أحمد خليل خير الله - أشهر القيادات - بوابة الفتح الالكترونية

الألم يعتصرني وأنا أكتب هذه الكلمات،  وحال أمتي لا يخفى على أحد.

فبالله -أخي القارئ-، إن كنت ستقرأ هذه الكلمات بعدسات المستهزئ، أو المنتقم، أو المتشائم، أو المتصيد فلا تقرأ من البداية مشكورًا .

فهذه الكلمات ليست لك، فهذه الكلمات لا تقرأ إلا بعين الرحمة والهم على حال الأمة المكلومة والرغبة الشديدة في البحث عن مخرج.

نعم ....

أشهر القيادات، لا أقول فقط أشهر القيادات عالميًا، ولكن أيضًأ تاريخيًا...

وربما أكثر القيادات أتباعًا وجمهورًا ومريدين؛ إنه «الوهم»، نعم  قائد يسمى «الوهم». قائد نعرفه جميعًا ولكن ننكر قيادته جميعا .. إلا من رحم ربي.

نتبعه وننفذ تعليماته القيادية بالتفصيل ولكن لا نصرح بذلك لأحد.

وهو يرضى بذلك بل يحب ذلك ... أن يسمى بغير اسمه .. حتى يستمر في القيادة ... وأقصد بالوهم ها هنا عدة معان: عدم العلم، أو عدم التأكد رغم وجود العلم ربما لعدم وجود الفهم.

المعنى الثالث هو تغليب المشاعر، أو اعتمادها كمصدر رئيسى للقرار، قال تعالى: «وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا».

فكم من أشخاصٍ كان قائدهم الوهم، ومصدر تحركهم الوهم ، ومنبع أعمالهم هو الوهم. في شأنهم الشخصي وشأنهم الجماعي ... صنع قائد الوهم بنفسه لنفسه ثم جعله قائداً لنفسه ..

ولعلي أوضح ما أصبو إليه من معنى في قصة وقاعدة، أدور فيها حول معنى واحد أستبعد به قائد الوهم من حياتي من غير خوض في تفاصيل القصة ومحاولة تفصيلها بدقة على واقع زمان ومكان محدد وهذا تكلف مذموم عقلاً ونقلاً.

القصة:

إنها القصة التي سارت بها الركبان، وذكرها القرآن لتكون لنا عبرة في كل زمان ومكان، إنها قصة فتية الكهف.

ومن أعظم ما يؤثّر في قلبي في هذه القصة هي واقعية الفتية، وما أعظم الإيمان بالله حين يكون مطابق لنهج الأنبياء في التحرك، في الواقع والعمل: «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى».

إيمان الفتية العظيم بالله لم يجعلهم يتعمدون الكرامة، وإنما حدثت لهم من غير قصدٍ، ولم يرتدِ أحدٌ منهم عدسات الوهم، ويتخذه قائدًا في مواجهة الملك، ومواجهة مجتمعهم، وتأمل حين قال قائلهم: «فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا».

فالكهف عنوان رمزي قرآني لحسابات واقعية، هي الأنسب في الزمان والمكان، ثم الكرامات الربانية والمدد الإلهي لأولياء الرحمن.

وحين قاموا كان استبعاد الوهم من القيادة أمرًا عمليًا يصرح به تصريحًا لا تلميحًا، «إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا».

يا للواقعية...

الخريطة ليست هي الحقيقة، ووهم المشاعر والأمنيات على خريطة الخيال، غير الحسابات العملية على أرض الواقع الصادم، هكذا من غير تزيين «يَرْجُمُوكُمْ»، أو «يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ»...

ولكن لا بد لأحد أتباع قائد الوهم أن يبرز، أو أن يطل برأسه، فلا بد من المواجهة، لا لتثبيط الهمم...

اخرجوا من كهف التخاذل والخنوع والذل، ماذا قدمتم لدين الله حتى تتواروا في الكهف؟

ولكن الله كتب لهم النجاة باستبعاد قائد الوهم من مقدمة الركب، والعمل بمقتضى الشرع أولًا، ثم العقل، فلا بد من التفريق بين قواعد فهم النص، وقواعد تطبيق النص.

فقواعد فهم النص، تقول: «هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا»؛ منتهى الوضوح والواقعية.

وقواعد تطبيق النص تقول: «وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا»؛ منتهى المرونة في الاختيار.

قواعد فهم النص تقول: «لقد جئتكم بالذبح»؛ خطاب عام، وقواعد تطبيق النص تقول: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ»؛ خطاب خاص.

