مصطفى دياب - كسر الحواجز الوهمية - بوابة الفتح الالكترونية
مصطفى دياب
2014-03-27 12:14:00

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده...

فى كثير من الأحيان نتوهم وجود حواجز بيننا وبين أشياء كثيرة فى حياتنا وفى تطورنا وارتقائنا، وفى الحقيقة قد تكون هذه الحواجز وهمية لا حقيقة لها وقد تكون سهلة لا تستحق الهاجس الضخم حولها وقد تكون حواجز حقيقية فعلا تستحق الدراسة والاجتهاد لإزالتها؛ ففى مجال الدعوة إلى الله أو العمل أو التقدم الحياتى ربما نضع بأنفسنا حواجز تمنعنا من التقدم فتود أن تأخذ دورة إلكترونية فتضع لنفسك تخوفات وعقبات وغير ذلك فأنت تمر على جارك وعلى عم فلان البقال وربما تجده على منكرٍ ما ومع ذلك لا تتكلم ولا تنصح توهمًا منك أنه ربما يفعل بك كذا وكذا, وأنت تركب مع سائق التاكسى أو (التُك تُك ) وتسمع الأغانى والمهرجانات بصوت صعب ومع ذلك تتوهم أنك لو كلمته لفعل بك كذا وكذا أو قال لك كذا فتُحجم ولا تنكر المنكر فيزيد المنكر.

ما يمنعك أن تتكلم مع أستاذك فى الفصل أو الجامعة؟

ما يمنعك أن تتكلم مع مديرك وصديقك؟

والنبى صلى الله عليه وسلم يقول ( الدين النصيحة ) ويقول (من رأى منكم منكراً فليغيره .. ).

 أخى الحبيب، أخلص فقط وأحسن التوكل على الله ولتكن غايتك مرضاة الله تعالى مهما كانت العوائق الحقيقية أو الوهمية، قال تعالى لموسى وهارون ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى .. ).

لا تتوهم الأذى فتتوقف ولكن خذ حذرك وتحرك ( قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى . قال لا تخافا إننى معكما أسمع وأرى .. ).

أخى الحبيب، تكلم والله معك ويقول لك قائل لو تكلمت لأصابك الأذى وأذكرك بقوله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ( يا أيها الرسول بلغ ما أُنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس .. ) قال ابن القيم : ( العصمة على قدر البلاغ ) بلغ .. و الله يعصمك، فعلى قدر البلاغ تكون العصمة ويكون الحفظ من الله ( احفظ الله يحفظك .. ) وانظر إلى مؤمن آل فرعون ( وجاء من أقصى المدينة رجلٌ يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين .. ) وماذا بعد ؟! هل تعرض للأذى ؟ هل أصابه مكروه ؟ هل ضيعه الله ؟ قال تعالى ( فوقاه الله سيئات ما مكروا). 

أخى الحبيب، بلغ وليست عليك النتائج ما دمت قد قمت بكل ما يجب وأخذت بالمتاح من الأسباب مع حسن التوكل قال تعالى ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) وكما قال ( لست عليهم بمسيطر ).

 أخى الحبيب، اكسر الحواجز فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يغشى الناس في مجالسهم ونواديهم، وتحرك عمار بعد إسلامه بدعوة أمه فأسلمت وبدعوة أبيه فأسلم وهذا أبو هريرة يدعو أمه ويظل يدعوها حتى أسلمت وأولاد عمرو بن الجموح لا يفتُرون عن دعوته والتحايل ليُسلم حتى أسلم فما توهم هؤلاء حواجز ولو توهموا ما أسلم على أيديهم من أسلم، وهل ترى أكثر من أبى سفيان بن الحارث بن عم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأخيه من الرضاعة وعندما بُعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان من ألد أعدائه واستمر على عداوته واستمر النبي -صلى الله عليه وسلم- على دعوته عشرين سنة نعم عشرين سنة لا تتعجب فقد مكث نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وهم يسخرون منه ويتطاولون عليه ( قال الملأ من قومه إنا لنراك فى ضلالٍ مبين ).. وقالوا.. ( ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأي .. )ونوح يصمد ولا ينشغل عن هدفه من دعوتهم (وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم ) فكان همّ نوح أن يؤمنوا وأن يغفر لهم الله ولذا فقد توخى نوح كل ما يظن أنه يؤدى إلى إنجاح دعوته ( قال ربِّ إنى دعوتُ قومى ليلا و نهارا. فلم يزدهم دعائى إلا فرارا. وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم فى آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا. ثم إنى دعوتهم جهارا. ثم إنى أعلنت لهم وأسررتُ لهم إسرارا. فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) فلو توهم نوح الحواجز ما دعا وما تقدم ولكنه كان يستعين بالله ويخطو خطوة إلى الأمام ويُغير أداءه وأسلوب حواره ووقت لقائه بهم ويُنوع فى الحديث لعله يصل إليهم ويفتح الله قلوبهم.

