زين العابدين كامل - الانفلات الأخلاقي وازدواجية السلوك - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد،

فإننا نعانى بشدة فى هذه الأيام من الانفلات الأمنى، والكل يشكو من عدم وجود الأمنوالأمان فى المجتمع المصرى؛ حتى إننا لا نأمن أن نسير فى بعض الطرق الصحراوية والسريعة (كالطريق الدولى والدائرى)، لكن مع إحساسنا بعدم الأمن فى المجتمع فإننى أرى أننا نعانى من الانفلات الأخلاقى أكثر من الانفلات الأمنى، وأنا لا أقلل أبدا من مشكلة غياب الأمن؛ فان إبراهيم عليه السلام قدم الأمن فى دعائه كما قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 126)، كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما فى الحديث:"مَن أصبح آمنًا في سِرْبِه، مُعافًى في جسده، عنده قوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ له الدُّنيا بحذَافِيرها" (رواه البخاري في الأدب المفرد)؛ ولكنى أرى أن المجتمع لو تحلى بالسلوك الحسن حتى مع غياب الأمن سنأمن على أنفسنا وأولادنا وأموالنا، لكن المشكلة تكمن فى (الانفلات الأخلاقى وازدواجية السلوك)،وأعنى بازدواجية السلوك أنك ترى الرجل يحافظ على الصلاة فى المسجد ويصوم الاثنين والخميس ويحرص على الذهاب لأداء العمرة فى كل عام، ويتصدق على الفقراء وغير ذلك من أنواع الطاعات والقربات، وهذا أمر جيد بلا شك، لكن فى نفس التوقيت يغش فى البيع والشراء ويخلف الوعد وربما يكذب، ويتعامل بالرشوةويسير بالسيارة فى الاتجاه المعاكس، ويلقى القمامة أثناء ذهابه إلى صلاة الفجر فى المسجد أمام أحد بيوت الجيران (طبعا إلا من رحم الله )؛ ففى هذه الشخصية تكمن المشكلة،شخصية تعانى من ازدواجية فى السلوك،والعجب أننا نرى جميع القوىالسياسية والحزبية ومنظمات المجتمع المدنى ، الكل يتحدث عن عودة الأمن ولا أحد يتحدث عن عودة الأخلاق إلا القليل؛ رغم أن الانفلات الأمنى يمكن معالجته عن طريق إعادة هيكلة الداخلية ووضع منظومة جديدة للوزارة، وتشديد العقوبات الرادعة وتطهير الوزارة من الفاسدين، وكل هذا يمكن أن يتحقق فى شهر واحد .
أما الانفلات الأخلاقى فهذا يحتاج إلى سنوات لمعالجته، والعلاج أحيانا يحتاج إلى مدة طويلة نظرا لتفشى وتغلغل المرض فى الجسد، فلابد من بذل الجهد ووضع الخطط للسيطرة على ذلك المرض .
ولابد أن نعلم جيدا أن الاسلام بنى على أركان وأعمدة خمسة، وما فوق الأعمدة والأركان هو الإسلام نفسه، ولا ينحصر الإسلام فى الأركان الخمسة فقط، بل هو أشمل من ذلك بكثير؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء: 136)،ففى هذه الآية يأمر تعالىعباده أن يؤمنوا مع أنه أثبت لهم الإيمان في النداء فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، فكيف يطالبهم بالإيمان وهم قد آمنوا بالفعل؟! (أى اثبتوا على الايمان وخذوا الإيمان بشموله وكماله)فلا ينحصر الإيمان فى بعض العبادات، بل الأخلاق من الإيمان، والأخلاق قد ارتبطت ببعثة النبى صلى الله عليه وسلم كما فى الحديث: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) "السلسلة الصحيحة" "45"، وفى رواية: (لأتمم صالح الأخلاق) "البخاري في الأدب المفرد"، والعبادة هى الشعائرالتعبدية وكل ما يرضاه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
 والسلوك هو سيرة الإنسان وتصرفاته القولية والفعلية، وكلاهما يرتبط بالآخر ولا ينفصل عنه، والسلوك السلبى يدل على عدم تمام وكمال العبادة؛ فهى لم تؤد على الوجه الأكمل .
أما السلوك الحسن الإيجابي فهو يدل على أن العبادة كانت تؤدى على الوجه الأكمل؛فالخلل في السلوك يدل على وجود خلل في العبادة قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُون) (البقرة: 177)، فجمعت الآية وربطت بين العبادة وهى الصلاة والزكاة، وبين السلوك وهو الوفاء بالعهد، وهكذا يجب أن نكون. والله المستعان.