د. علاء بكر - الفساد (28) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2019-09-11 19:08:21

الحركة النسوية في أوروبا والمنظمات النسوية في مصر (1-5)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما لا شك فيه أن المرأة الأوروبية عانت عبر تاريخ أوروبا الطويل من ظلم فادح، ونظرة دونية لا تطاق، حُرمت فيها أبسط حقوق الحياة في أن يُعتد بها كإنسان كُتب عليه اقتسام الحياة مع الرجل، وزاد الأمر سوءًا أن جاءت الكنيسة عبر قرون أوروبا الوسطى لتضفي على هذه النظرة الظالمة صبغة دينية محرَّفة جعلت المرأة من أحط المخلوقات.

وكما ثارت أوروبا على الاستبداد الديني والسياسي والإقطاعي الذي ساد أوروبا خلال القرون الوسطى لتنتقل إلى عصور النهضة والتقدم بعلمانية مادية تعادي الأديان أو -على الأقل- تجردها من هيمنتها على المجتمع، وتحاصرها داخل جدران الكنيسة؛ ظهرت كذلك في أوروبا حركات نسوية ترفض ما اعتاده المجتمع الأوروبي من نظرة دونية للمرأة، بل وتبالغ في الرفض بالمطالبة بنقيضه، بتبني الدعوة إلى مجتمع جديد تتبوأ فيه المرأة الصدارة، أو -على الأقل- تتساوى مع الرجل في كل شيء بلا استثناء عن طريق تبني هذه الحركات النسوية لأفكارٍ فاسدةٍ متشددة، لينقلب الحال بالتحول مما كانت عليه أوروبا من التفريق بين ما كان ينبغي تساوي الرجل والمرأة فيه مِن الأمور، إلى تعميم مساواة بين الرجل والمرأة ولو فيما ينبغي أن يفرق بينهما فيه شرعًا وعقلًا، لتدخل أوروبا بذلك في عهدٍ جديدٍ مِن التخبط والشطط، بل تحاول في ظل صدارة الغرب للعالم فرض فكرها هذا جبرًا على كل دول العالم، مستخدمة كل ما لديها مِن إمكانيات وقدرات ووسائل ضغط وتوجيه.

ولنبدأ الرحلة من أولها، ولكن في إيجازٍ:

المرأة الأوروبية تحت الحكم اليوناني:

عانت المرأة الأوروبية في فترة ما قبل ميلاد المسيح عليه السلام مِن إجحافٍ شديدٍ، يتبين ذلك من خلال نظرة الفلاسفة اليونانيين القدماء للمرأة ومكانتها في الحياة، ومِن تصوير الأدب اليوناني القديم لها، وقد كان هؤلاء الفلاسفة -خاصة أفلاطون وأرسطو- القادة للفكر الأوروبي لقرونٍ عديدةٍ.

تتحدث الكاتبة (سوزان موللر) عن نظرة أفلاطون للمرأة في عصره فتقول: "إن تصوير النساء المنتشر في محاورات أفلاطون هو استنكار إلى أقصى حد، وهذا التصوير لجنس الأنثى يعكس إلى حدٍّ كبيرٍ وببساطة شديدة: إما الانحطاط المعاصر لوضع النساء، أو أن أفلاطون ورفاقه -لاسيما نظريتهم عن الحب- كانت تسيطر عليهم الجنسية المثلية، غير أن هناك كذلك فقرات في المحاورات تشمل أحكامًا أكثر من أن تكون ضد نساء المجتمع الأثيني، بل تشير إلى اعتقاد عام عند المؤلف بأن جنس الأنثى بفطرته أدنى من جنس الذكر بالضرورة" (راجع: النساء في الفكر السياسي الغربي، تأليف سوزان موللر أوكين -ترجمة إمام عبد الفتاح إمام- ط. مكتبة الأسرة 2005 م، الفصل الأول: أفلاطون والتراث اليوناني في كراهية المرأة، ص: 33 - 34).

