محمد القاضي - الإسلام والإلحاد - بوابة الفتح الالكترونية
محمد القاضي
2014-03-17 07:55:00

إذا نظرنا في الفضاء الواسع الذي يحيط بأرضنا وما فيه من أفلاك ونجوم مرتبة بنظام دقيق وسليم في شكل شموس ملتهبة، تسمي نجوما تدور حولها كواكب سيارة أصغر في مدارات وحركة منتظمة منظمة تعكس أضواء هذه الشموس أو النجوم، وحول الكواكب تدور أقمار أصغر في مدارات منتظمة، يختلف عددها من كوكب إلى كوكب، وهي الأخرى تعكس أضواء الشموس أو النجوم التي هي عبارة عن كُتل ضخمة من نيران وحِمم مُلتهبة، وغازات وعناصر منصهرة، وكل مجموعة من الشموس والكواكب والأقمار التي لها مجري معين ووصف معين تُسمي مجرة، وفي الكون والفضاء الواسع ملايين المجرات كلها تجري في اتجاهات منتظمة ومختلفة، وفي كل مجرة ملايين الشموس أو النجوم وحول كل نجم تدور كواكب وحول كل كوكب تدور أقمار، الكل يجري ويتحرك وفقاً لنفس القوانين الحركية الثابتة، القوانين الحركية الثابتة مثل قانون الطرد المركزي وقانون الجاذبية وقوانين نيوتن إلخ... التي لو تغيرت للحظة لاختل هذا النظام الدقيق واصطدم الجميع وتوقفت الحركة.

 وفي كل لحظة تنطفئ شموس في مجرات مختلفة وتتحطم وتموت، وأيضاً في كل لحظة تولد شموس ونجوم جديدة، وبنفس القوانين الثابتة، تجذب حولها أجساما وكتلا كونية لتكون كواكب حولها وهذه بدورها، وبنفس القوانين الثابتة، تجذب حولها أجساما وكتلا أصغر لتكون أقمارًا حول تلك الكواكب، وهكذا تتكون مجموعة شمسية أو نجمية جديدة، كل هذا يحدث حولك وأمام عينك ملايين المرات في كل لحظة ولكنك لا تراه، ولكن العلم الحديث كشف كل هذا وكشف عن هذه القوانين الثابتة واستخدمها حتى في عمل أقمار صناعية تدور حول الأرض لفوائد مختلفة...

فمِن هو الذي أوجد وصمم هذه القوانين الدقيقة؟ والأهم مَن هو الذي ثبتها وجعلها ثابتة لا تتغير؟

إن الاستفادة من هذه القوانين الحركية الثابتة التي فك أسرارها العلم الحديث، مجرد الاستفادة، احتاج لإنسان عاقل، ومجرد إرسال قمر صناعي ليدور حول الأرض بناء على هذه القوانين احتاج إلى المئات والمئات من العقول المدبرة الذكية وإلي حسابات وموازنات لا حصر لها.. هذا لمجرد الاستفادة من القانون الكوني الثابت.. أفلا يحتاج إنشاء القانون نفسه وإيجاده من عدم، وتثبيته في شكل لا يتغير ولا يتبدل في أي مكان في الكون والفضاء الواسع.. أفلا يحتاج كل هذا لعاقل حكيم مدبر أوجد هذه القوانين من عدم ونظمها وقام على استمراريتها في كل زمان ومكان؟ أليس هذا حتمياً ومنطقياً للعقل البشري الإنساني؟

وهذه الحركة المنتظمة لملايين الأجرام السماوية في شكل منتظم ورائع لا يمكن أن يكون ذلك عفوياً أو اعتباطياً لأنه قائم على قوانين ثابتة اكتشفها الإنسان حديثاً .. هل يُمكن أن تكون بغير منظم وقائم علي حفظ هذا النظام وتثبيته.. وإيجاد النظام أو القانون الطبيعي الكوني من عدم؟! إنه عمل إعجازي رائع .. ولكن الأروع والأكثر إعجازا منه هو القيام على حفظ واستمرار وجود هذا القانون ونظاميته بدقة في كل زمان ومكان! فهل يمكن .. وهل يقبل عقل مفكر أو منطق سليم أن يُخلق القانون المنتظم من فراغ عشوائي أو من لا شيء؟

وإن قُبِل هذا بافتراض الصدفة البحتة، فهل يُقبل أن تقوم أيضا الصدفة البحتة والفراغ العشوائي واللاشيء بالقيام على استمرارية القانون الكوني وثبوتيته ونظاميته، ونظامية تطبيقه في كل زمان ومكان .. وإن هي فعلت ذلك هل يصح أن يُطلق عليها بعد ذلك اسم صدفة بحتة .. أو فراغ عشوائي أو لا شيء .. فكيف توجد صدفة بحتة قانونا دائما منتظما ودقيقا .. وكيف توجد عشوائية نظاما رائعا.. وكيف يُوجد لا شيء كل هذا الشيء؟! هل هذا منطقي أو يوافق العقل والفكر السليم؟

فمن أوجد هذا القانون المنتظم إذن؟! ومن القائم عليه وعلى استمراريته ونظامه وتطبيقه إن استُخدم؟! لا بد وأن يكون خالقاً حكيماً ومدبراً وعظيماً وقوياً وقادراً وكبيراً ومهيمناً ودائماً ومحيطاً حتى يُمكنه أن يفعل ذلك؟! وهذا هو الاستنتاج العقلي البحت والسليم .. وهو أيضاً الموافق للمنطق الطبيعي المقبول لدي أي إنسان عاقل؟

ولنضرب مثالا بسيطاً للتقريب .. إذا افترضنا أن الإنسان جمع مثلا كل العناصر والمركبات والأدوات والأجهزة ... إلخ، والمطلوبة لعمل قمر صناعي ثم تركها وحدها في أرض فضاء، دون أن يُجمّعها هو، ويُطلقها ويُشرف على إطلاقها واستمرارها في عملها، هل إن تركها وحدها هكذا يمكن أن يتخيل عقل سليم ومنطق سليم أن تقوم هذه الأشياء بتجميع نفسها وتنظيم تركيبها وإطلاق نفسها بنفسها إلى الفضاء واستمرارها في أداء عملها بذاتيتها المطلقة بعد ذلك .. هل يمكن ذلك؟! .. هل يمكن أن تقوم الصدفة بذلك؟!

إن حتى الاحتمالية في ذلك تتلاشى أمام العقل والمنطق السليم الذي يدبر الإنسان به شئون حياته إلى أقل من الصفر بكثير حتى تصل إلى درجة المستحيل .. هذا في مجال مجرد المحاولة في الاستفادة من القوانين الكونية الطبيعية الثابتة والمنتظمة، فلم نستطيع أن نستفيد بغير عقل وتدبير وإحكام وتنظيم من إنسان عاقل ومتطور وقادر وذكي ومحيط بالقوانين واستعمالها ... إلخ.

وبغير وجود هذا الخالق بهذه الصفات.. لَم كان هناك قانون ولما كان هناك استمرارية له وثبات، ولَم كان هناك إبداع للكون الكبير وتنظيم دقيق قائم علي هذه القوانين وتلك الإحداثيات.. ولم كان هناك مجرى لنجوم أو مجرات أو لمولد شموس أو اندثارات .. ولولا وجود هذا القانون والقيام عليه لَما كانت هناك أفلاك أو مجرات .. فالعقل والمنطق إذن يقول بأن الكون وتركيبه وعظمته وحركته يدل علي القانون الحركي والقيام عليه وعلى ثبوتيته ونظاميته .. وهذا القانون ودقته وثبوته ونظاميته والقيام عليه يدل علي وجود من أنشأه وأوجده، ومن يقوم علي حفظه ورعايته، وهذا هو حكم العقل والمنطق الإنساني السليم .. بل هذه حتمية لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها أو مجادلتها، اللهم إلا من غير عاقل أو غير منطقي أو غير إنسان.