أبو بكر القاضي - المنظومة الرباعية الأبعاد - بوابة الفتح الالكترونية
أبو بكر القاضي
2014-05-06 09:15:00

التوبة... رؤية مجتمعية جديدة.

الدعوة إلى الله ليست واجبا وتكليفا يضطلع بها العبد بين يدي ربه فقط ولكنهها رحمة من الله يضعها في قلوب الدعاة يتحركون بها في كل مكان بسمتهم وسلوكهم ينشرون النور والبركة في كل مكان.

والبشرية في قمة الحاجة لمن يذكرها بالله لتنزجر عن صلفها وطغيانها ولكي ترعوي عن جحودها و كنودها وظلمها وجهلها ولكي تنزع من بؤسها وشقائها ببعدها عن خالقها وفطرتها التقية بحبه والشوق إليه ؛ فأشواق الروح لا يحدها حد إلى الله لولا كثافات المادة والحمأ المسنون والطين التي تحول بينها وبين الوصول لكمالها بتحقيق إنسانيتها من خلال العبودية.

وكثيرا ما نظن أن ذلك مسئولية العبد بمفرده أو التائب الذي أراد أن يتحدى العوائق لربه - وحده، وإن كان عليه قدر كبير من المسئولية ولكنه لا يتحملها بمفرده بل هو عنصر من ثلاثة عناصر في منظومة ثلاثية الأبعاد تظهر التوبة والرجوع إلى الله كمسئولية مجتمعية حقيقية ، وهذا الذي يفصح عنه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  الصحيح في قصة قاتل المائة نفس الذي كثيرا ما يطرق مجالس وعظنا دون النظر لإصلاح المجتمع من خلاله.

فقد اتضح من خلال القصة أن التوبة منظومة رباعية الأبعاد تتكون من :

1-تائب يتحدى العوائق:

وهو قلب يتيقظ بإذن ربه وهدايته وتوفيقه من رقود الغفلة ويتحدى العوائق والعقبات فيقتحمها وهي تنقسم لعوائق داخلية من نفسه الأمارة بالسوء بجهلها وظلمها وجزعها ومنعها والشيطان الذي يجري منها مجرى الدم من العروق وعوائق خارجية من الدنيا وفتنها من فتن النساء والولدان والمال والبنين.

وهو العنصر الأساس في هذه المنظومة و ينبغي الاجتهاد في إيجاده من خلال الدعوة الفردية والبلاغ والوعظ ببيان كل حيل النفوس والشياطين للحيلولة بينه وبين سر سعادته وبيان فتن الدنيا وكيفية التغلب عليها من تحقيق التعلق بالمطلوب الأعلى فتتقطع كل حبائل الشهوات  والجاذبية الأرضية على قدر قوة دفع الحب الذي في القلب ، ويقترب من النجاة ولو "بشبر".

2-داعية عالم:

وهو أكبر التحديات التي تواجه العمل الإسلامي برمته وهو الشخصية التي ترتقي بنفسها لتكون على مستوى الإسلام علما وعملا وخلقا وسمتا وفقها ودعوة وبلاغا مبينا بكل أنواع البيان اللفظي والحالي بعيدا عن الغلو والجفاء والإفراط والتفريط والتنفير والتكفير وصد الناس عن سبيل الله بزعم الورع كالراهب الجاهل مما يؤدي علم أم لم يعلم إلى صنع الطواغيت والجبابرة ولو كانت موجودة يزيد في طغيانها "فقتله فكمل به المائة"كم تساوي تلك الكلمة التي ترفع شعار أمام مجتمعات...؟! "ليس لك توبة" تزيد من صلفهم وطغيانهم لعداوات شخصية وحظوظ نفسية أو طائفية.

وينبغي أن تتجرد الدعوة إلى الله من كل هذه العوائق حتى تخلص من ذلك الغضب المستطير من رسول الله صلى الله عليه وسلم على معاذ -رضي الله عنه- حين أطال الصلاة بسورة البقرة فلم يراع أحوال المأمومين وليس هذا فقط بل وصف من أنكر عليه بالنفاق، فقال له"أفتان أنت يا معاذ، سبحان الله عباد الله إن منكم منفرين".

والشق الثاني من فعل معاذ رضي الله عنه هو الأخطر وهو سر التنفير .

وتحدي الداعية العالم الذي يواجه الصحوة لا يعالج بمقالة أو محاضرة وندوة وشعارات ترفع إنما بالعمل المجتمعي الرباني الجاد في إيجاد تلك الشخصية المتكاملة الغير مشوهة التي تضلعت من الشريعة ومقاصدها وكلياتها فلا يهولنها كثرة الفظائع والجرائم وظلم الواقع للاستغراق فيه دون وزن الأمور بالموازين الشرعية المنطلقة من مشكاة النصوص وكبح جماح النفوس والعواطف ليستقيم طرحه الدعوي المنهجي المتجرد من رعونات النفوس بدون غلو ولا جفاء وبالاتباع لا الابتداع في تغيير الواقع الأليم.

