زين العابدين كامل - أبناء الدعوة وأصحاب الشجرة - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن كيان "الدعوة السلفية" هو كيان عظيم مبارك، وهي دعوة مباركة كما قال عنها كثيرون، بارك الله في علمائها وأبنائها، وانتشر بذرها وثمرها في ربوع مصر، بل وخارجها أيضًا! فهي دعوة مباركة طيبة، أصلها ثابت وفرعها مثمر بفضل الله تعالى.

هذه الدعوة تعب في بنائها رجال نحسبهم من الصادقين، وفي وسط هذه الأحداث والمتغيرات حدث التمحيص وكانت التصفية، فكان هناك من وقف بكل قوة وثبات دفاعا عن دعوته حتى ولو خالف وجهة نظرة وهواه.

وذلك يعود لعدة أسباب:

 أولا- الثقة في مشايخ الدعوة الكرام الذين أوذوا في سبيل الله عشرات السنين، ولم يتنازلوا أو يفرطوا أو يداهنوا.

ثانيا- حفاظا على كيان الدعوة التي تعب في بنائه الصغير والكبير لعشرات السنين.

ثالثا- ليس العلاج في الانسحاب والهدم، لكن في النصح والتقويم.

يقول الشيخ الفاضل محمد إسماعيل المقدم حفظه الله: "من يتسبب في الفرقة ويتسبب في تمزيق الكيان الموحد والمتناسق، ويشمت بنا الأعداء، ويعين من يريد إطفاء نور الإسلام؛ لأهواء شخصية أو انتصارا لنفسه ولو على حساب الدعوة؛ نذكره بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهُ قطعه الله) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)" اهـ.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كدر الجماعة خير من صفو الفرد".

وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
لولا الجماعة ما كانت لنا سبل              وكـان أضـعـفـنـا نهـبـا لأقـوانا
 
