أبو بكر القاضي - التعامل مع سير السلف في اجتهادهم في العبادة بين الإفراط والتفريط - بوابة الفتح الالكترونية
أبو بكر القاضي
2014-04-21 11:08:00

كثيرًا ما نقرأ سير السلف في اجتهادهم في عبادتهم في صيامهم وقيامهم ?حياء قلوبنا وتلمس هدي هؤ?ء النبلاء في سيرهم إلى الله وتعاملهم الراقي في علاقتهم بربهم ولكن تعاملنا إما أن يكون غاليا أو جافيا..
بحيث ا?ول يؤدي إلى جلد الذات و يصبح سياطا يعذب بها السائر إلى الله وقد ينفر وتنكسر إرادته وقد يصاب بالهزيمة النفسية أمام هذه السير الفذة.

والثاني يكون قد خسر ا?ستفادة من هذه السير باستهتاره وإهماله وهو مقصر تمام التقصير..!

ولذا أحاول في هذه الهمسات الثماني أن أوضح كيفية استيعاب تلك السير وهضمها وا?ستفادة منها رغم الشقة التي بيننا وبينها فهمًا وفقهًا وواقعًا وهي كمفاتيح لمعالجة المادية القاحلة والتقصير الشديد في ذلك الجانب والتشوه المحسوس والمنظور في بناء الشخصية في الصف ا?سلامي...

1- قد يتساءل البعض حين ينظر لهذه السير لماذا كل هذا ا?جتهاد ؟؟!

وقد يخيل إليه أن هذا من قبيل المبالغة والتكلف والغلو..

وا?جابة ببساطة ووضوح ( كلما ازداد وثخن إيمان العبد زادت شفقته على نفسه واجتهاده في الطاعة والعكس بالعكس كلما نقص إيمانه قل عمله مع ا?من).

كما قد جاء في الحديث حين سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون" قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أهؤ?ء الذين يزنون ويسرقون ؟ قال: ? يا بنة الصديق هؤ?ء الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أ? يتقبل منهم..

وهذا قول الحسن حين ذكر له خشية عمر رضي الله عنه حين موته: (هكذا المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وعزة، والله ما وجدت إنسانا زاد إحسانا إ? وجدته ازداد مخافة وشفقة، و? ازداد إساءة إ? ازداد عزة..)

فلا داعي للمغا?ة في تعطيل تلك السير عن فوائدها.

2- ا?جتهاد بالنسبة للمحسن ? يتجزأ فهو قد تمكن في الفرائض أو? ثم النوافل و? تستقيم النوافل إ? بعد الفرائض كما جاء في الحديث القدسي "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته و? يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه".

وبالنسبة للمجتهد في عبادته، الاجتهاد في النوافل تحصين للفرائض ولذلك تسمع أقوا? منهم مثل " إما ا?جتهاد وإما الهلكة"وآخر يذهب لصلاة الجماعة وقدماه تخطان ا?رض..!

3- التعامل مع هذه السير يكون محبطا وكئيبا لمن لم يفقه سنة الربانية "ولكن كونوا ربانيين" قال ابن عباس رضي الله عنهما: الرباني الذي يأخذ بصغار العلم ثم كباره.

وهذا في العلم والعبادة والدعوة وهي سنة التدرج والتدرب والمراس حتى تصبح العبادة ملكة فلا ينبغي أن تأخذ  لنفسك أو في طرحك الدعوي المشهد ا?خير من حياة أئمة السلف بعد طول مجاهدة وعناء وقد قال ثابت البناني: جاهدت نفسي في قيام الليل عشرين سنة ثم استمتعت به عشرين سنة، فلا ينبغي تناول هذه السير بسطحية فسطر منها يساوي عمرا واجتهادا وبذ? وتضحية سنين..!

4- العبادات الظاهرة أوعية لنزول البركات والرحمات في القلب والعبادات الظاهرة كطرق أبواب الأرزاق الروحية والقلبية ..

فكلما عظم الوعاء وتتابع الطرق على الباب.. فتح على العبد ومليء الوعاء على قدره، "إن رحمت الله قريب من المحسنين".

5- ا?جتهاد في العبادات الظاهرة متنوع بتنوع الشرع فيه وبتنوع المواهب والقدرات، فالواجب عليك في نفسك وفي طرحك الدعوي للسائرين إلى الله أن تبين أنه ينبغي علينا، وعليهم أن نعرف ما نصلح له وما يصلح لنا على حسب طاقاتنا وقدراتنا والجهاد فيه حق الجهاد واستفراغ الوسع فيه..

وليس كل الصحابة رضوان الله عليهم أبابكر موسوعي الطاقات.. وليس كلهم ابن عباس أو خالد.. بل "كل ميسر لما خلق له" وليس التقيد بصورة ا?عمال من الربانية في شيء ولكن حقيقة الربانية هو بذل الوسع فيما تحسن لكي تصل إليه سبحانه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "سبق درهم مائة ألف" لتفاوت طاقة المنفقين..
فكل شخص منظومة متكاملة مختلفة عن ا?خر وإنما يستفاد بالسير للنظر في اجتهاد السلف الهائل فيما يحسنون من ملكات وكيفية التضحية في الوصول إلى الله من خلاله..

فليس القضية في استفراغ الوسع فقط في القيام والصيام والذكر ولكن إن كنت تحسن هذا فذاك وإن كنت تحسن غيره من طلب العلم والمذاكرة أو الدعوة والبلاغ أو مساعدة اليتامى والنساكين أو غير ذلك فهذه ساحتك التي فيها ?بد أن تتهصص وتتميز وتبدع وتسبق..!

والناس درجات ودركات.. فتعاملك مع المدعوين قائم على ذلك؛ فليس ا?عرابي الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم "أفلح إن صدق" كابن عمر رضي الله عنهما الذي قال عنه "نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل".

6- ينبغي من بيان المنهج وأن أفضل الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وأنه ا?فضل وأن سواه مفضول وليس بسيئ أو قبيح فهو خطأ في ا?جتهاد ولكن عليه أجر وثواب.. وهم حاشاهم أن يتعمدوا المخالفة أو التقليل من عبادة النبي صلى الله عليه وسلم.

فلابد من ا?عتراف ?هل الفضل بالفضل وكما نرفع عنهم الملام في ا?مور العلمية باحتمال ا?جتهاد في الخلاف السائغ وا?نكار المتأدب في الخلاف غير السائغ فهكذا، فليظهر ا?دب حين نطرق باب العبادة والسلوك إلى الله في حياتهم ولنستفد ولنعالج تقصيرنا حتى في تطبيق خير وأيسر الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم من خلال سيرهم..!

7- هناك خلل واضح وعدم توازن ملحوظ في إنتاج الصحوة ا?سلامية عامة بين العلم والعمل والسلوك والصحوة السلفية خاصة في الشخصيات وهذا يحتاج ?صل النظرة ا?حادية في التربية و?بد من شمولية العلم والعبادة والعمل والدعوة والتخلص من المادية القاحلة بثورة قلبية تألهية تعبدية متجردة لرب العالمين وفتح ا?فاق لتراث الزهد والسلوك السلفي المنضبط.

8- ينبغي لقارئ هذه السير ومستمعها أ? يتعحل أثرها في قلبه ويحصلها ريثما يفتح الله على قلبه ويرزق العمل؛ فالسعادة نصفان علم وعمل فمن حصل ا?ولى بصدق وإخلاص عسى الله أن يرزقه النصف الثاني، فيكون العلم كالمخزون ا?ستراتيجي الذي ? تدري متى تحتاج إليه حين يزال الحائل بينك وبين قلبك "واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ".