سعيد محمود - الثبات (10) (موعظة الأسبوع) - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-06-12 20:35:36

عوامل الثبات (6) المحافظة على النوافل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- تعريف مختصر للنوافل: هي كل عبادة ليست واجبة على المسلم، بل هي زائدة على ما فرضه الله عليه(1).

- الإشارة إلى أن كثيرًا ممَن يتراجعون عن الثبات يبدأون بترك النوافل وتقليلها: قال يونس بن عبيد -رحمه الله-: "ما استخف رجل بالتطوع إلا استخف بالفريضة".  

(1) أحوال السلف مع نوافل العبادات:

- ما كانوا يفرِّقون بين الفرائض والنوافل في العمل: قال ابن حجر -رحمه الله-: "وقد كان صدر الصحابة ومَن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما" (فتح الباري).

- ما أن يسمعوا الفضل حتى يسارعوا في تحصيل الأجر: عن أم حبيبة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) قالت أم حبيبة: "فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ" (رواه مسلم).

- بل انظر إلى عظيم همتهم في النوافل غير المؤكدة: عن أنس -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا" (رواه مسلم)، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنهم سمعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (صَلُّوا قَبْلَ صَلاَةِ المَغْرِبِ)، وقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: (لِمَنْ شَاءَ) كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً (رواه البخاري)، فأين هذا مِن حال كثيرٍ مِن إخواننا ممَن تفوتهم تكبيرة الإحرام فضلًا عن السنن القبلية وتحية المسجد؟!

(2) فضل نوافل العبادات:

- مِن دواعي المحافظة على النوافل استحضار فضلها على الدوام، وهذا ما جعل السلف أصحاب الأعمال العظيمة يعظمون قدر النافلة كأنها فريضة.

أ- النوافل تجبر نقص الفرائض:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ: صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ-: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

ب- عظم أجرها وكبير ثوابها:

عن أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رَكْعَتَا الْفَجْر خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (رواه مسلم)، وعن أبي أيوب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (رواه مسلم)، وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) (متفق عليه)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنْ الْمُقَنْطِرِينَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

ج- تفتح لصاحبها أبواب المغفرة:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) (رواه مسلم).

د- توصل صاحبها إلى الجنة:  

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لبلال عند صلاة الفجر: (يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ) (متفق عليه)، وعن ربيعة بن كعب الأسلمي -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: (سَلْ)، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: (فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) (رواه مسلم).

هـ- طريق محبة الرحمن والتوفيق لأحسن الأعمال:

قال العلماء: لو لم يكن للنوافل فضل غير هذه الفضيلة لكانت كافية: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) (رواه البخاري).

خاتمة:

- بالجملة فإن المحافظة على النوافل مِن أعظم أسباب الثبات وعدم التراجع، لاسيما إذا تدبرت الفضيلة الأخيرة، وكيف يوفق الله جوارحك لأحسن الأعمال فلا تكن إلا على وفق ما يحب الله -سبحانه وتعالى-.

فاللهم يا مثبت القلوب ثبِّت قلوبنا على طاعتك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وهي بهذا المعنى تشمل السُّنة المؤكدة والمندوبات والتطوعات غير المؤقتة؛ لذا يعبَّر عن النافلة بلفظ: السنة أو المندوب أو المستحب أو التطوع، فهي بمعنى واحد لترادفها على المشهور مِن أقوال العلماء. وتتنوع أشكال النوافل التي يحبها الله -تعالى-، مِن الصلاة والصيام والقيام والصدقات، وسائر أعمال البر غير المفروضة.