م. عبد المنعم الشحات - الفرق بين الحكم والفتوى وتطبيقاته على واقعنا السياسي - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد كثرت التساؤلات داخل قواعد الدعوة السلفية حول بعض المواقف التى اتخذتها الدعوة منذ 25 يناير وحتى الآن، والتى تبدو مخالفة لمواقف تم اتخاذها قبل 25 يناير؛ فيتساءل البعض: هل مست هذه الاجتهادات بعض الثوابت أم كانت كلها متعلقة بالمتغيرات؟ 
وللإجابة على هذه التساؤلات نحتاج إلى تقرير بعض الأمور نعرضها باختصار، ونرجو ألا يكون مخلا لهذه الأمور:
1-      الفرق بين الحكم و الفتوى:
فالحكم الشرعي : « عبارة عن خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين ». 
والفتوى : « ذكر الحكم المسئول عنه للسائل ». 
فالحكم الشرعي هو الحكم المتعلق بأفعال العباد على وجه العموم من غير التفات إلى واقع معين يرتبط به الحكم ، كالقول بوجوب الصلاة وحرمة شرب الخمر وهكذا . 
والفتوى هي تطبيق الحكم الشرعي على الواقع: 
ولا تكون الفتوى صحيحة إلا إذا كان الحكم الشرعي منطبقا على الواقع انطباقا صحيحا، يقول ابن القيم رحمه الله في بيان علاقة الفتوى بالحكم الشرعي : « ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: 
أحدهما : فهم الواقع والفقه فيه ، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما. 
والنوع الثاني : فهم الواجب في الواقع ، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ، ثم يطبق أحدهما على الآخر ». 
وعندما استُفتي ابن تيمية رحمه الله في قتال التتار بيَّن ذلك الارتباط وأفتى بقوله : « نعم، يجب قتال هؤلاء بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين ، وهذا مبني على أصلين : أحدهما المعرفة بحالهم ، والثاني : معرفة حكم الله في مثلهم ». 
ومن أمثلة ذلك أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، وأن التيمم يشرع بدلا عنها فى حالة فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، وأن فاقد الطهورين تسقط عنه الطهارة.
كل هذه أحكام مجردة وعند تطبيقها على واقع معين يقال للبعض يجب عليك الوضوء، ويقال للآخر يجب عليك التيمم، ويقال للثالث لا يجب عليك لا هذا ولا ذاك.
 ومن هنا فقد وقف العلماء عند نصوص الشرع التى خوطب بها أفراد معينون لكى يحققوا مناط خطاب الله الذى خوطب به هؤلاء و قرروا قاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن أمثلتها قصة المجادِلة
وأما ما كان الخطاب فيه موجها إلى شخص مكلف بعينه فقرروا عمومه أيضا من باب تساوى المكلفين فى خطاب الشرع؛ ولقوله صلى الله عليه و سلم: "إنما قولى لإمرأة واحدة كقولى لمائة النساء" (تحفة الأحوذي 11: 269 حديث 15781).
و أما ما تبين فيه أن الخطاب وجه إلى مكلف بعينه لعلة وجدت فيه، فقد اجتهد العلماء فى تجريد ذلك الحكم بعلته لتعميمه على من يشبهونه.
ويظهر ذلك جليا عند اختلاف الخطاب الموجه من النبى صلى الله عليه وسلم فى واقعتين متعلقتين بذات الموضوع، كقوله صلى الله عليه و سلم: "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى"(رواه النسائي وصححه الألباني)، وقال فى موطن آخر: "أفضل الصدقة جهد المقل" (أخرجه البغوي، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيح" برقم 566)، وحمل على اختلاف حال السائل.
وورد أيضا عن بن عباس رضى الله عنهما اختلاف فتوى القبلة للصائم بين الشاب والشيخ الكبير، وقد أشارت عائشة رضى الله عنها إلى الضابط فى الباب فى قولها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وكان أملككم لإربه" (متفق عليه).
 
2-      ثبات الأحكام وتغير الفتاوى:
إذن فالمصدر الرئيسى لاختلاف الفتاوى فى مسألة واحدة يأتى من البحث فى الشروط والموانع وأحوال الاختيار وأحوال الاضطرار.