أخى الحبيب، بمجرد كلامك المخلص سيكون الأثر،( قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين. قالوا سمعنا فتى يذكرهم يُقال له إبراهيم... قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون. فرجعوا إلى انفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ) تكلم والله يعصمك من الناس, تكلم بإخلاص وكلماتك لن تضيع.

أخى الحبيب، أنت من يصنع الحواجز، هل تذكر هذه المرأة التى أتت الكفل فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت وذكّرته بالله فقام عنها وقال والله لا يعصِ اللهَ الكفلُ أبداً فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه غفر الله للكفل.

وأخيرا أخى الحبيب، هل توجد حواجز حقيقية ؟ قال رجل للحسن ( أُحب قيام الليل وأُعد طهورى ولا أستطيع القيام! فقال له قيدتك ذنوبك ) نعم أخى الحبيب إن الذنوب من أكبر الحواجز الحقيقية التى تحتاج إلى الاقتلاع وقد يتعثر العمل والإنجاز فى مؤسسة بسبب ذنب واحد، وإليك أخى الحبيب ما ذكره ابن قدامة حيث أصاب بنى إسرائيل على عهد موسى قحط فاجتمع الناس إليه وقالوا يا كليم الله ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث فقام معهم حتى خرجوا الى الصحراء وهم سبعون ألفا أو يزيدون فقال موسى عليه السلام: إلهى اسقنا غيثك وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرُتع والمشايخ الرُكع فما زادت السماء إلا تقشعا والشمس إلا حرارة فقال موسى: إلهى اسقنا.. فقال الله: كيف أسقيكم؟ وفيكم عبدٌ يبارزُنى بالمعاصى منذ أربعين سنة.. فنادِ فى الناس حتى يخرج من بين أظهُركم.. فبِهِ منعتكم. فصاح موسى فى قومه: يا أيها العبد العاصى الذى يُبارز الله بالمعاصى منذ أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا فبِكَ مُنعنا المطر.. فنظر العبد العاصى ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدا خرج فعلم أنه المطلوب.. فقال فى نفسه إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتُضحتُ على رءوس بنى إسرائيل وإن قعدتُ معهم مُنعوا لأجلى.. فانكسرت نفسه ودمعت عيناه فأدخل رأسه فى ثيابه نادما على فعاله وقال: إلهى وسيدى عصيتُك أربعين سنة وأمهلتنى وقد أتيتك طائعا فاقبلنى وأخذ يبتهل إلى خالقه فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القِرب .. فعَجِبَ موسى وقال: إلهى سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد! فقال الله: يا موسى سقيتُكم بالذى به منعتُكم. فقال موسى: إلهى أرنى هذا العبد الطائع.. فقال: يا موسى .. إنى لم أفضحه وهو يعصينى أفأفضحه وهو يطيعنى؟!

أخى الحبيب، لم يكن الحل الخروج من المؤسسة ولكن الحل الخروج من الذنوب والانكسار بين يدى رب العالمين.

أخى الحبيب، إن هذا العبد وقع فى خيار صعب هل يُقدم مصلحته أم مصلحة مجتمعه ومؤسسته ؟ هل يفضح نفسه أم يموت شعبه ويسقط العمل وتنهار المؤسسة؟ ولكن الله لطيف بعباده.

وقال موسى: أى ربِّ، أين أجدك ؟ قال الله: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى.

والآن توبة وعودة وانكسار وانخلاع من الذنوب ومراقبة للنفوس والله الله فى السرائر فإنه لايصلح مع فسادها صلاح ظاهر.

و صلِّ اللهم على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.