نصر رمضان - (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) - بوابة الفتح الالكترونية
نصر رمضان
2019-04-15 15:26:51

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن حياة العبد لا تصلح إلا بالالتجاء إلى الله -تعالى-؛ لأنه خُلق أصلًا لعبادته، فلا يستقيم حاله إلا مع الاستعانة به، والتوجه إليه وحده بكل أنواع العبادة، وإلا كان الخسران والهلاك، قال -صلى الله عليه وسلم- للبراء -رضي الله عنه-: (إِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ. وَاجْعَلْهُنَّ مِنْ آخِرِ كَلَامِكَ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، مُتَّ وَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ) (متفق عليه).

وقال -تعالى-: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذاريات:50)؛ فما للعبد مِن ملجأ سوى ربه وخالقه وإلهه؛ لأن كل ما سواه ضعيف، والله هو القوي، وكل ما سواه ذليل والله هو العزيز، وكل ما سواه فقير والله هو الغني، ولا حول ولا قوة لمَن سواه إلا به وحده، فكلما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكل عليه، حسن الظن به؛ فإنه لا يخيب أمله فيه البتة؛ لأنه -سبحانه- لا يخيب أمل آمل، ولا يضيع عمل عامل.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلبٌ شديدٌ لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تُسد تلك الفاقة منه أبدًا" (مدارج السالكين، 3 / 164).

- فالفرار إلى الله: أن يهاجر العبد بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوفه ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله، والخضوع له والذل والاستكانة، إلى دعائه -سبحانه- وسؤاله، والخضوع له والذل والاستكانة له.

- الفرار إلى الله: أن ينتقل العبد من الكفر إلى الإسلام، ومن البدعة إلى السُّنة، ومن المعصية إلى العمل بطاعته والتوبة إليه، ومن أعدائه إلى أوليائه؛ فهو متضمن للولاء والبراء والثبات على الدين؛ فالأول فرار بالقلب، والثاني فرار بالجسد، والثالث فرار بالقلب والجسد معًا.

- الفرار إلى الله: أن يفزع الإنسان ويهرب من عقاب الله، ومن الشيطان، والمعاصي، والجهل، إلى رضاه والعمل بطاعته، وأن يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل، والتشمير بالجد والاجتهاد، ولا يكون ذلك إلا بصدق العمل، وإخلاصه من شوائب الفتور، ووعود التسويف والتهاون، وسوف، وعسى، ولعل، فهي أضر شيء على العبد، وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات.

- فالفرار إلى الله: ألا يقنع العبد بأمر يسكن إليه دون الله، ولا يفرح بما حصل له دون الله، ولا يأسى على ما فاته سوى الله، ولا يستغني برتبة شريفة، وإن عظمت عنده أو عند الناس، فلا يستغني إلا بالله، ولا يفتقر إلا إلى الله، ولا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، ولا يحزن إلا على ما فاته من الله، ولا يخاف إلا من احتجاب الله عنه، فكله بالله، وكله لله، وكله مع الله، وسيره دائمًا إلى الله.

فالعبد في حاجة دائمة إلى الفرار إلى الله -تعالى-، والاستغفار والتوبة إليه في كل آنٍ وحينٍ؛ فبالفرار إلى الله، والاستغفار والتوبة تُستنزل البركات، وتستجلب الخيرات، ويشتد الساعد، وتزيد القوة، قال نوح -عليه السلام-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (نوح:10-12)، وقال هود -عليه السلام-: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (هود:52).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وحقيقة الفرار: الهرب مِن شيءٍ إلى شيء. وهو نوعان: فرار السعداء، وفرار الأشقياء؛ ففرار السعداء: الفرار إلى الله -عز وجل-، وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه، وأما الفرار منه إليه: ففرار أوليائه. قال ابن عباس: فروا منه إليه، واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله. وقال آخرون: اهربوا مِن عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة" (مدارج السالكين، 1/ 469).