ومنه نأخذ أن الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير؛ لأنها خطاب الله ولا يملك أحد أن يغيره وإلا لأصبح هذا نسخا أو تبديلا، وأما الفتاوى فهى متغيرة لكن فى حدود إسقاط الحكم على الواقع، ومن ثم فلا يتصور أن تتغير الفتوى فى واقعتين متطابقتين أو بينهما فرق غير مؤثر، فلن يلتفت فى المثال السابق إلا إلى وجود الماء والقدرة على استعماله وما عدا ذلك من الأحوال فلا يتصور أن تتأثر به الفتوى فى هذا المثال.
 
3-      الفتاوى التي تعم بها البلوى واشتبهاها بالأحكام:
توجد بعض الفتاوى التى تعم بها البلوى وتنطبق على عدد كبير من المكلفين؛ مما يجعلها تُتداول كما لو كانت أحكاما، بينما هى فى حقيقتها تطبيق للحكم على صورة عامة، ومن أوضح أمثلتها عدم تطبيق عمر رضى الله عنه لحد السرقة فى عام الرمادة؛ فالأمر هو تطبيق للحديث الذي رُوي عن النبى صلى الله وعليه وسلم: (ادرءوا الحدود بالشبهات) (ضعيف)، ولما كان وجود المجاعة شبهة عامة فى ذلك العام؛ تم تطبيقها على كل سارق، وهذا هو التطبيق الصحيح للحكم الشرعى الذى يلزم الحاكم ألا يقيم الحد حال ورود شبهة.
كذلك عدم إعطائه للمؤلفة قلوبهم من الزكاة؛ لأن من شروط استحقاقهم لسهم فى الزكاة أن يرجى من ورائهم نفع للمسلمين، أو يخشى منهم ضرر وهو ما زال بقوة المسلمين؛ مما يعنى أن تطبيق الحكم الشرعى على الواقع فى زمانه أنهم لا يستحقون أن يأخذوا من الزكاة.
وهذا النوع من الفتاوى هو الذى جعل بعض العلماء يقررون أن الأحكام التى مبناها على عوائد الناس قابلة للتغير متى تغيرت تلك العوائد، وهم هنا لا يعنون الأحكام التى هي خطاب الله، بل يتحدثون عن تطبيق له على واقع ما وإن كان قد استقر وانتشر حتى صار بمنزلة الحكم؛ وهذا ما يوجب الاهتمام بمعرفة الدليل ومعرفة الأسس التى بنيت عليها المواقف والأقوال، ومن الأمثلة التى يمكن أن تندرج تحت هذا القسم:
1-      أنواع ما يجوز إخراجه فى زكاة الفطر، فقد شمل فى زماننا الأرز بناء على ما فهمه الجمهور من أن المقصود فى زكاة الفطر أى طعام مدخر.
2-      معظم أحكام أهل الذمة، فهى مبنية على الشروط العمرية وهو عقد وإن تكرر فى فتح عدة بلاد إلا أن هذا لم يمنع من تطبيق غيره أحيانا.
3-      معظم أحكام ديار الإسلام وديار الكفر.
4-      يدخل فيه عند ابن تيمية ومن وافقه اختلاف الحكم على الطلاق الثلاث فى المجلس الواحد، وكذا حكم طواف الحائض إذا خشيت على نفسها الفتنة متى تخلفت عن الركب.
ومما سبق يتبين أهمية البصيرة فى دين الله، وأهمية معرفة الأحكام بأدلتها؛ وهو ما يتيح معرفة تفصيل حكم الله فى كافة المسائل، لا سيما تلك التى تتشابه ظاهريا، لكن ثمة فروق مؤثرة بينها.
5-      تنبيه حول مصطلح الثوابت والمتغيرات:
قررنا فيما مضى أن الأحكام ثابتة بينما الفتاوى تتغير تبعا لتغير الأحوال، فهل يمكن أن نطلق مصطلح (الثوابت والمتغيرات) ونعنى به (الأحكام والفتاوى)؟!
فى الواقع ورغم تسليمنا بقاعدة "لا مشاح فى الاصطلاح"، إلا أننا لا نفضل استعمال هذا الاصطلاح ونفضل عليه ما اصطلح عليه السلف من التنبيه على تغير الفتوى بتغير الواقع وهذا لسببين:
الأول: أن فى اصطلاح الثوابت والمتغيرات إيحاء بالتغير المطلق، بخلاف وصف الفتوى بالتغير؛ لأنه يتضمن الإحالة على الحكم الثابت (لأن الفتوى بحكم تعريفها هى تطبيق لحكم على واقع).
