جمال فتح الله عبدالهادي - خُلُق الإسلام - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) (رواه البخاري).

فننقل لك ما جاء في فتح الباري على صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني عند شرح الحديث المسئول عن معناه، قال: "قوله: (كَلاَمِ النُّبُوَّةِ): أي مما اتفق عليه الأنبياء، أي إنه مما ندب إليه الأنبياء ولم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم؛ لأنه أمر أطبقت عليه العقول".

(الأُولَى): في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى): دليل على أن الجملة الواردة هي من مأثور كلام الأنبياء السابقين مِن غير تحديد نبي معين.

- الحياء مِن شعب الإيمان له فضل عظيم وهو عمل قلبي يبعث العبد على فعل الجميل وترك القبيح مِن منكرٍ ودنيء، فكل ما أفضى إلى ترك السوء وفعل الحسن فهو من الحياء المحمود شرعًا، أما ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك السؤال عن مسائل العلم والسكوت عن بيان الحق، فهذا ضعف وخور وليس من الحياء وإن ادعاه الناس؛ ولذلك قالت أمنا عائشة -رضي الله عنها: "نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين"، فكل ما أدَّى إلى ترك الحقوق والتساهل فيها فهو عجز ومهانة، والضابط في تمييز الحسن والقبيح دلالة الشرع وليست أهواء الناس وأعرافهم الفاسدة.

- ومِن تمام الحياء: أن يدع المرء ما يستهجنه قومه مما سكت عنه الشرع؛ لأنه من المروءة. ومن علامة الاستحياء أن يتجنب المرء المواطن التي يستحيا منها.

- الحياء من العبد ممدوح في كل حال وفي كل أمر، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشد حياء مِن العذراء في خدرها؛ يعرف فرحه وغضبه، واستبشاره وكراهيته في وجهه الشريف، فلا يُذم الحياء من العبد ولو هضم حقه وانتقصه الناس؛ ولذلك ورد في الصحيح: مَرَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ) (متفق عليه).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: (الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) (متفق عليه)، فينبغي على المؤمن أن يلازم الحياء في سائر أحواله الخاصة والعامة وفي جميع معاملاته، ولا يلتفت لأوهام الناس وآرائهم الفاسدة؛ فإنها لا تغني عن الحق شيئًا.

- الحياء يدعو لكل خير وعاقبته حسنة في الدنيا والآخرة، وكلما ازداد العبد حياءً ازداد إيمانًا وبرًّا حتى يبلغ منزلة الكمال؛ ولذلك ورد في صحيح مسلم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حق عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: (أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ). وقال الحسن: "الحياء والتكرم خصلتان مِن خصال الخير، لم يكونا في عبدٍ إلا رفعه الله -عز وجل- بهما".

- وإذا ترك العبد الحياء كله ذهب إيمانه، وارتكب المحرمات وترك الفضائل؛ لخلو قلبه مِن مهابة الله ومهابة الناس، وإذا نقص حياؤه نقص إيمانه وبره بقدر ما نقص مِن حيائه، والناس في هذا الباب مقل ومكثر، وأولى الناس بالحياء هم أهل العلم وأهل الفضل، ويقبح بالناسك أن يكون صفيق الوجه لا حياء له.

الحياء نوعان من حيث المصدر:

الأول: حياء طبيعي يخلقه الله ويوجده في جبلة العبد بحيث ينشأ من الصغر متصفًا بالحياء فيجتنب القبيح ويفعل الحسن بلا تكلفٍ، وهو قليل في الناس، وصاحبه يحميه الله من الصبوة والمعاصي منذ نعومة أظفاره كحال نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذا مِن أجمل الأخلاق؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ).  

وقال الجراح الحكمي: "تركت الذنوب حياء أربعين سنة ثم أدركني الورع!".

ومن رزق هذا فليحمد الله وليحافظ على هذه النعمة الجليلة.

الثاني: حياء مكتسب وهو الذي يتخلق المرء به ويكتسبه بالتعلم والتربية، والمجاهدة والمصابرة والتفكر، ولم يكن الحياء من خلقه، وهذا حال كثير من الناس لم يُعرفوا بالحياء في نشأتهم ثم تعرفوا عليه وربوا أنفسهم ودربوها على الحياء ثم تخلقوا به، وهذا من خصال الإيمان.

- لما ترك كثيرٌ مِن الناس الحياء وفضائل الأخلاق صاروا لا يبالون مِن ارتكاب قبائح الأمور والمجاهرة بها في المجتمع، وانتشر في كثير من المجتمعات المسلمة إظهار الفواحش والمنكرات، وقل الناصح والمغير من قبل الولاة، وهذا سببه ضعف الإيمان والافتتان بحب الدنيا وطول الأمل، ولهذا قال عمر -رضي الله عنه-: "من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه!".

- جلباب الحياء أعظم ما تستتر به المرأة المسلمة وله أثر عظيم في صلاح أقوالها وأفعالها وتصرفاتها، وإذا تسلحت به خفضت صوتها ولزمت بيتها إلا لحاجة، واعتزلت نوادي الرجال ولم تزاحمهم حياءً مِن الله، وغلب عليها الستر والصيانة وربما تركت شيئًا مِن مصالحها خوفًا مِن خدش الحياء كحال نساء السلف المتعففات العابدات.

وإذا تركت المرأة الحياء فسد طبعها وقل سترها، وبرزت للرجال وظهرت مساوئها وتشبهت بالرجل كحال كثيرٍ مِن نساء الزمان، اللاتي يكثرن من مخالطة الرجال، ويظهرن زينتهن للأجانب، ولا يتحرجن عن كل ما يخدش الحياء، وقوة المرأة وعزها وجمالها في التحلي بالحياء، وضعف المرأة وذلها وقبحها في ترك الحياء، لا كما يظنه السفهاء وأهل الفتنة!

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَيَاءُ وَالْإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: (إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ، الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمُ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: (بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا)، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الحَيَاءِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

والحمد لله رب العالمين.