فيجب أن نقدم مصلحة الدعوة على المصلحة الشخصية، ونتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وأن تكون لنا نظرة واعية بشمولية عالية لمثل هذه الأمور، ولا بد أن نشعر بخطورة هدم البنيان وتفتيت الكيان؛ فلا بد من الإخلاص للدعوة وللمنهج، والواقع يُرينا أن المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، وأن جهود الأفراد مهما توافر لها من إخلاص لا تستطيع أن تؤثر التأثير المطلوب لتحقيق الهدف المنشود؛ لأنها ضعيفة الطاقة، محدودة المدى.
فقضية التعاون على البر والتقوى مثلا تحتاج إلى عمل جماعي، والقرآن يُطالبنا بذلك: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104).
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب رضي الله عنه: (أَلا أَدُلُّكَ عَلَى تِجَارَةٍ؟) قَالَ: بَلَى، قَالَ: (تَسْعَى فِي صُلْحٍ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَارِبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا) (رواه البزار، وقال الألباني: حسن لغيره)؛ ولما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى رضي الله عنهما إلى اليمن، قال: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا) (متفق عليه).
وإذا نظرنا إلى القوى المُناوئة للإسلام على اختلاف أسمائها وأهدافها ووسائلها؛ وجدناها تعمل في صورة جماعات وتكتلات وأحزاب وجبهات، ولا يعقل أن يقابل الجهد الجماعي المنظم بجهود فردية مبعثرة، وإنما يقابل التكتل بتكتل مثله أو أقوى منه، ويقابل التنظيم بالتنظيم، ولا بد للعمل الإسلامي المثمر مِن التنظيم؛ فلا يكفي أن يكون جماعيا حتى يكون منظما، بل لا يكون جماعيا حقيقة إلا بتنظيم، والتنظيم يعني وجود قيادة مسئولة، وجُندية مطيعة.
وهناك نوع آخر أسرع وبادر بالانسحاب والمخالفة، ولم يفكر في كيان الدعوة؛ فهذا النوع لا يجيد أن يعمل عملا جماعيا أو أن يكون لبنة في بناء يتمم بعضه بعضا، هذا النوع رأى بناء شامخا فانتسب إليه؛ لأنه لو تعب في تشييد البناء لما أسرع إلى الخلف وتركه, بل كان عليه أن يحاول ترميم البناء خوفا من هدمه.
إن أصحاب النوع الأول عليهم مسئولية كبيرة، فهؤلاء كأصحاب الشجرة "شجرة الرضوان"؛ هؤلاء هم الرجال الذين صدقوا، هم الذين ثبتوا، هم الذين فهموا حقيقة الصراع القائم الآن.
فنحن نناديهم: يا أبناء الدعوة، إياكم وهدم البنيان.
حافظوا على دعوتكم؛ فأنتم رجال المرحلة، أنتم لستم كغيركم.
نخصكم بالنداء كما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الشجرة.
لقد حدثت كارثة يوم أن دخل المسلمون "حُنيْن" بعد أن فتحوا "مكة المكرمة"، فما هي إلا دقائق من دخول الجيش الإسلامي في وادي "حنين" حتى انهالت عليه الأسهم والرماح من كل مكان، وثارت خيول "هوازن" في وجوه المسلمين، وخرجت فرق "هوازن" من كل مكان، وأحيط بالمسلمين من كل مكان.
وسبحان الله!
الفرار العشوائي في أي اتجاه كان هو القرار عند أكثر الصحابة، لا مقاومة، لا محاولة، لا تفكير، لا شيء إلا الفرار، صدمة كبيرة وموقف عصيب مهيب! فلم يثبت من المسلمين إلا عشرة أو اثني عشرة رجلا فقط من أصل اثني عشرة ألف مقاتل! وهذا يعنى ثبات واحد من كل ألف!
سبحان الله! تأملوا القرآن وهو يصف حالة الجيش الإسلامي في أول لحظات يوم "حنين"؛ إذ يقول الله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة:25).
وقد ولى المسلمون كلهم يوم "حنين" مدبرين إلا القليل، وفي هذا الموقف الصعب تباينت مواقف الطلقاء الذين أسلموا منذ أيام فقط في فتح "مكة"، فمنهم من صرح بكفره بعد أن كان متظاهرا بالإسلام، ومنهم من لم يكتف بالكفر، بل حاول قتل الرسول صلى الله عليه وسلم مثل: "شيبة بن عثمان"، وبفضل الله أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.
ومنهم من أظهر الشماتة دون أن يظهر الكفر.
ومنهم من تردد في الأمر فلم يعرف أين الحقيقة؟
ومنهم من ثبت على الإسلام ولم يمض على إسلامه أسبوعان أو ثلاثة ولم يتردد لحظة، مثل: "عكرمة بن أبي جهل" رضي الله عنه.
تباينت مواقف الناس، والغالب الأعم منهم قد فر من أرض المعركة إلا قليلا ثبت فيها، ففي غزوة "أحد" كان حب الدنيا، وفي "حنين" العجب بالنفس، ولكن الفارق بين "أحد" و"حنين" أن أحداث الموقعتين وقعت بصورة معكوسة؛ ففي "أحد" بدأت المعركة بنصر المسلمين ثم حدثت المصيبة، وفي "حُنَيْن" بدأت المعركة بمصيبة للمسلمين، ثم حدث النصر لهم، ولكن كيف تم النصر للمسلمين مع وجود هذه الأزمة الطاحنة؟ وكيف خرج المسلمون من هذه الكارثة؟!
كان أهم شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضرب لنا القدوة من نفسه كقائد، إذ إنه لو فر القائد فلا أمل في ثبات الجنود، بل إنه لم يكتف بالثبات وعدم الفرار، بل كان يركض بدابته ناحية الكفار، حتى إن العباس رضي الله عنه وكان من الثابتين معه كان يمسك بلجام الدابة ليمنعها من التقدم؛ خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام متقدم إلى الأمام ينادي بأعلى صوته: (أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) (متفق عليه).
الأمر الثاني- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكر في الصحابة والجيش ولم ينادِ في هذه المعركة على اثني عشرة ألف مقاتل؛ لأنه يعرف أن فيهم أناسا حديثو الإسلام يصعب عليهم أن يثبتوا في هذه المواقف، بل إنه لم يناد على العشرة آلاف مقاتل الذين فتح بهم مكة، مع أننا نعرف جميعا أن الذي دخل في الإسلام قبل الفتح له درجة عالية في الميزان عند الله تعالى، قال الله عز وجل: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد:10).
ومع ذلك لم ينادِ عليهم جميعا، لكنه وجه النداء في أولئك الذين يثق في دينهم، ويطمئن لعقيدتهم، فهو يعلم تماما أنهم وإن فروا في أول يوم "حنين" إلا أنهم سيعودون سريعا إلى حالتهم الأولى من البذل والعطاء والجهاد.
ولكن من هؤلاء؟!
إنهم "أصحاب الشجرة"، أصحاب "بيعة الرضوان" الذين شهدوا "صلح الحديبية"، والذين فتحوا "خيبر" بعد ذلك، وهم الذين قال الله في حقهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح:18).
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُبَشِّرٍ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ: (لا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا) قَالَتْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ فَانْتَهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا) (مريم:71)، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) (مريم:72) (رواه مسلم).