وحين يتدخل الوهم في قواعد التطبيق، هنا يحدث الخلل. الوهم قائد يأتي بألف وجه، وألف زي تنكري، ولا يكشفه إلا من وضعه على ميزان الشرع والواقع.

ميزان تخريج المناط، وتحقيق المناط...  ميزان النص، وميزان تطبيقه... حتى لا تكون فتنة قائدها الوهم.

القاعدة: 

اليقين لا يزول بالشك.

وهي من القواعد الكلية الكبرى، ومن أكثرها تطبيقًا، وهي من اللبنات الرئيسية في تكوين العقلية المسلمة الفقهية والسياسية والمجتمعية، حتى إن السيوطي رحمه الله يقول: «هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرَّجة عليها تبلغ ثلاث أرباع الفقه وأكثر».

وملخص المقصود من القاعدة القائدة هو:

«رجاءً توقف عن التمثيل، فالأصل بقاء ما كان على ما كان، لا جديد، لا شر جديد، ولا خير جديد، والعقرب سيظل عقربا، والحية ستظل حية، والذئب ذئبا.

لا تنظر بعدسات الوهم وتجعله قائدك، فاليقين لا يزول بالشك... الأمريكان أمريكان، واليهود يهود... اليقين لا يزول بالشك... السياسة مصالح، وصراع قوة، وفرض هيمنة... اليقين لا يزول بالشك... الأصل في المياة الطهارة... اليقين لا يزول بالشك... الأصل في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم التحريم... اليقين لا يزول بالشك...

لا ينسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة بيان... فاليقين لا يزول بالشك...

لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل، ولا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح...

يا الله... ماذا لو طبقنا هذه القاعدة في واقعنا، وصفعنا بها قائد الوهم على الوجه؟؟؟

لا عبرة للتوهم.. لا عبرة للتوهم.. لا عبرة للتوهم.

فما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، والتاريخ ووقائعه ظاهرة جلية واضحة، فلماذا قادنا الوهم؟

فلا عبرة بالظن البين خطؤه.. فلابد من تحكيم وتحطيم.

تحطيم عقلية الوهم، وتغليب عقلية الأصول الفقهية والقواعد الكلية في تطبيق النصوص، ودعونا نعترف؛ أن من التحديات المعاصرة التي نعانيها: الندرة الشديدة في علماء أصول الفقه «رجال اقتصاد النص»، وعلماء النفس «رجال اقتصاد النفس»، ضبط للنص والنفس في واقع الحياة...

وقد قال لي الشيخ محمد إسماعيل عام 2011: «أخوف ما أخاف على التيار الإسلامي هو عدم وجود علماء أصول فقه بحجم الأحداث»، وقال: «الجيل الذي لا يملك علماء أصول فقه سيفشل في تطبيق الإسلام على الواقع...» انتهى

أزعم أن المشكلة في اختلافات التيار الإسلامي ليست في قواعد فهم النص، وإنما في قواعد تطبيق النص.

ليست في تخريج المناط، وإنما في تحقيق المناط، نسأل الله التيسير.

علماء الأصول قبل تحقيق المأمول، بل وللوصول إلى المأمول.

إمّا عقلية الوهم المعسول، أو عقلية القواعد والأصول.

هذه العقلية التي قالت صبرًا آل ياسر، ثمّ بعد حين جاءت لفتح مكة.

هذه العقلية التي دخلت في الكهف، ثمّ خرجت بعد ذلك بذي القرنين.

هذه العقلية التي عادت من مؤتة بانسحاب، ثمّ عادت بجيش أسامة من غير طول غياب.

عقلية الممكن... عقلية التنزيل...

في مقابل عقلية الوهم والمستحيل.

الوهم نصف الداء، إن لم يكن الداء كله، والتشخيص بداية حقيقية للعلاج.

اعزلوا قائد الوهم قبل كل القيادات، ثم يتم تعيين قائد النص وقائد الواقع...

ربما كان الوهم قائدا لي في قرار عمل أو قرار صحبة أو .. أو على المستوى شخصي أو جماعي.

قال ابن تيمية –رحمه الله-: «والسالك إن لمن يعصمه الله بنور الإيمان والقرآن وقع في بحر الوهم والخيال الباطل».

الخلاصة

حين يقود الوهم ... تتعطل قيادات النص والفهم. والله المستعان

لن نخرق السفينة وسنغرس الفسيلة بإذن الله.