعجز عن استشراف المستقبل.

والموقعة التي نحن بصدد دراستها موقعة جرت فيها دماء كثيرة، وانتهكت بسببها حرمة مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم في وقت كانت المخاطر تحيط بالأمة من جميع جوانبها ، ودراسة تجربة تاريخية كهذه سوف تُجلى لنا أشياء كثيرة في واقعنا ربما عجزنا عن فهمها أو التعامل معها ، وفيما يلي عرض موجز وتعليق مختصر على أحداث هذه الفتنة:

ثانيا : أحداث وقعة الحرة:

1-   في أثناء ولاية عثمان بن محمد بن أبى سفيان على المدينة، جاء وفد من أهل المدينة وقدموا على يزيد بن معاوية بدمشق؛ فما كان من يزيد إلا أن أكرمهم وأحسن وفادتهم وأغدق عليهم من الأموال والهدايا، وبالغ في الإحسان إلى أميرهم وهو عبد الله بن حنظلة فأعطاه مائة ألف درهم، وأعطى كل ولد من أولاده الثمانية عشرة آلاف درهم.

2-   كانت الأجواء في هذه الفترة متوترة للغاية بسبب مقتل الحسين رضي الله عنه في موقعة كربلاء، وقد تركت هذه الواقعة آثارا سيئة وخطيرة علي العالم الإسلامي كله، وأوجدت نوعا من الغضب والعداوة تجاه يزيد وأهل الشام ، بالإضافة إلى ما تناقله الناس عن انحراف يزيد وابتعاده عن الدين؛ مما ساهم في تكوين جبهات معارضه لحكمه خصوصا في مكة والمدينة.

3-   عاد وفد المدينة من عند يزيد فما كان منهم إلا أنهم أظهروا سب يزيد وشتمه وذكروا ما كان يقع منه من القبائح كشرب الخمر وتأخير الصلاة عن مواقيتها، وغير ذلك من الفواحش ، ثم أعلنوا خلع يزيد وولوا أمرهم عبد الله بن حنظلة.

4-   لما علم يزيد بما فعله أهل المدينة أرسل إليهم النعمان بن بشير الأنصاري لينصحهم ويذكرهم بمغبة الفتنة، ويذكرهم بلزوم الطاعة ويرهبهم من قتال أهل الشام.

5-   لم تلق هذه الوساطة جدوى لدى أهل المدينة، بل بالغوا في استعجال البلاء والصدام؛ فقاموا إلى بني أمية في المدينة وحصروهم في دار مروان.

6-   استغاث بنو أمية بيزيد وأرسلوا إليه كتابا يطلبون منه العون والنجدة؛ فلما وصله كتابهم تمثل قائلا:

لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي                فبدلت قومي غلظة بليان
7-   وحينها جهز جيشا قوامه اثني عشر ألفا، وأمّر عليه مسلم بن عقبة المرى،وسار الجيش مع مسلم فقال له يزيد‏:‏ ادع القوم ثلاثا فإن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فانهبها ثلاثا فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرا فإنه لم يدخل مع الناس وإنه قد أتاني كتابه‏.‏
8-   ولما أقبل مسلم بالجيش بلغ أهل المدينة خبرهم؛ فاشتد حصارهم لبني أمية بدار مروان!! وقالوا‏:‏ والله لا نكف عنكم حتى نستنزلكم ونضرب أعناقكم أو تعطونا عهد الله وميثاقه أن لا تبغونا غائلة ولا تدلوا لنا على عورة، ولا تظاهروا علينا عدوا فنكف عنكم ونخرجكم عنا‏؛ فعاهدوهم على ذلك فأخرجوهم من المدينة‏.‏
9-   فلما أخرج أهل المدينة بني أمية ساروا بأثقالهم حتى لقوا مسلم بن عقبة بوادي القرى؛ فدعا بعمرو بن عثمان بن عفان أول الناس فقال له‏:‏ خبرني ما وراءك وأشر علي‏،‏ فقال‏:‏ لا أستطيع أن أخبرك قد أخذ علينا العهود والمواثيق أن لا ندل على عورة ولا نظاهر عدوا؛ ‏فانتهره وقال‏:‏ والله لولا أنك ابن عثمان لضربت عنقك، وايم الله لا أقيلها قرشيا بعدك‏!‏ فخرج إلى أصحابه فأخبرهم خبره، فقال مروان بن الحكم لابنه عبد الملك‏:‏ ادخل قبلي لعله يجترئ بك عني،‏ فدخل عبد الملك فقال‏:‏ هات ما عندك،‏ فقال‏:‏ نعم، أرى أن تسير بمن معك فإذا انتهيت إلى ذي نخلة نزلت فاستظل الناس في ظله فأكلوا من صقره، فإذا أصبحت من الغد مضيت وتركت المدينة ذات اليسار ثم درت بها حتى تأتيهم من قبل الحرة مشرقا، ثم تستقبل القوم فإذا استقبلتهم وقد أشرقت عليهم الشمس طلعت بين أكتاف أصحابك فلا تؤذيهم ويصيبهم أذاها ويرون من ائتلاق بيضكم وأسنة رماحكم وسيوفكم ودروعكم ما لا ترونه أنتم ما داموا مغربين، ثم قاتلهم واستعن بالله عليهم؛ ‏فقال له مسلم‏:‏ لله أبوك أي امرئ ولد‏!‏
10-                      ثم صار مسلم في كل مكان يصنع ما أمر به عبد الملك، فجاءهم من قبل المشرق ثم دعاهم مسلم فقال‏:‏ إن أمير المؤمنين يزعم أنكم الأصل وإني أكره إراقة دمائكم، وإني أؤجلكم ثلاثا فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه وانصرفت عنكم وسرت إلى هذا المحل الذي بمكة، وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليكم‏.‏
11-                      فلما مضت الثلاث قال‏ مسلم:‏ يا أهل المدينة، ما تصنعون أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا‏:‏ بل نحارب‏ ، فحاربوا وكان القتال بينهم عنيفا وشديدا ولكنه انتهى بهزيمة أهل المدينة بعد أن أحدث فيهم مقتلة عظيمة ، وأباح مسلم المدينة ثلاثا يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال!! ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنه خُوّل له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ،  فمن امتنع عن ذلك قتله.
ثالثا: تعليق الشيخ "محمد الخضري" على الحادثة في كتابه "الدولة الأموية":
الأخطاء التي وقع فيها أهل المدينة:
يعلق الشيخ الخضري على سلوك أهل المدينة في هذه الفتنة ويبدى اندهاشه وتعجبه قائلا: " وإن الإنسان ليعجب من هذا التهور الغريب والمظهر الذي ظهر به أهل المدينة في قيامهم وحدهم بخلع خليفة في إمكانه أن يجر عليهم من الجيوش ما لا يمكنهم أن يقفوا في وجهه!! 

ولا يدرى ما الذي كانوا يريدونه بعد خلع يزيد؟! أيكونون مستقلين عن بقية الأمصار الإسلامية لهم خليفة منهم يلي أمرهم؟! أم حمل بقية الأمة على الدخول في أمرهم؟! وكيف يكون هذا وهم منقطعون عن بقية الأمصار ولم يكن معهم في هذا الأمر أحد من الجنود الإسلامية؟!".
(إنهم فتقوا فتقاوارتكبوا جرما، فعليهم جزء عظيم من تبعة انتهاك حرمة المدينة)

الأخطاء التي وقع فيها يزيد:

ثم يعلق الشيخ الخضري أيضا على ما قام به يزيد هو وجيشه ويبدى استنكاره ورفضه لما فعلوه قائلا: " وكان من اللازم على يزيد وأمير الجيش أن لا يسرف في معاملتهم بهذه المعاملة ، فإنه كان من الممكن أن يأخذهم بالحصار؛ فإن المدينة لاتحتمل الحصار كثيرا؛ لأنه ليس فيها ما يمون أهلها، وماؤها يجيء من الخارج، فلو قطعوه عنهم ما استمروا يومين كاملين ، وربما يقال:إن أهل المدينة تعجلوا بحرب أهل الشام لأنه كان خندقا تركوه وراء ظهورهم وخرجوا محاربين ، وبعد الانتصار لم يكن معنى لإباحة ذلك الحرم ثلاثا احتراما لرسول الله صل الله عليه وسلم".

