عماد المهدي - "تحرر" والبرداعي ... وخلط للأوراق - بوابة الفتح الالكترونية
عماد المهدي
2014-04-08 11:26:00

فى لحظات حاسمة تواجهها الدولة المصرية فى مسيرتها نحو استكمال بقية الاستحقاقات التى وضعتها خارطة الطريق ما بعد الثلاثين من يونيو، تطفو على السطح دون سابق إنذار أو تمهيد حركة جديدة اتخذت لنفسها اسم "تحرر" معلنة دعوتها للدكتور محمد البرادعي للعودة إلى مصر والمشاركة فى السباق الرئاسي المزمع إجراؤه فى مايو المقبل.

ورغم تسليمنا جميعا بحق كل مواطن مصري تنطبق عليه الشروط والضوابط المنصوص عليها فى الدستور والقانون فى التقدم للترشح لتولى أي منصب عام سواء كان رئيسًا للدولة أو نائبًا فى البرلمان أو عضوا فى المجالس المحلية، إلا أن مجرد توافر الشروط القانونية لا يعنى توافر الأهلية السياسية لدى هذا الشخص لتولى المنصب.

بمعنى أكثر وضوحا من المعلوم أن السواد الأعظم من المواطنين المصريين مؤهلين للترشح لمنصب رئيس الجمهورية وفقا للشروط والضوابط الدستورية والقانونية، إلا أن توافر هذه الشروط لا يعنى أنه مؤهل لتولى المنصب، فهذه شروط صحة وليست شروط أهلية.

وتأتى مناسبة هذا الحديث في ضوء ما يتكرر مع كل استحقاق رئاسي منذ أن عرفت مصر الانتخابات الرئاسية في عام 2005، والمتمثل في دعوة الدكتور محمد البرادعي للترشح في تلك الانتخابات، صحيح أن ثمة فارق بين ما كان يجرى قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير وما جرى بعدها وما سيجرى خلال الانتخابات الرئاسية القادمة، إلا أنه من الصحيح أيضا أن هذه الدعوة تمثل العامل المشترك بين كل هذه الانتخابات، وكأن مستقبل مصر مرهونًا به أو كأنه يملك العصا السحرية التي يستطيع بها حل مشكلات مصر داخليًا وخارجيًا، في حين أن الواقع يسجل في كل مرة تكشف موقفًا مخزيًا للدكتور البرادعي، تارة بالهروب إلى الخارج وتارة بالاعتذار عن المشاركة وتارة ثالثة بالاستقالة لأسباب غير منطقية ثم الهروب أيضًا...الخ. ما نود قوله في هذا الخصوص أن عودة طرح اسم البرادعي في أي استحقاق رئاسي يثير ملاحظتين واجتبى التسجيل، وذلك على النحو التالي:

الأولى- أنه رغم ما قيل عن تاريخ الدكتور البرادعي سواء حينما كان رئيسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية والشبهات التي دارت حوله خاصة فيما يتعلق بتوليه هذا المنصب بعد استقالة هانز بليكس بسبب الحرب الأمريكية على العراق 2003، أو حينما كان مستشارا لرئيس الجمهورية ما بعد الثلاثين من يونيو واستقالته من المنصب وعدم قدرته على المشاركة في إدارة المرحلة العصيبة التي مرت بها مصر، بل وهروبه إلى الخارج. إلا أن الحكم الحقيقي على الدكتور محمد البرادعي فيما إذا كان مؤهلا لتولى منصب رئيس الجمهورية من عدمه، لا ينبغي أن ينصب على ما سبق فحسب رغم أهميته، ولكن يجب أن يتم على أساس ما لديه من رؤى وأفكار وأطروحات حقيقية وسياسات عملية تتناسب مع الواقع المصري ومشكلاته.

فلم يثبت على مدار الأعوام السابقة منذ عودته إلى مصر قبل الثورة وحتى اليوم أن قدم رؤية عملية أو مقترحات فعلية بشأن القضايا المصرية سواء داخلية أو خارجية.

يعنى ما سبق أن دعوته للمشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة تحت مزاعم حق الرجل في الترشح للرئاسة تمثل خلطا فاضحا في الأوراق بين الشروط القانونية والأهلية السياسية التي يفتقدها الرجل سواء بسبب هروبه المستمر وعدم قدرته على تحمل المسئولية في أي مرحلة سابقة حتى حينما كان رئيسا لحزب الدستور لم نشهد نجاحا يذكر له، أو بسبب عن عدم امتلاكه أية رؤى أو استراتيجيات يمكن أن تقدم حلول ناجعة للمشكلات والقضايا الوطنية.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالجهة التي تدعم ترشح البرادعي للرئاسة، ففي المرحلة التي سبقت الثورة كانت هناك الجبهة الوطنية للتغيير والتي ثبت سواء من خلال التصريحات أو من خلال الحملات التي أُطلقت، دعم جماعة الإخوان للدكتور البرادعي، فمن يعود إلى تصريحات قادة الجماعة مثل الدكتور سعد الكتاتنى الذي كان يشغل منصب رئيس الكتلة البرلمانية (2005- 2010) وكذلك القيادي صبحي صالح يجد تأكيدات من جانب الجماعة لدعمه والذي وصل إلى حد إطلاق حملة الكترونية لجمع مليون توقيع لتأييده.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد تكررت الأفكار، فاليوم تأسست حركة أطلقت على نفسها "تحرر" ورغم ما قد يحمله الاسم من دلالة سلبية حينما نميز بين التحرر والحرية، إلا أن الحركة انتهجت الأسلوب ذاته الذي اتبعته الجماعة حينما أرادت أن تدعم البرادعي من قبل، يتأكد ذلك بصورة أوضح حينما نجد تقاربا وتشابها بين تصريحات قادة الحركة وخطابات جماعة الإخوان الآن، خاصة بعد أن أعلنت حركة تمرد أن المنتمين إلى هذه حركة تحرر لم يكونوا أعضاء فيها وأن ثمة تباين في مواقف وأيديولوجيات الطرفين.

ما نود إجماله، أنه لم يعد ينطلي على الشعب المصري الواعي ما تحاول أن تقوم به جماعة الإخوان وأتباعها وحلفاءها الذين حاولوا كثيرا خداع الشعب وقواه الثورية الحقيقية التي رفضت أسلوب الجماعة في الهيمنة والاستحواذ على الدولة ومؤسساتها وإقصاء الجميع.

خلاصة القول: إن بروز حركات جديدة على الساحة السياسية المصرية لم يعد مجديًا في ظل استكمال بناء مؤسسات الدولة على أسس وطنية تحظى بالتوافق العام من مختلف فصائل المجتمع وقواه التي تحاول أن تضع اللبنات الأولى لدولة عصرية ديمقراطية حديثة، تعلى من سيادة القانون واحترام أحكامه، وتجعل المواطن نصب عينها، محققة أهداف الثورة في عيش، وحرية، وكرامة إنسانية، وعدالة اجتماعية، وسيادة وطنية.