إنه الفهم الدقيق والإيمان العميق بالرحمن تعالى وبشرعته (ومن يحول بينك وبين التوبة) بمعرفة سعة رحمة الله وأن ذنوب العباد مهما عظمت فهي شيء ورحمت الله وسعت كل شيء، وأن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم "لو رأيتني يا محمد وأنا أدس الطين في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة " وهو يقول الكلمة (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) ..

فإن كانت الرحمة قد تدرك مثل فرعون فما بالك بمن دونه، ولا يفقه ذلك إلا من كان بالرحمن خبيرا..!

3-مجتمع إيجابي:

من أكبر العوائق التي تحول بين التائبين بين طريق الاستقامة صحبة السوء والبيئة الخبيثة التي لا تخرج إلا نكدا من الأقوال والأفعال والأخلاق وليس هذا البيان ليتكأ عليه التائبون فضلا عن المصلحين لتبرير تعطيل الدعوة ولكنه بيان لتحدي عقبة لابد من اقتحامها وهو يمثل ثاني أكبر تحدي يواجه المجتمعات وأعظمهم احتياجا لمدى طويل للعلاج.

توفير تلك البيئة الصالحة لا يكون بتركها والانعزال عنها كما كان يسع ذلك الرهبان ولكن بالاختلاط والانخراط والصبر على الأذى وفرض واقع جديد إيماني وعمراني قال تعالى "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ".

فالنبوة حقيقتها في البلاغ وتأدية الرسالة بخلطة البشر والعطاء، قال صلى الله عليه وسلم "من خالط الناس وصبر على آذاهم خير ممن لم يخالط الناس ولم يصبر على آذاهم".

مجتمع سلبي أرض سوء لأن الذين عليها لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فيوشك الله أن يعمهم بعقاب فليس العقاب والتدمير فقط بالزلازل والبراكين والأعاصير بل التدمير أيضا معنويا بتدمير المجتمع داخليا وخلقيا وروحيا .

فالتوبة أيضا مسئولية ذلك المجتمع الذي يرتدع فيه المذنب ولا يجهر ويستتر بفعلته وينبذ بفعل الفطرة المستقيمة لدى هذا المجتمع.وبالنسبة للفرد لا للمجموع قد يجوز الانعزال لبعض الوقت لاشتداد عود الإيمان واخضراره داخل قلب التائب حتى يتسنى له الدعوة على بصيرة والخلطة للإصلاح وليس هذا تكأة لانعزال طائفة أو عزلة شعورية  لها تؤدي لإنتاج أسقام فكرية وعلل سلوكية من الاستعلاء والطغيان بالطاعة أو التعصب المذموم.

وبعد بيان هذه المنظومة الرباعية الأبعاد التي تبين التوبة في رؤية مجتمعية مسئولية لكل فرد من أفراد المجتمع ليس على التائبين أو الدعاة فقط بل أمر النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين الذين يقودون الناس بكتاب الله ولعامتهم مسئولية كل مسلم مخلص لربه تبارك.

4- بعد غيبي:

ويتجلى في نهاية القصة البعد الغيبي الذي لا طاقة للعباد به وهو إرادة الله رحمة بعبد فلا مرد له ولا ممسك لرحمته "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم " " الذي خلقني فهو يهدين" "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء "وهنا ترد هذه الآية موردا صحيحا بعد الثورة الإصلاحية من الأسفل للأعلى في المجتمع "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " فبعد الأخذ بأسباب الهداية الفردية والجماعية والمجتمعية فلابد للتائب والداعي والمجتمع الصالح المصلح بالإنابة والتوكل وتفويض أمر الهداية والإضلال لرب العالمين فهو يخلق الهداية في قلب من شاء من عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء يرفع ويخفض ويعطي ويمنع يقبض ويبسط.

والله تبارك وتعالى يسخر أسباب الكون كله لقلب استقام على العبودية "فأوحى لأرض المعصية أن تباعدي ولأرض الطاعة أن تقربي فوجدوه أقرب إلى أرض الطاعة بشبر".

فلنستصحب بعد هذه المنظومة ذلك البعد بل هو في الحقيقة البداية والنهاية والأصل والفرع ..فالتعلق بالله واجب كل مرحلة ودور كل مسلم في كل نفس ولحظة ولفظة.

والله ولي التوفيق.