أحمد السيد الحمدون - الداعي لتصحيح نية الداعي - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن كثيرًا من الناس يستطيعون أن يعملوا الأعمال العظيمة، ويبذلوا جهودهم وطاقاتهم في إبراز ما يريدون تحقيقه من أهداف، بل ويصل إلى نتائج باهرة؛ كل ذلك دون سبر غور القلب لمطالعة القصد ومعاينة النية، فإذا بها غدا تصير هباء منثورا! فليست العبرة بكثرة الأعمال أو أحجامها، إنما العبرة تنبع من الداخل وإن قلت الأعمال.

وإليك أجلى مثل وفيه يبين المولى عز وجل أن الأعمال العظيمة قد تصبح هباء منثورا ولا شيء؛ والسبب في ذلك الرياء وحب الثناء، ومقالة الناس: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)(الفرقان:23).

إنها النية التي تجعل من مثقال الذر حسنات والتنعم بالثواب والخيرات، ويوضح المصطفى صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بأجلى تمثيل وحادث ملموس حي، حين هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة؛ فبين أن أساس الهجرة المقاصد وأصدر هذا البيان بهذا العنوان: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)(متفق عليه).

وحين فهم السلف رضوان الله عليهم هذا المعنى أوضحوا لجيلهم معانيه؛ فأيقظوا النفوس الغافلة ليستقر فيها مفهوم النية؛ قال ابن المبارك رحمه الله: "رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية".

معنى الإخلاص

ومعناه: أن يقصد الداعية بكل ما يصدر منه من قول أو فعل وجه الله، أو ابتغاء مرضاته وحسن مثوبته، من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر، واضعًا هذه الآية نصب عينيه: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ)(الأنعام:162،163).

قال أحدهم: "الإخلاص روح الدين ولباب العبادة، وأساس أي داع إلى الله".

فينبغي للداعية إلى الله عز وجل أن يخلص نيته لله، ويطمع في الثواب من الله وحده، وألا يشتري الدنيا بعمل الآخرة وحسبه من الثواب الكبير ما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)(متفق عليه).

وليعلم الداعية إلى الله تعالى أن الله تعالى لا يلتفت إلى عمل لا يكون له، فهل ينتظر من عمل لا يلتفت الله إليه أن يبارك فيه؟!

وانظر إلى هذا المثال:

مجاهد وفقيه وحافظ للقرآن.. كلهم في النار! لم؟!

وكيف يتصور هذا الأمر؟ رجل يقاتل تحت راية الإسلام وباسم الدين رافعا بيمناه المصحف وبالأخرى البندقية يصرح إن سئل أنه من السلالة المباركة فكيف يكون من أهل النار؟ وأكثر من ذلك هذا العالم الفقيه الذي تعلم وسهر الليالي وأصبح عالما يشار إليه بالبنان، ويقال في الناس إذا سألتم فاسألوا فلانا يعطكم موعظة، وآخر يحفظ كتاب الله تبارك وتعالى تلاوة وتجويدا وتفسيرا، هؤلاء الثلاثة هم الأوائل، ولكن في أي شيء؟!

إنهم الأوائل في دخول النار، يسحبون على وجوههم إليها! ما السبب؟!

الإجابة.. نستمع لهذا الحديث:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ، فَقَدْ قِيلَ؛ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ؛ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ)(رواه مسلم)(5).

ولكي يعتصم الداعية من لوثات الرياء، ويبرأ إلى الله من عقباها أرشده النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إلى الله تعالى بهذا الدعاء: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ)(رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وصححه الألباني).

ولابد أن يحاسب نفسه، ويكون له في كل عمل نية صالحة، قال بعض السلف: "إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية صالحة حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي الخلاء".

وقال الحسن البصري رحمه الله: "إن المؤمن والله ما نراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي.. ما أردت بأكلتي.. ما أردت بحديثي.. وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه".

وعن ميمون بن مهران رحمه الله: "لا يكون الرجل تقيـًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه".

إنها الرقابة التي تبصرنا بأن الإنسان مكشوف أمام الله لا يتملص، ولا يتلفت، واسمع إلى المولى عز وجل وهو ينادينا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(الأنفال:27).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "وتخونوا أماناتكم: الأمانة الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يعني سنته وارتكاب معصيته".

قال السدي: "إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم".

ولا شك أن تبليغ الدعوة أمانة؛ فوجب على الداعي أن يبلغها كما علمه القرآن حكمة في الأسلوب، وموعظة في القول، ومجادلة بالتي هي أحسن.

وهو إن أخلص في دعوته فقد تخلص من السمعة والرياء وحب الظهور.