د. علاء بكر - اتفاق "أوسلو"... مبادئ للتفاوض لا معاهدة للسلام - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2018-12-10 15:30:26

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مرَّ في سبتمبر 2018م ذكرى مرور ربع قرن على توقيع اتفاق أوسلو بيْن الجانب الفلسطيني برئاسة "ياسر عرفات"، والجانب الإسرائيلي برئاسة رئيس وزراء إسرائيل "إسحاق رابين" برعاية أمريكية، وذلك في العاصمة الأمريكية واشنطن وفي حديقة البيت الأبيض في 13-9-1993م.

بدأ الاتفاق بإعلان لمبادئ تم الاتفاق عليها بيْن الطرفين في وارسو بشأن الترتيبات الانتقالية للحكم الذاتي الفلسطيني، وتتضمن الانسحاب الإسرائيلي مِن غزة وأريحا، ونقل السلطة فيهما لفلسطينيين منتخبين كخطوةٍ تمهيديةٍ، يعقبها مفاوضات ثنائية بيْن الطرفين في غضون خمس سنوات لحل مختلف القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وقد سبق هذا الإعلان اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثلةٍ للشعب الفلسطيني -ممثلة للشعب الفلسطيني لا لدولة فلسطينية-، واعتراف المنظمة بدولة إسرائيل وحقها في الوجود.

وقد بدأت مفاوضات نقل السلطة في يوليو 1994م، وبعد جولات متعددة مِن المفاوضات في القاهرة تم توقيع الاتفاقية في 24-8-1994م في القاهرة بالأحرف الأولى، ثم بصفةٍ نهائيةٍ بعدها في معبر (أرينز) بقطاع غزة، وتنفيذًا للاتفاق وصل ياسر عرفات إلى غزة في 11-7-1994م، وفي 28-9-1995م تم التوقيع على اتفاقية (وارسو 2) في احتفال رسمي في واشنطن، وقد أعقب ذلك في 25-4-1996م موافقة المجلس الوطني الفلسطيني على حذف المواد الداعية إلى القضاء على إسرائيل مِن الميثاق الوطني.

المراد بالحكم الذاتي:

هو نظام طبَّقته بريطانيا في أول الأمر تجاه بلدان الكومنولث بقصد منحها قسطًا مِن إدارة شؤونها بنفسها، وتطور النظام ليعطي هذه البلاد سلطات أوسع شملت عقد الاتفاقات الدولية والتمثيل الدبلوماسي، إلى أن أعلن قيام الكومنولث البريطاني على أساس الاشتراك الحر لأعضائه.

ويختلف هذا النظام -على المستوى الدولي- عن الحكم الذاتي الداخلي الدستوري الذي تلجأ إليه بعض الدول لمنح بعض السلطات لإقليم يعتبر جزءًا مِن الدولة بحيث يمارس حكمًا ذاتيًّا في إطار نظامها الدستوري كإجراءٍ داخليٍ، كوضع الأكراد -مثلًا- في العراق.

ووجه الاختلاف: أن الحكم الذاتي ذا الطابع الدولي يُعد مرحلة في تنظيم علاقات الدولة الأم بمستعمراتها، في حين أن الحكم الذاتي ذا الطبيعة الدستورية إجراء داخلي يطبق في إطار الوحدة الإقليمية، وقد طبق نظام الحكم الذاتي كمرحلةٍ على طريق الاستقلال مع دولٍ، منها: "توجو، والكاميرون، وسنغافورة".

والحكم الذاتي ليس له مفهوم محدد في القانون الدولي، وإنما نشأ وتطور في إطار العلاقات الدولية وجهود الأمم المتحدة لتصفية الأوضاع الاستعمارية في العالم، وقد تضمن تطبيقه أنواعًا مختلفة باختلاف ما يتمتع به كل إقليم مِن سلطات ومدى تدخل الدولة الأم في شؤونه.