وتقول: "ولا شك أن أفلاطون يشارك رفاقه من الأثينيين احتقارهم للمرأة في عصره، فهو يضعها مع الأطفال والحيوانات في مقولة واحدة، ومع غير الناضجين والمرضى والضعاف، ولا تخلو محاورة الجمهورية -والجمهورية من أشهر مؤلفات أفلاطون، وكانت عادة الفلاسفة اليونانيين تقديم أفكارهم على هيئة حوار بينهم وبين خصومهم، وكانت كل محاورة تسمى باسم المحور الذي يدور حوله النقاش- من تمثيل النساء على هذا النحو، فقبل تقديم الفكرة الثورية الخاصة بإدخال النساء ضمن طبقة الحراس، هناك تأكيد على منع الحراس الشبان من تقليد النساء، فالمرأة كثيرة اللجاجة والتباهي، غير متعاونة، معتنية بنفسها، مجدفة، سهلة الانقياد، هشة أمام المرض والحب والعمل، فضلًا عن أنه يسهل خداع النساء بالبهرجة التي لا قيمة لها وبالخرافات، كما أنهن عرضة للإفراط في الحزن، تعوزهن معرفة ما يصلح لهن، أو ما هو خير بالنسبة لهن، وهن أدنى في العقل وبصفة عامة من الرجال، ولا يصلحن كنماذج للشباب أكثر من المجانين والحرفيين والعبيد، وفضلًا عن ذلك نجد أفلاطون يسوق تبريرًا -في جزء له مغزاه- لمنع المعاشرة الجنسية المثلية، فإلى جانب أن أحد الطرفين تنعدم فيه الرجولة، فإنه يستسلم لشهواته ويقوم بدور الأنثى البغيض، وعلى الرغم من أن أفلاطون يستهجن ممارسة اللواط، فإن فلسفة أفلاطون في الحب على نحو ما عرضها في محاورتي: (فايدروس) و(المأدبة) تعكس كلها الجنسية المثلية التي كانت منتشرة بين الطبقات الراقية في أثينا" (راجع المصدر السابق، ص 34-35).

ولهذا "نجد أن قيمة النساء المرشحات ليكن زوجات من المعاصرات لأفلاطون تنبع من العفة، الصمت، القناعة، والاقتصاد، لكنها لا تنبع من شخصية المرأة بأي معنى إيجابي" (المصدر السابق، ص 31).

وعن أرسطو تقول سوزان موللر: "لما كان أرسطو قد نظر إلى المرأة على أنها بطبيعتها أدنى مِن الرجل، فإنه يؤكد أن جميع العلاقات بينهما لا بد أن تعترف بقدر الإمكان بتكافؤ هذه اللا مساواة، فالعدالة السياسية التي نظر إليها باعتبارها النوع الوحيد الذي يستحق اسم العدالة، لا يمكن أن توجد إلا بين نظراء أو أنداد، بين أولئك الذين يشاركون على قدم المساواة في أن يحكموا وأن يحكموا المواطنين رفقاء، وفي مثل هذه الحالة سوف يكون من الظلم أن نعامل هؤلاء الأنداد بأية طريقة أخرى غير طريقة المساواة، لكن عندما لا يوجد مثل هذا التكافؤ بين الأشخاص فإن الدولة ستكون أمرًا مختلفًا أتم الاختلاف، ولا يمكن أن تسمى عدالة على الإطلاق إلا على نحو مجازي، لكن يبدو أن أرسطو لم يكن متأكدا من العدالة المجازية هذه، وأنها يمكن أن تنطبق على نحو مناسب على النساء، فهو في البداية يقول: "يمكن للعدالة أن تتجلى على نحو أوضح وأكثر صحة بالنسبة للزوجة أكثر منها بالنسبة للأطفال أو القطيع؛ لأن الأولى عدالة منزلية، وحتى هذه فإنها تختلف عن العدالة السياسية"، لكنه -فيما يبدو- يتراجع عن هذا التسليم عندما يقارن العدالة بين الزوج والزوجة بالعدالة بين السيد والعبد (الذي هو بالقطع مجرد حيوان) وبالعدالة بين الجوانب العاقلة والجوانب غير العاقلة من النفس، طالما أنه يقصد أحيانًا أن العبد ليس موجودًا بشريًّا على الإطلاق، ويجعل العلاقة بينه وبين سيده موازية للعلاقة بين المستبد ورعاياه، فإنه يترك لدينا انطباعًا بأن أرسطو -فيما يتعلق بالعدالة- يهبط بالمرأة إلى منزلة أدنى من الوجود البشري" (المصدر السابق، ص 107-108).

