زين العابدين كامل - الحقُّ أحقُّ أن يُتبع - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:

نحن نعانى الآن من خلل شديد في الأخلاق والسلوك، ونحتاج إلى ثورة لعودة الأخلاق الحميدة مرة أخرى، ومن أهم الأمور التي يجب علينا أن نجاهد أنفسنا من أجل عودتها؛ الرجوع إلى الحق، فما أحوجنا لمثل هذا الخلق القويم .

قال تعالى: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(يُونُسَ:35).

وفى الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الكِبْر بَطَر الحق، وغَمْط الناس». وبَطَر الحق: جحده ودفعه، وغَمْط الناس: احتقارهم وازدراؤهم.

وقال عمر رضي الله عنه: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل؛ والرجوع إلى الحق صعب على المستكبرين حتى كأنه يتكلف في ذلك الصعود إلى السماء  والاعتراف بالحق من الفضائل ومن شيم الرجال.

قال الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ: الرِّجَالُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ يَدْرِي وَلا يَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي،فَذَاكَ غَافِلٌ فَنَبِّهُوَهُ؛ وَرَجُلٌ لا يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ لا يَدْرِي، فَذَاكَ جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ؛ وَرَجُلٌ يَدْرِي وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي، فَذَاكَ عَاقِلٌ فَاتَّبِعُوهُ؛ وَرَجُلٌ لا يَدْرِي وَلا يَدْرِي أَنَّهُ لا يَدْرِي، فَذَاكَ مَائِقٌ فَاحْذَرُوهُ".

وأخرج وكيع وعبد الرزاق أنه أُتيَ عثمان بامرأة ولدت في ستة أشهر، فأمر برجمها، فقال ابن عباس: إنها إن تخاصمك بكتاب الله تخصمك، يقول الله:  (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) (البقرة:233). ويقول الله في آية أخرى:  (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)، فقد حملته ستة أشهر فهي ترضعه لكم حولين كاملين، فدعا بها عثمان فخلى سبيلها.

وعن عمرو بن مهاجر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز : إذا رأيتني قد ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي , ثم هزني , ثم قل لي: ماذا تصنع؟

وذكر القاضي ابن العربي في    كتابه " أحكام القرآن " ( 1/182-183 )  قالَ:

أخبرني محمّد بن قاسم العثماني غير مرّة، قال: وصلتُ الفُسطاطَ مرةً ، فجئتُ مجلس الشيخ أبي الفضل الجوهريّ، وحضَرتُ كلامه على النّاس ، فكان ممّا قال في أول مجلس جلستُ إليه:إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم طلّق وظاهر وآلى. فلما خرج تَبِعْتُه حتى بلغتُ معه إلى منزله في جماعة ، فجلس معنا في الدِّهْلِيز وعرّفهم أمري ؛ فإنه رأى إشارة الغُربة ،ولم يَعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه ، فلما انفضّ عنه أكثرهم ، قال لي: أراك غريبا، هل لك من كلام؟ قلت : نعم ، قال لجلسائه : أفرجوا له عن كلامه .فقاموا وبقيت وحدي معه ، فقلت له: حضرتُ المجلس اليوم متبرّكاً بك ، وسمعتك تقول : آلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وصدقتَ، وطلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقتَ، وقلتَ: وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم،وهذا لم يكن !ولا يصح أن يكون ؛لأنّ الظّهار منكر من القول وزور، وذلك لا يجوز أن يقع من النّبي صلى الله عليه وسلم فضمّني إلى نفسه وقَبَلَ رأسي وقال لي: أنا تائبٌ من ذلك جزاك الله عني من معلمٍ خيرا؛ ثم انقلبت عنه.

وبكَّرت إلى مجلسه في اليوم الثاني ، فألفيته قد سبقني إلى الجامع ، وجلس على المنبر ، فلما دخلتُ من باب الجامع ورآني ؛ نادى بأعلى صوته: مرحباً بمعلمي ؛ أفسحوا لمعلمي! فتطاولت الأعناق إليَّ ، وحدقت الأبصار نحوي ، وتبادر الناسُ إليَّ يرفعونني على الأيدي ، ويتدافعونني حتى بلغت المنبر ، وأنا لعظيم الحياء لا أعرف في أي بقعة أنا من الأرض، والجامع غاصٌ بأهله ، وأسال الحياء بدني عرقا ، وأقبل الشيخ على الخَلْق فقال لهم:أنا معلمكم وهذا معلمي!  لمَّا كان بالأمس قلت لكم: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلّق وظاهر ؛ فما أحدٌ منكم فَقهَ عني ولا ردَّ عليَّ ، فاتبعني إلى منزلي وقال لي: كذا وكذا ،وأعاد ما جرى بيني وبينه وأنا تائب عن قولي بالأمس ، راجعٌ عنه إلى الحقّ، فمن سمعه ممن حضر فلا يعوِّل عليه ، ومن غاب فليبلغه من حضر ، فجزاه الله خيراً , وجعل يحفل في الدّعاء والخلق يؤَمّنون .

قال ابن العربي معلّقاً: «فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدّين المتين ، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملأ من رجلٍ ظهرت رياسته ، واشتهرت نفاسته ، لغريبٍ مجهول العين لا يعرف مَنْ؟ ولا مِنْ أين؟ فاقتدوا به ترشدوا».