إن هؤلاء هم الذين بايعوا قبل ذلك على عدم الفرار، وعلى الموت في سبيل الله تعالى، ولا شك أنهم لو تذكروا هذه البيعة "بيعة الرضوان"؛ لعادوا فورا إلى القتال، وهؤلاء وإن كانوا ألفا وأربعمائة فقط من اثني عشرة ألفا إلا أن الواحد منهم بمائة، وإن شئت فقل: بألف أو بأكثر من ألف، وهؤلاء إذا ثبتوا فكل الناس بعد ذلك ستثبت بثباتهم؛ فلذلك وجه الرسول صلى الله عليه وسلم نداءه إلى هؤلاء: (أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ)، ثم أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي على هؤلاء المبايعين فرفع العباس صوته، ونادى بكل ما فيه من قوة: "يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، الله الله الكرة على نبيكم يا أصحاب السَّمُرة".

ووالله يا له من شرف، ويا لها من منقبة! هؤلاء هم خواص الخواص.

يقول العباس رضي الله عنه: "فَوَاللهِ، لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا" (رواه مسلم)، أي عادوا بسرعة كالبقر الذي يدافع عن أولاده الصغار!

سبحان الله! جاءوا مِن كل مكان في أرض الموقعة، وعلى الرغم من الأزمة التي يعيشها المسلمون إلا أنهم أتوا من كل مكان، حتى إنهم لا يرون الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة تزاحم الناس، والرجل كان يجد صعوبة في العودة؛ لأنه يقود البعير أو الدابة في عكس الاتجاه، ومع ذلك كان يعود وينزل على قدميه ويترجل لكي يلحق بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هم الرجال الذين على أكتافهم تُبنى الأمة، وما هي إلا لحظات حتى كان مع الرسول مائة من الرجال، وعندما تجمعوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ) (رواه أحمد ومسلم). أي: حميت الحرب، واشتدت الحرب.

وهكذا تغيرت الأحداث في دقائق، وانقلب النصر إلى هزيمة، وتحولت الهزيمة إلى نصر: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (التوبة:26)، وكان الفارق هو تغير قلبي لا يراه أحد من البشر، لكن الله يراه؛ انحراف في الفهم ولو للحظات أدى إلى الفرار، وعودة إلى الفهم الصحيح في لحظات كذلك أدى إلى نصر؛ وذلك لكي تبقى الحقيقة واضحة في الذهن، وراسخة في أعماق المسلمين (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:10).

فيا أبناء الدعوة كونوا كأصحاب الشجرة.
والله المستعان.