وجاء الأدب اليوناني القديم يحمل نفس التصور عن المرأة، تقول سوزان موللر: "فهناك نغمة كراهية للمرأة قوية وواضحة منذ بداية الأدب اليوناني عند الشاعر(هزيود) في كتابيه: (الأعمال والأيام) و(أنساب الآلهة). فقد عاش الرجال على الأرض -طبقًا لرواية هزيود- فترة طويلة أحرارًا بغير مرض ولا تعب ولا جهد، ثم ظهرت (باندورا) -هي حواء في الأساطير اليونانية- للمرة الأولى التي جلبت معها الشرور والشقاء للعالم، و(منها ظهر جنس خبيث وقبائل من النساء، ومصدر عظيم للأذى، وعاشت جنبا إلى جنب الرجال الفانين)، وهكذا كان أول انحطاط للجنس البشري مرتبطا بظهور المرأة أو العقاب الأزلي للرجل، رغم أنها كانت -لسوء الطالع- ضرورية للإنجاب، ومفيدة لأعمال المنزل، حتى إن هزيود ينصح الفلاح أن يحصل أولًا على المنزل، ثم على المرأة، ثم على الثور الذي يحرث الأرض، لكنه يحذر قراءه من الثقة في المرأة بأي وجه من الوجوه، وفي استطاعتنا أن نستخرج من أعمال (هوميروس) صورة مماثلة، وإن كانت أقل عنفًا في عدائها للمرأة" (المصدر السابق، ص 25-26).

وتضيف: "صحيح أن التراث اليوناني يصوِّر وجود إلهات مِن الإناث لهن قوة ومركز وكرامة، إلا أنه ينبغي علينا أن نتذكر أن كلمة إلهة لا تدل بالضرورة على جميع الخصائص التي تلحق عادة بالأنثى البشرية، فأعظم الإلهات -لاسيما الإلهة أثينا- كانت تمتدح لما لها من صفات الرجولة" (المصدر السابق، ص 26).

ففي الحياة اليونانية القديمة كان "لا ينظر إلى الزوجات أو الفتيات على أنهن يصلحن للمشاركة في المناقشات الجادة، علمًا بأن إنكار خبرتهن العقلية يستمر حتى في سن النضج، فهن يعاملن معاملة القاصر، إذ يحرم عليهن ما يحرم على الفتيات تحت سن الثامنة عشرة، ولا يسمح للمرأة في ظل القانون الأتيكي -أي القانون الأثيني- أن ترفع دعوى أمام القضاء إلا عن طريق الكفيل القانوني، كما يمنع النساء من الاقتراب من الأماكن التي يناقش فيها الرجال والفتيان مسائل عقلية أو شئونًا مدنية: الملاعب والأسواق ودور القضاء والموائد"، "ولم تكن أنشطة النساء في أثينا وحركتهن محدودة بقسوة فحسب، كما هي الحال في عصر هوميروس، وإنما امتد هذا الكبت، وبنفس القوة، إلى شخصياتهن أيضًا" (المصدر السابق، ص 30).

لقد كانت المرأة في تلك الفترة رمزًا للخضوع والتبعية الكاملة للرجل، الذي هو رمز السمو والتفوق والعقل، في مقابل المرأة التي ترتبط بالضعة والانحطاط وضعف العقل.

