محمد القاضي - التوفيق من الله - بوابة الفتح الالكترونية
محمد القاضي
2014-05-26 19:32:00

التوفيق كلمة جميلة يتمناها كل إنسان، والتوفيق يعود إلى إصابة الخير والحق والصواب، والتوفيق من الله عز وجل كما قال ذلك النبي الكريم :(وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ) (سورة هود 88 (، ومن وفقه الله تعالى فقد أوتي الخير كله، والموفق من أهل الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا)فقال في خطبته: (وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، متصدق، موفق ، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، وعفيف متعفف ذو عيال". الحديث رواه مسلم رحمه الله.
 
وقد وفق الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها، قبل البعثة لأمور، فمن ذلك ما رواه جبير بن مطعم رضي الله عنه وكان من سادات المشركين في الجاهلية، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه، وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس، وكان القرشيون يسمون أنفسهم بالحمس، ولا يقفون مع الناس بعرفات، ولا يجاوزون مزدلفة، ويقولون: نحن أهل الحرم، لا نخرج من الحرم، وبقية العرب والحجاج يخرجون إلى عرفة، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج مع الخارجين إلى عرفة، وكان الحج معروفا قبل الإسلام، فقال جبير رضي الله تعالى عنه: وإنه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس، حتى يدفع معهم منها توفيقا من الله له . رواه الإمام أحمد رحمه الله، ورجاله ثقات.
وعن أبي أيوب: أن أعرابيا عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله، أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار، قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نظر في أصحابه، ثم قال: (لقد وفق) قال: كيف قلت؟ فأعاد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة). رواه مسلم رحمه الله تعالى.
 
وكثير من الناس محرومون من الحق، فإذا وفق للحق هدي إلى صراط مستقيم، وصار من أهل الجنة، ليس كل إنسان موفق للحق، كم من مريد للحق لا يصيبه، هذا في الحياة إذا وفق الإنسان ففي آخر لحظة من عمره يكون التوفيق عظيم الأثر، فعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله) فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال:  يوفقه لعمل صالح قبل الموت). رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عليكم أن لا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانا من عمره، أو برهة من دهره بعمل صالح، لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملا سيئا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملا صالحا، وإذا أراد الله بعد خيرا استعمله قبل موته، قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه".
 
وكان ذلك دأب العلماء، يطلبون من الله التوفيق في الفتاوى عندما يتعرضون للأسئلة، فقد روى الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن عتبة قال: أُتي عبد الله بن مسعود فسئل عن رجل تزوج امرأة ولم يكن سمى لها صداقا، فمات قبل أن يدخل بها، ما هو الحكم؟ فلم يقل فيها شيئا، فرجعوا ثم أتوه فسألوه، فقال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإن أصبت فالله عز وجل يوفقني لذلك، وإن أخطأت فهو مني، فالتوفيق مصدره من الله يجعله الله على لسان أوليائه، وأهل دينه، والعالمين بشرعه المريدين للحق، لها صداق نسائها، لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة، هذا حكم من مات ولم يدخل بزوجته بعد أن عقد عليها، ولم يسم مهرا، لها صداق نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة، فقام رجل من أشجع، فقال: أشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بذلك. فوافق قضاء ابن مسعود قضاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن سمعه منه، ولا علمه من قبل حتى قام ذلك الرجل فأخبر به، توفيق من الله لابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
 
وكذلك الملوك والرؤساء يحتاجون إلى توفيق الله أيما احتياج فى قراراتهم واجتهاداتهم وموازاناتهم بين المصالح والمفاسد، خصوصا إذا كنا نعلم الظروف التى تمر بها الأمة العربية والإسلامية بوجه عام، والظروف التى تمر بها مصر بصفة خاصة تحتاج إلى مزيد من الإعانة، والتوفيق من الله.
 
