نصر رمضان - العلم دين... فانظروا عمَن تأخذون دينكم! - بوابة الفتح الالكترونية
نصر رمضان
2019-03-07 18:59:56

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فكلما امتد الزمن وبعُد الناس عن آثار الرسالة؛ قلَّ العلم وفشا الجهل، وتقدم الجُهَّال على العلماء، وتولى المناصب الشرعية مَن ليس لها بأهل؛ حتى يصير الجاهل الذي يقول على الله وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، والذي يخدع جُهَّال الناس بما يُشبِّه عليهم، مفتيًا في الدين، ومعمولًا بقوله في المال والدماء والأبضاع -نعوذُ بالله مِن فتن الضالين-. 

وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فقال: (إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا) (متفق عليه)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) (متفق عليه).

فهذا الحديث يدل على أن الناس لا يؤتون مِن قِبَل علمائهم قط، ولكن إذا قلَّ علماؤهم أو ماتوا، أفتى مَن ليس بعالمٍ، فيؤتى الناس مِن قِبَله، فما ضل عالم قط، ولكن استفتي مَن ليس بعالم؛ فَضَلَّ وأضل.

قال الطرطوشي: "فتدبر هذا الحديث، فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط مِن قِبَل علمائهم، وإنما يؤتون مِن قِبَل أنه إذا مات علماؤهم أفتى مَن ليس بعالم؛ فيؤتى الناس مِن قِبَله" (البدع والحوادث).

وقال ابن العربي: "وأما ذهاب العلم، قال المشيخة: فيكون بوجوده، إما بمحوه مِن القلوب، وقد كان في الذين قبلنا، ثم عصم هذه الأمة، فذهاب العلم منها بموت العلماء، وقد قال جماعة مِن الناس: إن ذهاب العلم يكون أيضًا بذهاب العمل به، فيحفظون القرآن ولا يعملون به؛ فيذهب العلم... والذي عندي أن الوجوه الثلاثة في هذه الأمة، فقد يذنب الرجل حتى يذهب ذنبه علمه، وقد يقرؤه ولا يعمل به، وقد يُقبض بعلمه فلا ينتفع أحدٌ به، أو يمنع مِن بثه فيذهب لوقته" (عارضة الأحوذي).

وقال ابن حجر -رحمه الله-: "قيل: إن المراد نقص علم كل عالم بأن يطرأ عليه النسيان مثلًا، وقيل: نقص العلم بموت أهله، فكلما مات عالم ولم يخلفه غيره نقص العلم مِن تلك البلد" (فتح الباري).

وقال أبو حازم: "صار الناس في زماننا يعيب الرجل مَن هو فوقه في العلم؛ ليرى الناس أنه ليس به حاجة إليه، ولا يذاكر مَن هو مثله، ويزهو على مَن هو دونه، فذهب العلم وهلك الناس" (جامع بيان العلم).

مِن أجل هذا حثَّ السلف على طلب العلم، قال ابن مسعود: "عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله، وعليكم بالعمل، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، وعليكم بالعلم، وإياكم والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق"، وقال أبو الدرداء: "ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، فتعلموا قبل أن يرفع العلم، فإن رفع العلم ذهاب العلماء".

فمما يُوصى به كل مسلم؛ فضلًا عن طالب العلم أن يأخذ العلم عن أهله، وأن يتلقاه عن حملته، الذين هم ورثة النبي في شريعته، الذين يدعون مَن ضلَّ إلى الهدى، ويحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، وينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فالعلم دين وتجارة وعبودية ومعاملة مع الله -تعالى-، ولا تجوز المجاملة في تلقيه وتعلمه، فلابد مِن الرجوع في طلبه على أيدي العلماء، وترك أنصاف المتعلمين والجهال، قال الإمام مالك: "إن هذا العلم هو لحمك ودمك، وعنه تسأل يوم القيامة، فانظر عمّن تأخذه"، وقال ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى حديث أهل السُّنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" (مقدمة صحيح مسلم).

قال الإمام الاوزاعي: "اتقوا الله معشر المسلمين، واقبلوا نصح النّاصحين، وعظة الواعظين، واعلموا أن هذا العلم دين، فانظروا ما تصنعون، وعمَن تأخذون، وبمَن تقتدون، ومَن على دينكم تأمنون؛ فإن أهل البدع كلّهم مبطلون، أفّاكون، آثمون، لا يرعوون، ولا ينظرون، ولا يتّقون، ولا مع ذلك يؤمنون على تحريف ما تسمعون، ويقولون ما لا يعلمون في سرد ما يذكرون وتسديد ما يفترون؛ والله محيط بما يعلمون، فكونوا لهم حذرين، منهم هاربين، رافضين، مجانبين؛ وإنّ علماءكم الأوّلون، ومَن صلح مِن الآخرين كذلك كانوا يفعلون ويأمرون؛ واحذروا أن تكونوا على الله مظاهرين، ولدينه هادمين، ولعراه ناقضين موهنين، بتوقير المبتدعين والمحدثين؛ فإنه قد جاء في توقيرهم ما تعلمون، وأيّ توقير لهم أو تعظيم أشدّ مِن أن تأخذوا منهم الدّين، وتكونوا بهم مقتدين، ولهم مصدّقين موادعين، مؤالفين، معينين لهم بما يصنعون، على استهواء مَن يستهوون، وتأليف مَن يتألّفون مِن ضعفاء المسلمين، لرأيهم الذي يرون، ودينهم الذي يدينون؛ وكفى بذلك مشاركةً لهم فيما يفعلون" (تاريخ دمشق).