المرأة الأوروبية في ظل النصرانية:

دخلت النصرانية أوروبا بعد ما أصابها من تحريف، وجاءت النظرة في تلك الفترة أشبه بامتداد للنظرة اليونانية القديمة التي تتحامل على المرأة وتحملها شرور العالم، وتفرض عليها الخضوع التام للرجل، ففي قصة خلق حواء كما جاءت في سفر التكوين في العهد القديم، وهي قصة محرفة إذ تخالف ما جاء في القرآن الكريم، فإن حواء أكلت مِن الشجرة المحرمة، بعد أن توجهت الحية إليها بالكلام وأظهرت لها الثمرة المحرمة فاشتهتها وأكلت منها، ثم أكل منها آدم، فأغوت الحية حواء، وأغوت حواء آدم، فغضب الله على حواء وعاقبها، (ففي سفر التكوين الإصحاح (3) الفقرات 12- 16): "فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت، فقال الرب للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت: الحية غرتني فأكلت. فقال الرب للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم، ومن جميع وحوش البرية، على بطنك تسعين وترابًا تأكلين كل أيام حياتك، وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه. وقال للمرأة: تكثر أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادا، وإلى رجلك اشتياقك، وهو يسود عليك".

وفي ضوء هذه القصة تكون حواء قد أعطت البشرية نسلًا يحمل الخطيئة نتيجة إطاعتها للحية، وقد حكم عليها أن تقع تحت سيطرة الرجل طوال حياتها، وقد انعكست هذه الصورة المتدنية للمرأة على النظرية النصرانية المحرفة لها في أوروبا، فجاء تراث أوروبا في القرون الوسطى يحمل كراهية شديدة للمرأة، لكونها عند الرب مصدر الشرور؛ ولأنها السبب في انحراف سلوك الرجل منذ بدء الخلق، فكان التعامل مع المرأة على أنها شيطانة، حتى وصل الأمر في القرن الخامس الميلادي إلى تساؤل آباء الكنيسة في مؤتمر عقد خصيصًا للإجابة عن سؤال: هل للمرأة روح تنجيها من عذاب جهنم؟ وكانت الإجابة القاطعة هي النفي؛ لأن المرأة ليست روحًا، بل هي جسد".

وفي سفر الأمثال الإصحاح (3) الفقرة 10 نطالع هذا النص: "مَن ذا الذي يستطيع أن يعثر على امرأة فاضلة، إن ثمنها يفوق ثمن اللآلئ والياقوت". وكانت نظرة القديسين حول المرأة القاعدة التي شكَّلت بعد ذلك الفكر الغربي؛ فقد حملوا المرأة خطيئة آدم، فأصبحت بابًا للشيطان، والمسئولة عن الانحلال الخلقي وتردي المجتمعات البشرية، فالمرأة عندهم ملعونة؛ لأنها مصدر الشرور، والمحرض الأساسي للجرائم.

يقول بولس رسول المسيح في معتقد النصارى: "لست أسمح للمرأة أن تعلم، ولا أن تسلط على الرجل، عليها أن تلزم السكوت، ذلك لأن آدم كون أولًا، ثم حواء، ولم يكن آدم هو الذي انخدع بمكر الشيطان، بل المرأة انخدعت، فوقعت في المعصية" (الرسالة الأولى إلى تيموثاوس (2) الفقرات: 11 - 15).

ومن خلال نظرة الكنيسة أصبحت النظرة الدونية للمرأة في الفكر الغربي في القرون الوسطى التي ألصقت بالمرأة الصفات السلبية التي تحط مِن قدرها، وتنتقص من قدراتها العقلية والفكرية سائغة دينيًّا (راجع فصل: الفكر النسوي وثنية جديدة، د. خالد قطب من كتاب: "الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية: المجتمع المصري أنموذجًا" - تحرير الهيثم زعفان. ط. كتاب البيان ط. أولى 1427 هجريا - 2006 م، ص 28 - 31).

النظرة الأوروبية للمرأة في عصر النهضة:

رغم نبذ أوروبا للدين وتبنيها للفكر المادي العلماني، فلم تتغير نظرة الفلاسفة والمفكرين للمرأة كثيرًا، فهي يجب أن تكون خاضعة للرجل تابعة له، ليس لها مكانة متميزة كالرجل في مجتمعها:

فقد قامت فلسفة (ديكارت) -الذي يعد رائد العقلانية الغربية الحديثة، ومؤسس الفكر الغربي الحديث والذي له دوره الكبير في سيادة التصورات والمفاهيم التي شكل العقلية الغربية إزاء المرأة- على ثنائية: (العقل / المادة) التي ميزت فلسفته، لكنه ربطها بالجنس، حيث ربط العقل بالذكورة، والمادة بالأنوثة، فقد وضعت الفلسفة الديكارتية تمييزًا صارمًا بين ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني، مِن خلال التمييز بين العقل والجسد، هذا التمييز أدَّى إلى الاختلاف بين الرجل الذي يمثِّل في فلسفته العقل والتفكير العقلاني، والمرأة التي تمثل الجسد والتفكير اللاعقلاني (راجع الحركة النسوية، ص 32).

بينما ذهب الفيلسوف الألماني الشهير (كانط) -رائد حركة التنوير الأوروبية- إلى أن المرأة بطبيعتها تابعة للرجل لافتقارها إلى القدرات العقلية التي تؤهلها لتقديم المفاهيم والتصورات الفلسفية والعلمية، فضلًا عن افتقارها للوصول إلى أحكام موضوعية، واستخدام العقل النقدي استخدامًا صحيحًا، مما يجعلها تعتمد في تفكيرها على العاطفة والانفعال، وهذا يعطي الحق للرجل في قهرها واستعبادها، لقد ساهم كانط في توطيد النظرة الذكورية للعقل، إن العقل عند كانط هو الأداة الوحيدة التي يتحقق من خلالها تقدم الإنسانية، ولكن هذا العقل الكانطي يتميز بأنه عقل يحمل كل صفات الذكورة، أي أن المرأة عنده لا تصلح لإنتاج فكر عقلاني تنويري موضوعي مثلها مثل الرجل (المصدر السابق، ص 33).

أما (جان جاك روسو) واضع أسس ومبادئ الثورة الفرنسية، والتي رفعت شعارات (الحرية والمساواة والإخاء)، فكان ينظر إلى المرأة على أن لها طبيعة خاصة تختلف عن طبيعة الرجل، وهذه الطبيعة تتحدد في غرضين هما: "الغرض الجنسي، وغرض الإنجاب"، في حين أن طبيعة الرجل تتحدد في القدرة العقلية اللامحدودة. ومِن ثَمَّ كانت المرأة عنده ناقصة، وعاجزة عن التعلم والتفكير، ومِن ثَمَّ لا بد مِن خضوعها للرجل العقلاني مصدر الخير في هذا العالم، ولأن المرأة خلقت خصيصًا لإسعاد الرجل كان لا بد مِن إخضاعها لنظام تربوي صارم يجعلها تحقق هذه الغاية من وجودها، هذا النظام يقوم على الخضوع للرجل (المصدر السابق، ص 33 - 34).

وهنا لا بد لنا مِن وقفة ننبِّه فيها على أمرين:

أولًا: إن الفلاسفة والمفكرين الكبار يتأثرون كثيرًا بما هو شائع وسائد في المجتمعات التي يعيشون فيها، بما فيها من أخطاء وتجاوزات، وهم أيضا يؤثرون في مجتمعاتهم كثيرًا بأفكارهم الجديدة، فالتأثير يكون متبادلًا، ولكن على درجات متفاوتة.

ثانيًا: إن المرأة في مصر الفرعونية كانت تتبوأ منزلة وتتمتع بمكانة في المجتمع أكبر بكثير مما كانت عليه المرأة تحت الحكم اليوناني القديم، كما أن المرأة في مصر الإسلامية تبوأت منزلة وتمتعت بمكانة في المجتمع أعلى بكثير مما كانت عليه المرأة في أوروبا في القرون الوسطى.

ظهور الحركة النسوية في أوروبا:

تغيرت بعض أوضاع المرأة في أوروبا بعد الثورة الصناعية في أوروبا، واختراع الآلة واكتشاف الكهرباء، والتعرف على مصادر جديدة للطاقة، وهي الأوضاع التي جعلت أوروبا في حاجة إلى الأيدي العاملة بما فيها النساء؛ مما أدَّى إلى رفع الكثير من القيود عن المرأة هناك، فكان خروج المرأة للعمل والتعلم، والمشاركة في الحياة الاجتماعية بصورة متزايدة، وسرعان ما حصلت المرأة في أوروبا على مزايا سياسية واجتماعية كانت محرومة منها، اعتبرتها مكاسب، ولكن بقيت أمور كثيرة بعيدة المنال عنها.

جاءت البدايات الأولى لمعالم الفكر النسوي في القرن التاسع عشر، في هيئة دعوات إلى التخلص مِن النظم القائمة في المجتمعات الغربية التي تقلل من شأن المرأة وتضطهدها، والمطالبة بتحرير من المرأة من أسرها.

وقد قوبلت تلك الدعوات بالرفض حيث عدها الحكام والملوك خروجًا عما عاشت عليه أوروبا من معتقدات دينية أرستها الكنيسة عن المرأة، وآراء فلاسفة ومفكرين عبر قرون طويلة كونت تلك النظرة ودعمتها.

وقد كان ذلك الأمر وراء تبني الفكر النسوي الغربي: اعتقاد أن الرسالات السماوية تمثِّل عائقًا في مواجهة أهداف الحركة النسوية؛ لأنها أساس الأفكار والمعتقدات التي شكلت نظام المجتمعات الغربية ونظريته للمرأة، لذا وجهت الحركة النسوية في أوروبا جهودها لتقويض المعتقدات التي وردت في نصوص الكتاب المقدس التي تمجد الرجل، وتقلل من شأن المرأة وتجعلها في مصاف الحيوانات.

وفي فترة الستينيات من القرن العشرين تبلور الفكر النسوي كفلسفة جديدة ورؤية، جاء في قاموس (كمبريدج للفلسفة): "النسوية هي: تلك الفلسفة الرافضة لربط الخبرة الإنسانية بخبرة الرجل دون خبرة المرأة". "ويهدف الفكر النسوي -حسب زعم المنظرات له- إلى البحث عن الطرائق الصريحة والخفية التي أدت إلى هذا التحيز الصريح للرجل داخل الحضارة الغربية وهيمنة مثل ومفاهيم ونظريات ثابتة من وضع الرجل الغربي ذاته، لهذا حاول الفكر النسوي استعادة الدور المتجاهل للمرأة داخل تاريخ الحضارة الغربية، وانتقاد الذم الصريح للمرأة في أعمال العديد من الفلاسفة والمفكرين الذين تشككوا في قدرة عقل المرأة على التفكير، واختلافها اختلاف جذريًّا -في قدرتها على التعقل والمعرفة- عن الرجل" (الحركة النسوية، ص 26).

وهذا الفكر النسوي رغم أنه كان ما زال في مراحل تكوينه الأولى إلا أنه شهد انتشارًا سريعًا داخل الأوساط الثقافية والأكاديمية في أوروبا وتعددت تياراته وفروعه، بل وأصبح يراد له أن يكون فكرًا عالميًّا لا يخص المرأة الأوروبية فقط، بل كل نساء العالم.

ويمكن تمييز الفكر النسوي من داخله إلى تيارين رئيسيين:

التيار النسوي الليبرالي: الذي يشدد على ضرورة المساواة في فرص العمل وحقوق الأفراد؛ سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، فهو تيار يركز على الجانب العملي.

التيار النسوي الراديكالي: الذي يدعي أن البنيات الاجتماعية -كالعلم واللغة والتاريخ- هي بنيات متحيزة للذكر، ويجب إعادة النظر في هذه البنيات وفقًا لوجهة نظر المرأة، فهو تيار يركز على الجانب الفكري.

للاستزادة راجع:

- (النساء في الفكر السياسي الغربي) سوزان موللر أوكين، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام.

- (عودة الحجاب) (القسم الثاني: المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية)، د. محمد إسماعيل المقدم.

(ماذا فقد العالم بانحطاط المسلمين؟)، أبو الحسن الندوي.