سعيد محمود - صفات عباد الرحمن (4) قيام الليل - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-09-18 23:54:51

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

المقدمة:

- الإشارة إلى شاهد الصفة من الآيات: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) (الفرقان:64).

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يصاحبون عباد الرحمن نهارهم بما تسمعون، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل" اهـ.

- أول ما فُرض مِن العبادات في مكة، وأول ما نبه عليه في المدينة؛ لما له مِن عظيم الأثر في الإعداد والتربية: عن سعد بن هشام بن عامر، قال: قلت لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "حَدِّثِينِي عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ أَوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَتْ، فَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ، وَحُبِسَ خَاتِمَتُهَا فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ نَزَلَ آخِرُهَا، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني).  

وعن عبد الله بن سلام قال: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

(1) من فضائل قيام الليل:

- أهل القيام شرفوا بذكرهم في مقدمة عباد الرحمن: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) (الفرقان:63-64).

- أهل القيام هم أهل شفاعة القرآن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني).

- أهل القيام هم أكثر الناس استحقاقًا لإجابة الدعوات وتفريج الكربات: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ينزل رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:17-18)، وقال يعقوب مسوفًا لأولاده: (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يوسف:98)، يريد وقت السحر.

- أهل القيام هم أصحاب الشرف والجمال والقبول بين الناس: عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: جاء جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (أتانِي جِبْرِيلُ فقالَ يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فإنَّكَ مَيِّتٌ وأحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فإنَّكَ مُفارِقُهُ واعْمَلْ مَا شِئْتَ فإنَّكَ مَجزِيٌّ بِهِ واعْلَمْ أنَّ شَرَفَ المُؤمِنِ قِيامُهُ باللَّيْلِ وعِزُّهُ اسْتَغناؤهُ عنِ النَّاسِ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني)، وسئل الحسن البصري -رحمه الله-: "مَا بَالُ الْمُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ أَحْسَنَ النَّاسِ وُجُوهًا؟ قَالَ: "لأَنَّهُمْ خَلَوْا بِالرَّحْمَنِ جَلَّ وَعَزَّ، فَأَلْبَسَهُمْ نُورًا مِنْ نُورِهِ".

- أهل القيام هم أكثر الناس تأهلًا لدخول الجنان: قال -تعالى-: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ . كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:15-18)، وقال -تعالى-: (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة:16-17)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

(2) من قيام النبي -صلى الله عليه وسلم-:

- كان -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في قيام الليل اجتهادًا شديدًا، مع ما له من المكانة عند ربه، وضمانه الجنة: عن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: (أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟!) (متفق عليه).

- بل كان لا يدعه حضرًا ولا سفرًا، ولا صحة ولا مرضًا: عن عبد الله بن قيس، قال: قالت لي عائشة -رضي الله عنها-: "لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ ‍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ لَا يَدَعُهُ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ، أَوْ كَسِلَ، صَلَّى قَاعِدًا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْلِ، إِلَّا الفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ " (متفق عليه).

(3) من قيام السلف -رضى الله عنه-:

- أدركوا فضل القيام بالأسحار، فكانوا يحرصون عليه باستمرار: قال معاوية بن خديج: قال لي عمر -رضي الله عنه-: "لَئِنْ نِمْتُ النَّهَارَ لأُضَيِّعَنَّ الرَّعِيَّةَ وَلَئِنْ نِمْتُ اللَّيْلَ لأُضَيِّعَنَّ نَفْسِي، فَكَيْفَ بِالنَّوْمِ مَعَ هَذَيْنِ يَا مُعَاوِيَةُ" (الزهد لأحمد بن حنبل)، وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: "صحبت ابن عباس من مكة إلى المَدِيْنَةِ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)، وعن طارق بن شهاب قال: أتيت سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قلت: "لأنظرن كيف صلاته؟ فكان ينام من الليل ثلثه" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء).

- بل يحتفلون بالنصر والفتح بقيام الليل فتفتح قلوب العباد لهم: ففي قصة إسلام هند بنت عتبة صبيحة فتح مكة، قالت: "فأتيت ابا سفيان، فقالت: انما اريد أن اتبع محمداً. فقال: قد رأيتك تكرهين هذا الحديث أمس. قالت: إني واللَّه ما رأيت أن عُبِدَ اللَّه حق عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، واللَّه إن باتوا إلا مصلين قيامًا وركوعًا وسجودًا" (حياة الصحابة).

(4) لماذا ثقل علينا قيام الليل؟

والأسباب كثيرة، وهي تتضمن أسبابًا مادية، وأسبابًا معنوية، ولكن مراعاة لعدم الإطالة وقفنا على أبرزها.

- كثرة الذنوب والمعاصي: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الحافظ ابن حجر)، وقال رجل للحسن البصري: "يا أبا سعيد؛ إنِّي أَبيتُ معافى، وأحبُّ قيامَ الليل، وأُعدُّ طهوري؛ فما لي لا أقوم؟ فقال: ذنوبُك قَيَّدَتْك".

- كثرة السهر بلا فائدة: عن أبي برزة -رضي الله عنه- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ العِشَاءِ، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا" (متفق عليه)، وكان عمر -رضي الله عنه- يضرب الناس بالدرة بعد العشاء، ويقول: "أسمر أول الليل ونوم آخره؟!" (رواه ابن أبي شيبة في مصنفه).

- كثرة الطعام قبل النوم: قال بعض الصالحين: "لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فترقدوا كثيرًا، فتندموا عند الموت كثيرًا".  

(5) أسباب معينة على قيام الليل:

وهي كذلك كثيرة، ومنها: أسباب مادية وأسباب معنوية، ولكننا مراعاة لعدم الإطالة نقف على أبرزها:

- استحضار فضل قيام الليل وجزاء ذلك عند الله: قال -تعالى-: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة:16-17).  

- النوم على نية القيام: قال الله -تعالى-: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) (التوبة:46)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

- النوم متوضأ على الجنب الأيمن: عن البراء -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا أَتَيتَ مَضْجَعَكَ فَتَوضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلى شِقِّكَ الأَيمَنِ... ) (متفق عليه).

- مجاهدة النفس المجبولة على حب الراحة وعدم الاستسلام: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69)، وقال ثابت البناني: "كابدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت به عشرين سنة" (سير أعلام النبلاء للذهبي).

- استشعار أن الله يرى ويسمع صلاتك بالليل ويباهى بك ملائكته: قال -تعالى-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الشعراء:217-220)، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إلى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إلى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إلى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي... ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

خاتمة:

- في زمان الفتن والآلام تصبر بالقيام: قال محمد بن المنكدر -رحمه الله-: "ما بقي مِن لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في الجماعة" (إحياء علوم الدين للغزالي).

فاللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.

- تنبيه: للتوسع في الفوائد والاستزادة، انظر: (كيف تتحمس لقيام الليل، لمحمد بن صالح آل عبد الله - رهبان الليل، لسيد العفاني).