رجب أبو بسيسة - الداعيةُ الحقيقي (1) - بوابة الفتح الالكترونية
رجب أبو بسيسة
2019-02-20 17:36:47

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالداعيةُ الحقيقِيُّ: هو مَن يَتَفاعلُ معَ التحدياتِ التي تهددُ المجتمعَ، ولا يَنشغلُ عنها بِسَفَاسِفِ الأمورِ؛ انظرْ للصحابةِ لما قيل لهم: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) (آل عمران:173)، وذلك تَحَدٍّ كبيرٌ، أَنْ تَجْتَمِعَ عليهم قبائلُ العربِ، فَلَمْ يُرْهِبْهُمْ ذَلكَ التحدي، بل (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173)، فالدعوةُ إلى الحقِّ والتضحيةُ في سبيلِهِ مِن مَعالِي الأمورِ التي يَهُونُ في سبيلِها كُلُّ شَيْءٍ، وقَدْ صَدَقَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ قالَ: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفَاسِفَهَا) (رواه الطبراني والبيهقي، وصححه الألباني).

الداعيةُ الحقيقِيُّ: يَسعى في الإصلاح والتغيير، ويستفرغُ الْجُهْدَ في النضال عن مجتمعِهِ المسلمِ، ويَستحضرُ قولَ اللهِ تَعَالَى: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود:88)، ويَغْتَنِمُ الفرصَ والظروفَ، ولا يَنْشغلُ عنها بِلَعْنِ الظَلَامِ، كما يَفْعَلُ أَهلُ الإحباطِ والمنهزمون، يَستحضرُ قولَ الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأعراف:164)، فَلَمْ يَلتفتوا إلى التَّثْبِيطِ وَالتَحبيطِ.

وكذلك يستحضِرُ قصةَ أَنَسِ بنِ النَّضْرِ -رضي الله عنه- إِذْ يقولُ أَنَسُ بنُ مالكٍ: "غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ، -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) (الأحزاب:23) إِلَى آخِرِ الآيَةِ" (متفق عليه)

الداعيةُ الحقيقِيُّ: يسعى لإضاءةِ الطريقِ للآخرين، وتنبيهِ الغافلِ، وإرشادِ الحائرِ، وتحذيرِ الجاهلِ بِلُطْفٍ ولِينٍ، يَستحضر قول الله -تعالى-: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (الشورى:15)، وقوله -تعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل:125).

الداعيةُ الحقيقِيُّ: هَمُّهُ الإسلامُ يَنتصرُ، والدينُ يَعلو، والأُمَّةُ تُعِيدُ هيبَتَها، وعزتَها، فَيَأْلَمُ لمصَابِها، ويسعى في إزالتِهِ، ويفرحُ لفرحِهَا ويسعَى في تعزيزِهِ وزيادَتِهِ، يَسْتَحْضِرُ قولَهُ -تعالى-: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:104)، ويعزِّزُ نَفسَه بالأملِ الذي وَعَدَهُ به رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

الداعيةُ الحقيقِيُّ: الحماسُ عندَهُ متجدِّدٌ ولَا يَضْعُفُ، بل كلما ازدادت التحدياتُ يَزدَادُ الإصرارُ عندَهُ لِلبذْلِ والعَمَلِ، قُدْوَتُهُ في ذلك: مصعبٌ، وسعدٌ، وجعفرٌ، وزيدٌ، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، والصحابةُ جميعُهم ضَحُّوا بِأوقاتِهِم وأموالِهِم، وبَاعُوا الْمُهَجَ رخيصةً في سبيلِ انتشارِ الإسلامِ وذُيوعِهِ.

يتبع -إن شاء الله-.