أبو بكر القاضي - أفي الله شك؟! - بوابة الفتح الالكترونية
أبو بكر القاضي
2014-05-27 14:48:00

من أقوى أدلة وجود الله ووحدانيته وألوهيته وربوبيته، الفطر المركوزة في البشر؛ فهم قد فطروا على الإقرار بربويته المطلقة بل استحقاقه بالعبادة أيضا..

وقد دل القرآن على ذلك في قوله تعالى: "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون"، وفي السنة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال،قال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة ". (متفق عليه).

والفطرة هي الإقرار بمعرفة الله كما هو رواية عن الإمام أحمد، وكما جاء في الحديث ا?خر في "صحيح مسلم" قوله صلى الله عليه وسلم: "إني خلقت عبادي حنفاء"، والحنيفية: ملة إبراهيم عليه السلام، وهي الميل إلى الله والإعراض عن غيره.
ولذلك حين واجه الجاحدون من أقوام الرسلِ الرسلَ صلوات الله وسلامه عليهم  بكفر الشك والتكذيب وقالوا: "وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب"؛ واجههم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بتلك الحجة القاطعة، وتلك الكلمات التي كوخزة في ضمير الجاحدين: "أفي الله شك فاطر السماوات والأرض"؟!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل": «وهذا استفهام بمعنى النفي والإنكار على من لم يقر بهذا النفي، والمعنى :ما في الله شك،وأنتم تعلمون أنه ليس في الله شك، ولكن تجحدون انتفاء الشك جحودا تستحقون أن ينكر عليكم هذا الجحود، فدل ذلك على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين، وهذا يبين أنهم مفطورون على الإقرار». انتهى كلامه رحمه الله.

-       فرصيد الفطرة الهائل في النفوس البشرية حجة من سلطان، وحجج الله أجراها على ألسنة الرسل وذكرها في كتابه على الجاحدين لوحدانيته، بل قالها موسى عليه السلام لأعتى الكفرة فرعون فقال تعالى حاكيا عنه: "قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر"، وقال تعالى عن فرعون وقومه: "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا".

فالمجادل في الله والمحاج فيه بمقدمات ونتائج وإن كانت منقوضة تخالف البديهيات والمسلمات في ذاتها، ومع ذلك منقوضة بما يجد في قرارة نفسه من تلك الضرورة الملحة بالإقرار بربوبية وألوهية رب العالمين.

قال الفخر الرازي في تعليقه على هذه الآية:«اعلم أن أولئك الكفار لما قالوا للرسل: "وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب"؛ قالت رسلهم: وهل تشكون في الله، وفي كونه فاطر السماوات والأرض، وفاطرا لأنفسنا وأرواحنا وأرزاقنا وجميع مصالحنا؟! وإنا لا ندعوكم إلا إلى عبادة هذا الإله المنعم، ولا نمنعكم إلا من عبادة غيره،وهذه المعاني يشهد صريح العقل بصحتها فكيف قلتم: "وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب"؟! وهذا النظم في غاية الحسن».

-       بل وقبل الاحتجاج بخالقية الله ومصنوعاته الدالة عليه، فالفطرة شاهدة عليه وهي حجة مستقلة، ثم تزداد رسوخا بالأدلة العقلية والبراهين النظرية والنقلية والنفسية والأفقية.

قال صاحب "الكشاف" الزمخشري : «أفي الله شك؟!

أدخلت همزة الإنكار على الظرف؛لأن الكلام ليس في الشك، إنما هو في أن وجود الله تعالى لا يحتمل الشك ، وأقول: من الناس من ذهب إلى أنه قبل الوقوف على الدلائل الدقيقة فالفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار، ويدل على أن الفطرة الأولية شاهدة بذلك وجوه منها :

قال بعض العقلاء : إن من لطم على وجه صبي لطمة؛ فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار؛لأن الصبي العاقل إذا وقعت اللطمة على وجهه يصيح ويقول:

من الذي ضربني؟

وما ذاك إلا أن شهادة فطرته تدل على أن اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل فعلها، ولأجل مختار أدخلها في الوجود؛ فلما شهدت الفطرة الأصلية بافتقار ذلك الحادث مع قلته وحقارته إلى الفاعل فبأن تشهد بافتقار جميع حوادث العالم إلى الفاعل كان أولى ، وأما دلالتها على وجوب التكليف؛ فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول :لم ضربني ذلك الضارب؟

وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي، ومندرجة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل ما يشاء ويشتهي ، وأما دلالتها على وجوب حصول دار الجزاء فهو أن ذلك الصبي يطلب الجزاء على تلك اللطمة، ومادام يمكنه طلب ذلك الجزاء فإنه لا يتركه؛ فلما شهدت الفطرة الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل، فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع الأعمال أولى،  وأما دلا لتها على وجوب النبوة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا معنى للنبي إلا الإنسان الذي يقدر هذه الأمور ويبين لهم هذه الأحكام ، فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لابد له من هذه الأمور الأربعة». انتهى كلامه رحمه الله.

فدلالة الفطرة على الصانع وحكمته واختياره، والجزاء والنبوة واضحة جلية، والثلاثة لا سبيل إليهم إلا عن سبيل الأول؛ فدلالتها على وجود الصانع الخالق المريد الحكيم أوضح وأوضح.

ثم تأتي بعد هذا الحجج العقلية والنقلية.

وبالله التوفيق!