د. أحمد حمدي - عالي الهمة إذا عزم على شيء لا ينقضه - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2014-05-01 15:25:00

نشتكي هذه الأيام من ضعف الإرادة ودنو الهمة والكسل والفتور، وحالة من عدم تحمل المسئولية؛ وهذا يذكرنا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة ".

ترى الفاجر عنده جرأة على الباطل بدون خجل، وأما الثقة صاحب المنهج الصحيح تراه منطويا متقوقعا عاجزا ليس عنده " جندية" في التزامه وبذله ودعوته للحق،  قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إنما الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة  "، الراحلة من الابل التي تتحمل السفر الطويل والمشقة قلة، كذلك من يتحمل المسئولية وعنده قضية وحرقة علي الدين وغيرة وبذل وتضحية ورجولة تجدهم قلة.

قال ابن القيم: " لابد للعبد من قوتين: قوة علمية تبصره وتهديه، وقوة عملية تصعده وترقيه ".

بعض الإخوة يعتذر عن عدم تنفيذ المهام بأتفه الأسباب والمعوقات كالنسيان والنوم والانشغال بالدنيا وضغوط الحياة، ويتعامل مع الواقع الذي تمر به الأمة كأنه يشرب كوبا من الشاي وهو "نائم علي السرير""مسترخي العضلات" لا يشعر بأنه في أزمة، ولا أن الأمة تغرق،  وأنه لابد من رفع أعلي درجات الاستعداد وحالة الطوارئ،  والله تعالى يقول في كتابه : {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}، {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}، وقال تعالى لموسى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}.

فإن الحجج والمعاذير والمبررات والمسوغات التي يذكرها البعض إن راجت علي الناس لاتروج علي الله، قال تعالى: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى? نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى? مَعَاذِيرَهُ}.

أضرب مثالا ونموذجًا فريدا لصاحب همة عالية وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان إذا عزم علي شيء لا ينقضه أبدا مهما كانت العقبات التي أمامه، صاحب المقولة الخالدة: " أينقص الدين وأنا حي "، وقال تعالي " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".

نتذكر معا هذه الظروف الصعبة التي تعرض لها أبو بكر:

وفاة رسول الله صلي الله عليه وسلم وهي أعظم مصيبة أصابت المسلمين وانقطاع الوحي، وكان أقرب الناس لرسول الله وأحبهم إليه، وأكثر الناس ألما ومصابا بقد حبيبه وخليله؛ المفترض هو الذي يحتاج تلبية الناس وتعزيتهم له في مصابه، لكنه تمالك نفسه وثبت الناس وقت أزمة عنيفة أصابتهم وقال لهم:"من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}

جاء إليه الخبر باجتماع الأنصار في ثقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة منهم، وخشي علي الأمة الافتراق والانقسام بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم؛فذهب إليهم مع عمر وأبو عبيدة وذكرهم بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم:"الأئمة من قريش" ( منا الأمراء ومنكم الوزراء)  وجمع الله الأمة علي أبو بكر ودفع عنها محنة التفرق والتنازع.

استمرار ادعاء من مسيلمة الكذاب وسجاح والأسودالعنسي  وارتداد الكثير عن الإسلام ولم تكن تصل الجمعة ولا الجماعة إلا في ثلاث مساجد المسجد الحرام والمسجد النبوي ومسجد بالبحرين بعد أن دخل الناس في دين الله افواجا عام الوفود وحجة الوداع رأي أبو بكر انهيار ذلك أمام عينيه، منع قوم الزكاة والخوف علي ضياع أركان الإسلام، وتهديد الروم لحدود الدولة الإسلاميةـ وكيف ينفذ جيش أسامة مع كل ذلك، ومعارضته بعض الأنصار فقال مقولته الشهيرة:"والله لو تخطفت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لا أنفي لواء عقده رسول الله "،وقال في مانعي الزكاة: "والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، لن ينقص الدين وأنا حي "، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فقال عمر ما رأيت أن شرح الله صدر أبي بكر لذلك إلا وعلمت أنه الحق؛ انظر إلي قوة الإرادة والعزيمة والهمة؛ فحارب المرتدين وقتل مسيلمة الكذاب وعاد الناس إلي دفع الزكاة، وأنفذ جيش أسامة فانتصر انتصارا ساحقا علي الروم، ولم يجرح من جيش المسلمين أحد وكان من أكثر الجيوش غنيمة وبدأ الفتوحات الإسلامية في العراق.

 كل ذلك في خلال سنتين، فهل لنا في أبو بكر أسوة وقدوة في إنقاذ عزمنا في الدعوة والمواظبة علي طلب العلم والعبادة .