(هذا ونعوذ بالله من الرؤوس التي هاجت لا تنظر في عاقبة ولاتفكر في مستقبل)

رابعا: الدروس المستفادة:

1-   هل يمكن أن يُسمى يزيد قاتلا؟ وهل يمكن أن نُحمله وحده تبعة ما حدث في المدينة ؟ في الحقيقة هناك نوع من الصعوبة في إطلاق تهمة القتل على يزيد وحده – مع عدم تبرئته مما سال من دماء وما أزهق من أنفس – لأن يزيد لم يُرد القتل ابتداء، ولم يرغب فيه ، ولم يجعله أولى اختياراته ، وإنما اضطره لذلك ما عاناه من عناد أهل المدينة وإصرارهم على الاستمرار في القتال والصدام ، وبالتالي فالمسئولية مبدئيا موزعة بين يزيد وبين قادة المعارضة في المدينة.

2-   غالب الحكام لا يرغبون في خلق عداوات أو ثارات بينهم وبين شعوبهم ، ولكن إذا تعلق الأمر بأمن دولتهم واستقرار ملكهم فإنهم لا يجدون حرجافياستباحة كل شيء في سبيل الحفاظ علي هذا الملك وتثبيته.

3-   الحكام عادة لا يسقطون عن طريق الثورات ، ومعظم ثورات الشعوب تمت إبادتها والقضاء عليها، ولكن الأمر متعلق أساسا بمؤسسات الدولة ومدى رضاها أو سخطها على الحاكم وخصوصا مؤسسة الجيش والأمن ، والتاريخ القديم والحديث شاهد على ذلك.

4-   من خلال الوقائع التاريخية التي مرت على الأمة استقر في عرف السلف أن "سلطان غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم"، وأن الظلم والاستبداد خير من الفوضى؛ لأن الفوضى يتحقق فيها الظلم وزيادة.

5-   الحكام مثلهم مثل غيرهم من البشر لديهم نوازع نحو الخير وأخرى تجاه الشر ، وقد يستثير أحد فيهم نوازع الخير فيغلب على أفعالهم الصلاح ، وقد يهيج آخر كوامن الشر لديهم فيصنعون منهم طغاة ومجرمين؛ وهذا سلوك مطرد في التاريخ.

6-   في الأزمات الكبرى والحوادث العظيمة يلجأ معظم الحكام إلى بطانتهم ومستشاريهم يطلبون منهم النصيحة والرأي ، ومن الخطورة بمكان أن يكون جلساء السلطان والمحيطين به من أهل السوء والفساد فقط؛ لأنهم لن يرشدوهم إلى الخير بطبيعة الحال ، وبالتالي فقرب بعض الصالحين والعلماء من هؤلاء الحكام ربما يساهم في إيجاد قدر من التوازن في القرارات والتوجهات، وهذا كان ديدن كثير من علماء السلف كابن تيمية والعز بن عبد السلام وغيرهم.

7-   قد يوجد بعض الصالحين أو الثقات الذين لا يمكن أن يُتهموا في دين أو خلق ، ولكنهم لا يحسنون تقدير الأمور ولا النظر في مآلات الأشياء؛ وبالتالي يتورطون في أمور عظيمة لم يحسبوا لها حساباتها ولم تدر عواقبها في خلدهم يوما من الأيام.

8-   وفى المقابل يمتلئ التاريخ  بنماذج عديدة من الحمقى والمتهورين، بل والذين يجترئون على الدماء والحرمات ، وقد يكون لديهم من اللباقة وحسن العرض ما يجعلهم يغررون بكثير من أصحاب النوايا الطيبة والعواطف الجياشة، ويدفعون بالأمة إلى تصادمات ومواجهات غير محسوبة العواقب؛ وهؤلاء ربما يجرى على أيديهم وبسببهم من الفساد ما لا يتم على أيدي المجرمين الخُلص.

9-   من خلال ما تم يتبين لنا غياب كثير من الموازنات الشرعية في المقارنة بين المصالح والمفاسد وحسن تقدير الأمور، بل قد غاب العقل والمنطق والواقعية بالفعل عن كثير من التصرفات والسلوكيات التي ربما تصدر من البعض في لحظة اندفاع، ولكن تظل نتائجها آلامايكتوي بها البلاد والعباد.

حوادث الدماء الكبرى في هذه الواقعة وفى غيرها تنتهي غالبا بالتنازل والمصالحة، ويسكت الجميع عن المطالبة بالثأر أو بالانتقام؛ لأن وجود مثل هذه الدعاوى يدفع بالأمة إلى دوامة من الفوضى لا آخر لها.