أسامة شحادة - عِبَر من قصص الأنبياء (36) - بوابة الفتح الالكترونية
أسامة شحادة
2019-06-08 08:44:25

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ذو الكفل، إلياس، اليسع، شيث، يوشع -عليهم الصلاة والسلام-:

إن ذا الكفل وإلياس واليسع -عليهم الصلاة والسلام- هم ممَن وردت أسماؤهم في القرآن الكريم بأنهم مِن الأنبياء، كما في قوله -تعالى-: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ . وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (الأنبياء:85-86)، وقوله -تعالى-: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) (الأنعام:85-86)، ونصت آية الصافات على كون إلياس مِن الرسل (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الصافات:123).

ويرى عددٌ مِن المفسرين في قوله -تعالى-: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) (الصافات:130)، أن المقصود به هو إلياس وأن (إل ياسين) هي لغة ثانية لإلياس على غرار جبريل وجبرائيل وجبرائين، وميكال وميكائيل، وإسماعيل وإسماعين.

وأما شيث ويوشع -عليهما الصلاة والسلام-: فقد ثبتت نبوّتهما في السُّنة النبوية، فبخصوص شيث -عليه السلام-، روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أُنْزِلَ عَلَى شِيثٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً" (أخرجه ابن حبان، واستأنس به كُتَّاب السير رغم ضعفه).

وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أحد أنبياء بني إسرائيل حُبست له الشمس في إحدى الغزوات، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ... فَغَزَا فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللهُمَّ، احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ) (متفق عليه)، وفي رواية صحيحة في مسند أحمد جاء التصريح باسم النبي المقصود، فعن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ عَلَى بَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

ولم يَذكر القرآن الكريم والسُّنة النبوية الكثير مِن الأخبار عن قصص هؤلاء الأنبياء؛ ولذلك يجب الحذر مِن تداول الإسرائيليات حولهم.

ومعلوم أن عدد الأنبياء والرسل كثير جدًّا؛ لقوله -تعالى-: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (النساء:164)، وقال -تعالى-: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر:24)، وقدَّمت لنا السُّنة النبوية أرقامًا محددة، فأبو ذر سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عدد المرسلين، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا)، وسأله عن عدد الأنبياء، فقال: (مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا) (رواه أحمد، وصححه الألباني)

وبخصوص لماذا قص الله -عز وجل- قصص هؤلاء الأنبياء والرسل دون بقيتهم؟ يقول ابن عاشور في تفسيره التحوير والتنوير: "لأن المذكورين هم أعظم الرسل والأنبياء قصصًا ذات عبر".

ولعل مِن العِبَر المهمة في قصص هؤلاء الأنبياء -برغم أننا لا نعرف تفاصيل حياتهم ومسيرتهم-: أن الله -عز وجل- قد خلّد ذكرهم (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) (الصافات:129-130)، فجعل التصديق بهم وحبهم وتقديرهم مِن أركان الإيمان؛ لما لهم مِن الفضل، وما قدَّموه في سبيل الله -عز وجل- عند أمة الإسلام حتى قيام الساعة، وفي يوم القيامة يشهد المسلمون للأنبياء أنهم بلَّغوا الرسالة، وأدوا الأمانة لأممهم.