الثانى: أن مصطلح (الثوابت والمتغيرات) قد شاع فى استعمال بعض المتأخرين، ويعنون بالثوابت مسائل الإجماع، ويعنون بالمتغيرات مسائل الخلاف، (ويقيده بعضهم بالسائغ) وهو مصطلح فيه نوع من التعسف اللغوى وفيه إشعار بالتهاون فيما عدا مسائل الإجماع وعدها من المتغيرات، بينما عامتها من (الثوابت) عند أصحابها وإن كانوا يتحملون الأقوال المخالفة طالما لم تصادم نصا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلى.
6-      الفرق بين تغير الحكم وتغير الاجتهاد:
يجب أن ننتبه إلى أن ما قررناه آنفا من ثبات الأحكام الشرعية إنما نعنى به ثباتها فى حقيقة الأمر؛ لأن شرع الله قد تم والرسالة قد ختمت بمحمد صلى الله عليه و سلم، ولا مجال لنسخ ولا تبديل. 
ولكن قد يحدث لبعض الناس أن يتغير اجتهاده فى مسألة ما؛ فيكون ما أخبر عنه أنه حكم الله فى أول الأمر هو بحسب ما أداه إليه اجتهاده، ثم يكون قوله الثانى أنه يرى بمزيد علم أو اطلاع أو إعادة نظر فى الأدلة أن حكم الله فى المسألة هو "كذا"، وهذا ليس من باب تغير الفتوى يتغير أحوالها.
ومن أمثلة هذه المراجعات ما قام به بعض المتكلمين كالأشعرى والغزالى، ومن أمثلتها المعاصرة المراجعات التى قامت بها الجماعة الإسلامية فى مصر.
ومن الجدير بالذكر أن كثيرا ما يذكر المذهب الجديد للشافعى كمثال لتغير الفتوى بتغير الواقع، وإن كان عامتها راجع لتغير الاجتهاد فى الحكم نتيجة للاطلاع على مزيد من الأدلة أو إعادة بحث المسألة.
وبناء عليه وبدون الإخلال بما قررنا من ثبات الأحكام الشرعية فى حد ذاتها؛ فإن تغير اجتهاد أى شخص أو جماعة فى (موقف عملى ما) يمكن أن يعود إلى أحد هذه الاحتمالات.
الأول: تغير الفتوى لتغير الواقع:
 بأن يكون اجتهاده فى المسألة كحكم كما هو، بينما يكون الواقع قد تغير بالفعل مما اقتضى إعادة بحث المسألة على ضوء مستجدات الواقع. 
الثانى: تغير الفتوى لتغير الاجتهاد فى تقدير الواقع:
بأن يكون اجتهاده فى المسألة كحكم كما هو، لكنه أعاد تقييم الواقع. 
الثالث: تغير الفتوى نتيجة تغير الاجتهاد فى المسألة كحكم: 
وبالطبع فإن النوع الأول طبيعى، وأنه هو الأصل أن يكون لكل واقع فتوى تتناسب معه، لكنه قد يبدو مستغربا أحيانا حينما يستقر واقع ما لمدة طويلة ثم يتغير الواقع فتتغير الفتوى. 
وأما النوع الثانى والثالث فمن الأمانة لمن تبين له خطأ اجتهاده سواء كان فى تقييم الواقع أو فى استنباط الحكم؛ أن يقوم بهذه المراجعات، لكن من الطبيعى أن يأخذ هذا حظه من الدراسة وتوضيح الفرق بين القول القديم والقول الجديد، وأن ما يتعلق منها بتغيير الاجتهاد فى الحكم لا سيما فى المسائل التى كانت هناك قناعة أنه من الأمور التى تمثل معلما من معالم السنة.
وبهذا الصدد نود أن نؤكد أن المواقف العملية التى تم اتخاذها بعد 25 يناير عامتها راجعة إلى تغير الفتوى نتيجة تغير الواقع وقليل منها راجع إلى إعادة تقييم الواقع أو مزيد علم به، ولا يكاد يوجد ما هو راجع إلى تغير الاجتهاد فى هذه الأمور كأحكامٍ.
وقد تناولنا معظمهما فى مقالات أخرى، ولعلنا نعيد القول فى بعضها فى مقالة قادمة إن شاء الله تعالى.