محمد القاضي - التجرد هو قصد الحق لذاته (1-2) - بوابة الفتح الالكترونية
محمد القاضي
2014-04-20 10:43:00

ميزان التجرُّد: قصدُ الحق، ونشدانُ الصواب، لا يُفَرِّق بين أن يظهرَ الحقُّ على يده أو على يد إخوانه، ويرى أخاه معينا لا خصما، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهره له، ويقدم النصيحة لإخوانه بكل آدابها وضوابطها، ويظل عاملا لدعوته، حريصا على نجاح رسالته، متأبيا على محاولات الاستدراج، واعيا لكل محاولات شق الصف التي يجتهد فيها الخصوم.

إن ظاهرةَ التنازع والشقاق والتشرذم التي تصيب بعض العاملين في حقل الدعوة تشير إلى نقص في التجرد الحقيقي لله، حين تختلف آراؤنا واجتهاداتنا ورؤانا ونحن متجردون لله وللحق؛ فسنحتكم إلى الكتاب والسنة فهم سلف الأمة ، وسيقل التنازع والشقاق والتشرذم دون شك، حين نكون متجردين لله نقبل النصيحة ونحتمل النقد، سواء كان لأشخاصنا أو لأفكارنا أو لتصرفاتنا؛ وهذا مقتضى فهمنا لفقه الخلاف بين المسلمين ، مادام الخلاف سائغا لا يصادم البينات فلا يفسد للود قضية، وحين نكون متجردين لله لا تكون ذواتنا محور اهتمامنا ولا محور تحركنا، وحين نكون متجردين لله تكون طريقة الحكم على الآخرين هي الطريقة التي أمر الله بها ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? (المائدة: من الآية 8).

وحين يغيب التجرد من حياة المسلم يحل محله اتباع الهوى والإعجاب بالرأي، وذلك بداية الهلاك ?فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ? (الصف: 5)، ?أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ? (محمد: 14)، وفي الحديث: «ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِى رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ...» (رواه أبو داود، والترمذي وحسنه أيضا).

فكثيرا ما تكون الخلافات بين الأفراد والفئات ظاهرها أنه خلاف على مسائل في العلم، أو قضايا في الفكر، وباطنها حب الذات، واتباع الهوى الذي يعمي ويصم، ويضل عن سبيل الله، وهذا واقع بين الجماعات والحركات الإسلامية بعضها وبعض، وبين الأجنحة المختلفة داخل الجماعة الواحدة، وبين الأفراد القياديين بعضهم وبعض، فكثير منها يرجع إلى أمور شخصية، وتطلعات ذاتية، وإن كانت تغلف بالحرص على مصلحة الإسلام أو الجماعة أو المؤسسة ، أو غير ذلك مما قد يدق ويخفى حتى على الإنسان نفسه، فيزين له سوء عمله فيراه حسنا.

أجل، كثيرا ما يكون الخلاف في حقيقة الأمر من أجل أن يكون زيد زعيما، أو عمرو رئيسا، أو بكر قائدا، ويظن اتباع هذا أو ذاك أو ذلك أنه خلاف على المبادئ والمفاهيم، وهو خلاف على المغانم، وحب الظهور أو الجاه أو التصدر وهو الذي جاء به الحديث النبوي: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه».

والمراد بالشرف هنا: الجاه والمنصب، والمعنى: أن الحرص على المال والجاه أكثر إفسادا من إفساد الذئبين للغنم.

لقد جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية صريحة فى هذا الشأن، وموضحة السبيل لتربية الإنسان المؤمن الذي يجعل غايته رضا الخالق لا ثناء الخلق، وسعادة الآخرة لا منفعة الدنيا وإيثار ما عند الله على ما عند الناس، (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) (النحل: 96).

وحذرت هذه التربية من الإنسان الذي تكون الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه؛ فهو يعمل للجاه والشهرة، أو للمصلحة الذاتية، أو لنزعة عصبية ظاهرة أو خفية.

ولهذا صح في الحديث أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة هم أهل الرياء والكذب على الله، الذين يزينون للناس أنهم يعملون لله تعالى، وهم لا يعملون إلا لذواتهم وشهوات أنفسهم، وإن كان فيهم العالم والمعلم، والمنفق الباذل والمجاهد المقاتل!

ومن هنا نوه الحديث الشريف بأولئك الجنود المجهولين الذين يذيبون حبات قلوبهم، وينفقون أغلى أيام أعمارهم في نصرة دينهم وطاعة ربهم دون أن تسلط عليهم الأضواء أو يشار إليهم بالبنان.

روى الحاكم وغيره عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن عمر رضي الله عنه خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم  يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة".