د. ياسر برهامي - تأملات في مسألة القدس - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2019-06-27 17:25:52

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء:4-8).

دلت الآيات الكريمة على أن بيت المقدس -وما فيه مِن المسجد الأقصى الذي بناه إبراهيم أو إسحاق أو يعقوب -عليهم السلام-، كما دل عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر -رضي الله عنه- لما سأله: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: (المَسْجِدُ الحَرَامُ) قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ (المَسْجِدُ الأَقْصَى) قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ عَامًا) (متفق عليه)- قد وقع عليه مِن تبديل الأحوال وتسلط الكفار عليه عدة مرات، بخلاف المسجد الحرام الذي أعتقه الله مِن الجبابرة -كما هي أحد معاني البيت العتيق- فكان حتى مَن تسلط عليه مِن المشركين، كما كان قبل البعثة النبوية إلى يوم الفتح فتح مكة، كانوا مِن المعظمين للبيت لا مِن الراغبين في هدمه بخلاف القدس؛ فإن مَن ظهر عليها مِن الكفار كما وقع ذلك في عهد بختنصر، وكما وقع في عهد الرومان قد هدموا البلد كلها، وتبروا ودمروا ما علوا تتبيرًا، وهُدم المسجد مرات، فقد تعاور على القدس أمم عديدة.

ودلت الآيات أيضًا: على أن سبب زوال التمكين للمسلمين عليها هو الكِبْر والفساد في الأرض، الذي أعظمه الشرك بالله، وتكذيب الأنبياء وقتلهم، كما قال -تعالى- عن بني إسرائيل: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ) (آل عمران:112).

فالمعاصي والاعتداء على حدود الله وعلى الناس سببٌ لحصول الكفر بآيات الله، وتكذيب الأنبياء وقتلهم، وهذا سبب لتسليط مَن هو أكفر منهم وأشد فسادًا؛ عقوبة مِن الله -عز وجل- لهم عسى أن يراجعوا أنفسهم كأمة فيتوبوا إلى الله فيرحموا، كما قال -تعالى- في ختام هذه الآيات بعد أن ذكر الهدم الثاني للمدينة، قال -سبحانه وتعالى-: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ)، وذلك بأن يتوبوا إلى الله -عز وجل-.

ودلت الآيات: على أن تبدل أحوال الأمم بين القوة والضعف والتمكين، وتسلط الأعداء، هو من عند الله وبقدرته، قال -تعالى-: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ)، فالله الذي رد لمؤمني بني إسرائيل الكرة على عدوهم مع طالوت وداود -عليه السلام-؛ لما أثمرت الدعوة إلى الله التي قام بها نبيهم ثمرتها، ووُفقت طائفة منهم للإيمان وصدقت الرغبة في الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، والله هو الذي أمدهم بالأموال، قال -تعالى-: (وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) فالأوضاع الاقتصادية ليست كما يظن البعض بأيدي الأغنياء والأقوياء، فهي بيد الرزاق ذي القوة المتين، وإن كان ذلك بالأسباب، وهو الذي -سبحانه- أيضًا الذي أمدهم بالبنين، وهم الشباب المطيعون لآبائهم، العارفون لقدر سلفهم الصالح ومنزلتهم، والله هو الذي جعلهم أكثر نفيرا، قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) وهو القوة العسكرية التي تنفر وتقاتل، رغم أنهم كانوا أقل مِن عدوهم إذ كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلًا، كعدة أصحاب بدر كما ثبت في الصحيح، ولكنهم كانوا أقوى بالثقة بالله والإيمان به، واليقين بلقائه، (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ) (البقرة:249-251)، ثم هم قد صاروا أكثر نفيرًا مما كانوا عليه عند سبي بابل وبعدها مما أعجزهم عن القتال، بخلاف أيام طالوت وداود، فقد كانت الهمم العظيمة مِن أمثال داود والذين يظنون أنهم ملاقو الله مِن أعظم أسباب القوة العسكرية الناجحة التي هزموا بها الأعداء -بإذن الله-.

فقوة الأمم وضعفها يتغير ويتبدل، وبالإحسان يعطينا الله مِن أسباب القوة ما ليس بأيدينا الآن، قال -تعالى-: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا)؛ فهذا الإحسان بيننا وبين الله بالإخلاص والمراقبة له، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (متفق عليه)، وبالإحسان بيننا وبين الناس، قال -تعالى-: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة:83)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، فلا نظلمهم ولا نقهرهم ولا نسفك دماءهم، ولا نكون جبارين على الناس؛ فضلًا عن أبناء أمتنا وجلدتنا.

وتأمل أن الله -سبحانه وتعالى- لم يرد عليهم القدس بغير أسباب، بل بالمال والشباب والقوة العسكرية، فلم يدخلوا معركة يعلمون أنهم مهزومون فيها، كما تصور البعض أن التوكل على الله معناه: إلغاء حسابات القوة! وما قاتل طالوت "ومعه داود" إلا بعد إعداد العدة.

ولذلك نقول: لابد من أخذ الأسباب، وليس إهدار الأسباب، كما يفعله بعض الجهال مِن أهل البدع الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، ويعيشون في أحلام الوهم مِن أنهم سوف يعودون إلى القدس مع بدعتهم وظلمهم وطغيانهم!

فمِن الخطأ البيِّن أن نظن أن الأحوال في القوة والضعف لا تتغير، وأعظم من ذلك خطأ وخطرًا أن نظن أنها بيد الناس! نعم هي بأسباب، لكنها بيد الله.

وأعظم مِن ذلك خطرًا وخطيئة: أن يغير البعض اعتقاداتهم الإيمانية والإسلامية، بل ويسعى إلى تغيير اعتقادات الأجيال القادمة فيما يتعلق بالحق والعدل، فيجعل الباطل حقًّا؛ لأن الباطل قوي الآن، أو يجعل الحق باطلًا؛ لأن الحق ضعيف الآن، فسرعان ما يتغير ميزان القوة والضعف إذا أحسنا، وسرعان ما يزول الممكن إذا علا وأفسد، وإن كانت أعمار الأمم ربما تكون بالعقود من السنين أو القرون وليست بالسنوات المعدودة، وكل ذلك من الامتحان والابتلاء الذي يبتلي الله به العباد لينظر كيف يعملون في حال قوتهم وضعفهم.

وأهل الإيمان والإسلام ورثوا أحقيتهم في القدس وفلسطين بمقتضى إيمانهم لا نسبهم، وقد ظن اليهود أن استحقاقهم بالقدس بمجرد النسب؛ فضلوا، وإنما استحقوها بالإيمان، فقد كانت لهم عندما كانوا مؤمنين مطيعين، ودخلوها مع يوشع بن نون لما أطاعوا الله بعد معصيتهم، أي معصية الجيل الذين قالوا لموسى -عليه السلام-: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة:24)، وإنما كان تسلطهم في العصر الحديث من جنس تسلط بختنصر والرومان الذين هدموا القدس بالكلية، وذلك بتكذيب اليهود عيسى -صلى الله عليه وسلم-، ثم تكذيبهم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فلم يكن تسلطهم على القدس فعليًّا بمقتضى إيمانهم، بل بمقتضى إفساد المسلمين وبغيهم، وأهل الإيمان والإسلام ملكوا القدس وأعادوا بناء المسجد الأقصى كما بشَّرهم نبيهم -صلى الله عليه وسلم- أنهم يملكون القدس بعد موته، كما قال في الحديث الصحيح: (اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ) (رواه البخاري)، فملكوها في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بإيمانهم وإسلامهم، وطاعتهم وجهادهم، ثم لما عصوا وفسقوا؛ تملك عليهم أهل البدع المكفِّرة: كالباطنية، وغلاة الرافضة، والقرامطة، وغيرهم؛ نُزعت منهم القدس، وأخذها الصليبيون، فلما عادوا إلى الله، وهدموا دولة الضلال حين ألغى صلاح الدين دولةَ الباطنية "المسماة: بالفاطمية!" ونشر السنة والعلم؛ مَنَّ الله عليه بفتحها مرة أخرى، ثم عادوا إلى الفساد والعلو والبدع والشركيات كما وقع في آخر الدولة العثمانية فأخذها الاحتلال الغربي وسلَّمها لليهود، فأقاموا فيها دولتهم، ولكن أهل الإيمان والإسلام على يقين مِن عودتها، على الأقل في زمن المسيح -عليه السلام-، وندعو الله أن يكون قبل ذلك، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المسيح -عليه السلام- ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، والمسلمون في صلاة الصبح، يصلي خلف إمامهم، ثم أخبر أنه يطلب المسيح الدجال فيدركه بباب لد فيقلته ويريهم دمه في حربته، وباب لد من أعمال القدس وضواحيها.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) (رواه مسلم).

فهذه عقائد لا يملك أحدٌ تغييرها، ومَن تغيرت عنده؛ فهو يُخرِج نفسه مِن الأمة ويضر نفسه أعظم الضرر، ويعرِّض نفسه لأعظم الخطر.

وإن غدًا لناظره قريب.