أحمد عبدالسلام ماضي - الموازنة بين المصالح و المفاسد - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله و الصلاة و السلام  على رسول الله و بعد،
لا يصعب على الكثير معرفة المصلحة المحضة من مفسدة و لكن الذي تحار فيه العقول دائما و تختلف حوله الآراء و الاجتهادات هو المفاضلة بين مصلحتين و المقارنة بين مفسدتين خاصة عندما يكون في الأمر الواحد أكثر من مصلحة و مفسدة و تتداخل الأمور و تتشابك و عندما يكون في شأن عام و تتعلق بمصير أمة فالأمر ههنا تنوء به الجبال.

و قد اهتمت الشريعة  بإرشاد العباد إلى تلك القضية فهي لا تمنع شيئا إلا إذا كان فيه مفسدة محضة أو مفسدته تربو على مصلحته .
و كذلك لا تأمر بشيء إلا إذا كان فيه مصلحةمحضة أو مصلحته تربو على مفسدته و انظر لهذا المثال "و يسألونك عن الخمر و الميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما"
و الآية نزلت في التمهيد لتحريم الخمر و هي ترشد إلى الحكم من التحريم أن الإثم أكبر من النفع و تزداد قضية المصالح و المفاسد أهمية و خطورة في قضايا التغيير تغيير المنكر و الجهادو السلم و الحرب و قد يكون القرار فيها من أصعب ما يكون القرار فيها من أصعب ما يكون و لا تستوعبه كثير من النفوس و لن نذهب بعيدا فصلح الحديبية اعترض عليه عمر رضي الله عنه أشد الاعتراض و ضاق به ذرعا و كذلك غيره من الصحابة و رأى أنه فيه دنية في الدين و قال "لم نعطي الدنية في ديننا ..."
و مع ذلك سمى القرآن ذلك فتحا "إنا فتحنا لك فتحاً مبينا"
و ترتب علىيه اندفاع مفاسد أكبر و تحقق مصالح أعظم من التي فاتت، وفي غزوة مؤتة اصطدم جيش المسلمين مع قلة عدده بجحافل الروم و نصارى الشام و قتل القادة الثلاثة زيد بن حارثة و جعفر بن أبي طالب و عبد الله بن رواحة و أخذ الراية خالد و تكسرت في يده تسعة أسياف و رأى أن الانسحاب في هذا التوقيت يقلل الخسائر و يحفظ ما تبقى من جيش المسلمين و قد سمى النبي ذلك فتحا رغم أن البعض رأى ذلك فراراً من الزحف.

و قد أمر الله بمراعاة موازين القوة و العدد فقال "إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين و إن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون"
إذن الواحد أمام عشرة.. ثم جاء النسخ: "الآن خفف الله عنكم و علم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين .."
قال ابن عباس: "كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين ثم خفف الله عنهم فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين" رواه البخاري.
و قد ذكر العلماء كالإمام النووي و غيره تفريعات هامة على هذه المسألة، و أن الصفات معتبرة أيضا كالعدد، فلابد إذن من مراعاة موازين القوى في كل معركة من حيث العدد و العدة و الصفات و الظروف المواتية فقد يكون الثبات في معركة هو الواجب و الفرار جبن و محرم، و قد يكون الثبات جائزا و الفرار كذلك يجوز، و قد يكو ن الثبات محرما و يجب الفرار.. و ذلك في حالة ما إذا كان الاستمرار في المعركة يؤدي إلى قتل المسلمين دون إحداث نكاية في الأعداء فحينئذ يكون القرار الحكيم هو الانسحاب لتقليل الخسائر و قد مر بنا أن النبي سمى انسحاب خالد من مؤتة "فتحا".. نعم قد يكون القرار الصعب على النفس و الذي فيه بعض الدنية: فتحا.

في غزوة الأحزاب هم النبي أن يدفع لبعض المشركين جزءا من ثمار المدينة ليفكوا الحصار عن المدينة و درس آخر حين أرسل حذيفة ليأتيه بخبر القوم و قال لا تذعرهم عليّ، و همّ حذيفة أن يقتل رأس المشركين يومئذ أبو سفيان و لكن تذكر وصية رسول الله لا تذعرهم علي.. أي لا تهيجهم علي.

و قد تختلف الآراء و الاجتهادات في ذلك و في تقدير المصالح و المفاسد و هذا مما ينبغي أن تتسع فيه الصدور.
و أدلة مراعاة المصالح و المفاسد في الشريعة كثيرة جدا و لا أريد الاستيعاب  و إنما التذكرة و الإشارة.

رسائل:
1- إلى أبناء الصحوة الإسلامية يجب ألا ننسى أدب الخلاف و فقهه فقد اختلف الصحابة في الفتنة و لم يضلل أو يخون بعضهم بعضا هناك فرق بين الخطأ و الخيانة.
2- إلى المخلصين من المسئولين و أصحاب القرار لا بد من استيعاب التيار الإسلامي و خاصة الإخوان و تقديم تنازلات حقيقية لتحقق المصالحة الوطنية و الحذر من المساس بهوية هذه الأمة و الحذر من الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و عواقبه وخيمة و يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات و القلاقل

يا لسان قل خيراً تغنم      و اسكت عن شر تسلم
من قبل أن تندم

لا تنسوا الدعاء في هذه الأيام الفاضلة فللصائم دعوة لا ترد، فادعوا الله أن يحفظ مصر و أن يرفع فيها راية الإسلام و أن يدفع عنا مكر المفسدين و المجرمين.