وكذلك القضاة إذا أرادوا الخير وفقهم الله عز وجل للفصل بين الخصوم، فإن القضايا تلتبس، وبعض الناس ألحن بحجته من بعض، فإذا كان القاضي مريدا للخير حريصا عليه، خائفا من الله؛ وفقه الله للحق، واكتشاف الصواب والفصل بين المتخاصمين.
 
عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختصم إليه مسلم ويهودي، فرأى عمر أن الحق لليهودي؛ فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق، فضربه عمر بن الخطاب بالدرة - وكانت له عصا يؤدب بها – هل اليهود الذي يحكم أن هذا حق أم لا؟ فضربه عمر بالدرة، ثم قال: وما يدريك؟ فقال له اليهودي: إنا نجد أنه ليس قاضٍ يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يسددانه ويوفقانه للحق، ما دام مع الحق، فإذا ترك الحق عرجا وتركاه. رواه مالك رحمه الله في "الموطأ".
 
فيسدد الله بملائكته أهل الخير، يثبتهم، ويلقي الحق على لسانهم، من هؤلاء الملائكة الذي يسددون عباده الصالحين، من وظائف الملائكة تثبيت المؤمنين، من وظائف الملائكة أنهم يأمرون الناس بالخير، وكل إيعاز بالخير في نفسك هو من الملك، وإذا كان الإنسان مريدا للحق وفقه الله، وأعانه بالملكين فيسددانه.
 
التوفيق له أسبابهفمنها: صدق النية وصلاحها، قال عز وجل عن الحكمين بين الزوجين المتخاصمين: "فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا" (النساء: 35). انظر كيف تنعكس نية الحكمين على العلاقة بين الزوجين، "إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا" قيل: الحكمين، وقيل: الزوجين، إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا؛ فالتوفيق متى يأتي؟ لما تصدق النية، عندما يريدون الصلاح والإصلاح، يوفق الله تعالى.
 
وكذلك من أسبابه العظيمة، ما اقترن به في قول العبد الصالح: "وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"(هود: 88).
 
 الاعتقاد بأن التوفيق من الله، والتوكل على الله، وتفويض الأمور إليه، والرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
 
إذًا: صلاح النية، واعتقاد أن التوفيق من الله، والتوبة والرجوع إلى الله، والتوكل على الله، من أسباب التوفيق.
وسادسا: إرادة الآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم: (من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وأتته الدنيا وهي راغمة).
وسابعا: صلاة الاستخارة، وهي توكل على الله، وطلب التوفيق منه في خير الأمرين.
وكذلك: الدعاء بالتوفيق وهو من صلاة الاستخارة وفيها.
 
 وكذلك المشورة والاستشارة: ما تشاور قوم قط إلا هداهم الله لأرشد أمرهم، هكذا يكون الأمر إذًا، استشارة واستخارة، والتأني وعدم التعجل، والاقتصاد كذلك من أسباب التوفيق في المعيشة، والبكور من أسباب التوفيق في التجارة، والتسمية عند الجماع من أسباب التوفيق للولد الصالح.
وهكذا أيها الإخوة، التوكل على الله وبذل الأسباب، وهكذا نوصي به أولادنا وإخواننا من الطلاب في مستهل اختباراتهم، نسأل الله تعالى لهم التوفيق، أن يجعله حليفهم، وأن يجعل ما درسوه عونالهم على طاعته، وأن يوفقنا جميعا لكل خير، ويباعد بيننا وبين كل شر.
 
لابد أن نقر أننا فى أمس الحاجة إلى التوفيق من الله فى كل اخيارتنا وبخاصة اختيار بحجم من يقود البلد فى هذه المرحلة، وأننا فى النهاية أخذنا بالأسباب المادية المتاحة، ثم بعد ذلك نفوض الأمر إلى الله إذ فى النهاية هو اختيار بشرى يخضع للنقص البشرى فى العلم والاطلاع على ما خفى فى القلوب والقدرة والتخطيط؛ كل ذلك من أوجه النقص، والكمال لله وحده، ليس مطلوبا منا إلا أن نبنى على ماهو متاح من المعلومات، ويبقى تأويل المستقبل بيد الله .