أحمد خليل خير الله - آيات نبحث بها عن مخرج: مركبات ومنهجيات لعودة المجتمعات - بوابة الفتح الالكترونية

من عظيم السرد فى سورة مريم ذكر الآيات لأكثر من مجتمع بتفاصيله وآفاته وكيفية مواجهة الأنبياء "عليهم السلام" لهذا المجتمع وخاصة مواجتهم للملأ ومن حول الملأ من حاشية ومنتفعين، كيف عاشوا وتعبوا وعملوا وحاوروا وجادلوا بالتي هي أحسن.
بداية من زكريا "عليه السلام" ثم يحيى "عليه السلام" ثم مريم وعيسى "عليهما السلام" ثم الخليل إبراهيم "عليه السلام" ثم إسماعيل "عليه السلام" ثم تأتى هذه الآية المانعة الجامعة في تعليق مُلهم لأولي الألباب. ..
قال تعالى: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ? إِذَا تُتْلَى? عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَ?نِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا).)
ذهب رجلٌ من الخبراء النجباء العقلاء الحكماء إلى أحد المجتمعات المتقدمة الراقية المتحضرة، وعاش فيه طويلاً ودرس كل تفاصيل تقدمه ودقائق أموره وعمق أركانه لفترة طويلة متبحرة، حتى صار بالنسبة له كتابا مفتوحا يخطه عن ظهر قلب ويحكي تفاصيل تفاصيله من غير عناء..
ثم رحل عنه لفترة زمنية ثم عاد فوجد الناس غير الناس والمجتمع غير المجتمع والتقدم غير التقدم والاهتمامات غير الاهتمات والأهداف غير الأهداف.
ووجد القوم الذين خلفوهم قد أفسدوا المجتمع بل دمروه وخالفوا سيرة ومنهج من كان قبلهم، فوقف خطيبا بينهم فى خطبة مختصرة وجيزة قائلاً: يا أيها الناس لقد خلفتم قوما أعرفهم جيداً كما يعرف الرجل منكم ولده، وقد تغيرتم وغيرتم وفسدتم وأفسدتم وقد وقعتم فى أمرين، وهما السبب فيما آل إليه الحال وما وصل إليه المآل.
أما الأول فهو كذا، وأما الثانى فهو كذا، وأضعتم بوصلتكم والسلام..
فماذا سيكون اهتمامهم بهذين الأمرين وهم يعرفون الناصح جيدا ويعلمون قيمته وخبرته وحكمته، وقد وضع لهم بوابتين للعودة مع التذكير بالبوصلة..
ولله المثل الأعلى،، وهذا ما حدث فى الآية التى تليها، بعد ذكر هذه المجتمعات بأنواعها وأنبيائها ثم جاء ذكر القوم الذين يضعون وأضاعوا، قال تعالى:
( (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ( 59 ) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60)
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره:
لما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء، عليهم السلام، ومن اتبعهم، من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، التاركين لزواجره - ذكر أنه ( خلف من بعدهم خلف ) أي : قرون أخر، ( أضاعوا الصلاة ) - وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع; لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد - وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيا، أي : خسارا يوم القيامة.
فماذا لو جعلنا من هذه المنهجية ، منهجية لعودة أى مجتمع بما تحويه من لوازم؟
فإضاعة الصلاة? قال فيها أهل التفسير قولين تركوها وأخّروها،،
فهى تحمل منطق?تضييع الاهتمامات وفساد الأولويات..
فالعودة بالإنسان فى المجتمع من خلال بناء اهتمامات مسجدية تُعلِق قلبه بالخالق جل وعلا من خلال مسجده وصناعة أولويات إيمانه فى أولوية الفرائض فى حياة العبد المسلم، وهذه كفيلة للانطلاق لإصلاح ما بعدها..
وهذه هى المركبة الأولى للعودة ترتيب الأولويات وصناعة الاهتمامات.
أما الثانية: (واتبعوا الشهوات)..)
وهذا يعني:
1-غياب المنهجية القائدة عمليا في حياته لأنها لو وجدت لما اتبع شهواته.
2- اتباع الشهوة والهوى وهذا هو الواقع الفعلي لحياته.
3- اختلال المفاهيم والقناعات.
وتواجَه بإعادة مفهوم اتباع النبى "صلى الله عليه وسلم" كقيادة لحياة المرء،، ومفهوم التزكية الإيمانية لمواجهة الشهوة وتجديد هذه المفاهيم فى العقل والقلب..
ثم البوصلة الإيمانية وهى الخوف من عقاب الله فى الآخرة (فسوف يلقون غيا)..)
إذا ببساطة:
مركبان وبوصلة تُمهِّد الطريق لعودة أى مجتمع على سبيل المجموع وعلى سبيل الفرد، وكأنها كليات جامعة للعودة والبناء وأمهات الإصلاح ومواجهة الإفساد..
فيبدأ المجتمع فى العودة بتوجيه المجهود إلى الإنسان وذلك من خلال..
1- تغيير اهتماماته.
2- ترتيب أولوياته
3- تغيير مفاهيمه وقناعاته.
4- تذكيره بالبوصلة الدائمة المستمرة.
5- الدعوة الفردية لذلك من خلال الأفراد والجماعية من خلال المؤسسات والهيئات.
مركبان وبوصلة لعودة المجتمع وبنائه وإصلاحه من جذوره وعمقه.
ثم القاعدة الدائمة المستمرة للعودة والمعاودة والبناء وهي التوبة والعمل الصالح وهما ننتقل معهما
إلى غيرهما لا منهما إلى غيرهما:
( إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ( 60 )
قال ابن كثير رحمه الله:
وقوله : ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا )، أي : إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم; ولهذا قال : ( فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ) وذلك; لأن التوبة تجب ما قبلها، وفي الحديث الآخر : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له. "
إذا،، السبيل لعودة أي مجتمع يتم من خلال منهجيات واضحة ومن هذه المنهجيات منهجية سورة مريم التي نبحث بها عن مخرج.
لا نضيع الصلوات فنهدم الأولويات ونغير الاهتمامات.
لا نتبع الشهوات فتضيع منهجية اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
نضع عقاب الله نُصب أعيننا.
تنوب ونعمل عملا صالحا.
القرآن هو المخرج والهداية لأهل الإيمان ولكل إنسان..
وحضارتنا إيمان وعمران وأخلاق قرآن..