د. أحمد حمدي - صاحب الهمة العالية إذا عزم على شيء لا ينقضه - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2019-02-19 18:37:16

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأحيانًا لا تكون المشكلة في عدم العلم، ولكن في الأغلب الأعم في ضعف العزيمة والإرادة، والكسل والاستسلام للمعوقات والظروف، وعدم وجود روح التحدي والمقاومة والمجاهدة للواقع، قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69)، وقال: (فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) (محمد:21)، وقال: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) (التوبة:46)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ الله تَعَالَى يُحِبُّ مَعالِيَ الأُمُورِ وأشْرَافَها ويَكْرَهُ سَفْسَافَهَا) (رواه الطبراني، وصححه الألباني)

قال ابن القيم -رحمه الله-: "لابد للعبد مِن قوتين: قوة علمية تبصره وتهديه، وقوة عملية تصعده وترقيه".

وكان أبو بكر الصديق نموذجًا في العزيمة والإرادة، والتغلب على الصعوبات التي عُرضت عليه، ومِن ذلك:

أولًا: عند وفاه النبي -صلى الله عليه وسلم- كان هو أكثر الناس مصابًا؛ لقربه مِن النبي، واحتياجه لمَن يواسيه ويصبره.

ثانيًا: اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفى منهم، وظهر انقسام الدولة الإسلامية بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثالثًا: ادعاء النبوة مِن طليحة الأسدي وسجاح والاسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب.

رابعًا: الردة في شبه الجزيرة العربية عن الإسلام فلا تصلى الجمعة ولا الجماعة إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، ومسجد جواثا في البحرين.

خامسًا: منع الزكاة والخوف على هدم أركان الدين.

سادسًا: تهديدات الروم والغساسنة لحدود الجزيرة العربية شمالًا.

سابعًا: مخالفة الكثير مِن الأنصار وعمر -رضي الله عنه- له في قتال مانعي الزكاة، وإنفاذ جيش أسامة في بداية الأمر، وقلة الناصر والمعين.

ثامنًا: مخالفة فاطمة بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- له في مسألة إرث النبي في فدك، وغيرها.

ولقد كان الثبات وقوة الإيمان والصلابة في تثبيت الصحابة عندما قال لهم: "مَن كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، قال -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) (آل عمران:144)، وأخذ بيد عمر وأبي عبيدة وذهب إلى السقيفة وقال للأنصار حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال لهم: "منا الأمراء ومنكم الوزراء".

واجتمعت عليه الكلمة، وتحمل المسؤولية بعد وفاه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يُحبط بعد رؤية الردة بعد اجتماع أكثر مِن مائة ألف مع رسول الله في حجة الوداع، وقاتل مدعي النبوة والمرتدين ومانعي الزكاة، وقال: "وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ"(متفق عليه)، وقال: "وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا" (متفق عليه)، وقال لعمر بن الخطاب: "أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟! يا ابن الخطاب جئتك لتنصرني فجئتني بخذلانك!".

وأنفذ جيش أسامة وقال: "والله لا أنقض لواءً عقده رسول الله ولو تخطفت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين"،  وبدأ الفتوحات الإسلامية في العراق والشام؛ كل ذلك في عامين فقط.

فهذا هو الفرق بيْن السلف الصالح وبيننا الآن، الواحد قد يتعذر بأعذارٍ واهيةٍ عن الدعوة إلى الله، وعن الصبر والمواظبة على طلب العلم، وعن المواعيد والتكاليف والجلسات، والانشغال بالدنيا والترفه، والدعة والكسل والراحة، ورفاهية الحياة، وضغوط المجتمع والخروج مع الأولاد، قال -تعالى-: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة:14-15).

وقد يتعذر بغيره ومَن فوقه، ويكثر الكلام والشكوى بلا عملٍ ولا جد؛ فكن أنت الحل ولا تكن المشكلة، والله -عز وجل- قال للنبي: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء:84)، وقال موسى -عليه السلام-: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) (المائدة:25)، وذلك بعد أن قالوا له: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة:24)، فأنت الجماعة ولو كنت وحدك ما دمت على الحق، والزم طريق الهدى ولا تستوحش مِن قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين، ولا تسأل عمَن هلك كيف هلك، ولكن اسأل عمَن نجا كيف نجا؟! فعمر -رضي الله عنه- قال: "ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر بذلك إلا وعلمت أن الحق معه".

 فأنصح كل شخص مِن إخواني الطلاب في إجازة نصف العام أن يحدد لنفسه هدفًا في أسبوعين يريد أن ينجزه كحفظ جزءٍ كبيرٍ مِن القرآن أو قراءة أو دراسة مجلد في بابٍ مِن أبواب العلوم، يشغل نفسه به، فنفسك ان لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

أسأل الله أن يرفع همتنا في الدعوة إليه وعبادته، والعمل لدينه ونصرته، وأن يستعملنا ولا يستبدلنا، ولا يخذلنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.