في إطار اتفاق "كامب دافيد" للسلام في الشرق الأوسط كانت تسوية المسألة الفلسطينية تتضمن التسوية على مراحل، تبدأ بمرحلةٍ انتقاليةٍ لا تتجاوز مدتها خمس سنوات، بهدف نقل السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة للفلسطينيين نقلًا سلميًّا، على أن تنتخب هذه السلطة مِن بيْن سكان الضفة وغزة انتخابًا حرًّا بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها وإعادة انتشار قوات منها في مواقع أمنية محددة، وبالتالي تحل السلطة الفلسطينية محل الحكم العسكري الإسرائيلي، مع التفاوض حول سلطات ومسؤوليات هذه السلطة مِن جهةٍ، ووضع ترتيبات لضمان الأمن الداخلي والخارجي والنظام العام مِن جهةٍ أخرى.

وخلال المرحلة الانتقالية تجري مفاوضات لتحديد الوضع النهائي للضفة الغربية وقطاع غزة، ويتم إبرام معاهدة سلام بيْن إسرائيل والأردن بحلول نهاية الفترة الانتقالية.

وقد حاول الرئيس السادات أن يربط دائمًا بيْن تنفيذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وبيْن تنفيذ أحكام اتفاق كامب دافيد الخاصة بالحكم الذاتي الفلسطيني، وعليه اتفق على كتابٍ مشتركٍ نص على بدء مفاوضات الحكم الذاتي خلال شهر مِن التصديق على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وقد أصبح هذا الكتاب المشترك واتفاق كامب دافيد هما أساس مباحثات الحكم الذاتي ومرجعيتها.

مفاوضات مصر وإسرائيل حول الحكم الذاتي الفلسطيني:

وهي المفاوضات التي بدأت في 25 مايو 1979م لتحديد ترتيبات انتخاب السلطة الفلسطينية ومناقشة السلطات والمسؤوليات التي تمارسها تلك السلطة، وجرت جولات المفاوضات في مصر وفي إسرائيل بالتناوب، وعقد بعضها خارج البلدين بقصد تحريك المفاوضات، حيث تم عقد 16 اجتماعًا.

وهذه المباحثات في الحقيقة كان محكومًا عليها بالفشل مسبقا، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها مصر فيها للحصول على أكبر قدرٍ ممكنٍ مِن حقوق شعب فلسطين، حيث كانت مصر تمثِّل فيها الفلسطينيين والأردن، وكلاهما رافض تمامًا لمفاوضات السلام مع إسرائيل في ذلك الوقت تضامنًا مع موقف الدول العربية المقاطعة لمصر بسببها؛ مما يعني رفض أي نتائج قد تتوصل إليها هذه المباحثات مهما كانت.

نظرة إسرائيل للحكم الذاتي الفلسطيني:

فسَّرت إسرائيل نصوص كامب دافيد الغامضة حول الحكم الذاتي بما يخدم إستراتيجيتها، وبَنَتْ نظرتها على:

1- الفصل التام بيْن المرحلة الانتقالية ومرحلة الوضع النهائي، وبالتالي تجنب الخوض في أمور الحل الدائم واعتبارها شأنًا مؤجلًا، ومِن ثَمَّ استبعاد مناقشة حق تقرير المصير وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

2- إن الحكم الذاتي يتعلق بالسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس بالإقليم وأرضه.

3- إن الحكم الذاتي ذو طابع إداري فقط، وليس سياسيًّا.

4- إن السلطات والمسؤوليات التي تتولاها سلطة الحكم الذاتي قاصرة على ما يتم الاتفاق على نقله، وما لا يتم نقله فهو مِن سلطات ومسؤوليات إسرائيل.

5- إن السلطة الفلسطينية تمارس سلطاتها ومسؤولياتها بالتعاون والتنسيق مع إسرائيل.

6- إن الأمن في الضفة وغزة هو مسؤولية إسرائيل، وتعمل قوات الشرطة المحلية الفلسطينية تحت إشرافها وطبقًا لما تحدده إسرائيل لها مِن مهامٍ.

وقد أوجدت هذه النظرة للحكم الذاتي مِن جانب إسرائيل تصورًا مخالفًا لما كانت تطمح إليه مصر، فأوجدت هوة واسعة بيْن الموقفين.

المرحلة الأولى مِن المباحثات:

بدأت المباحثات في 25 يناير1979م، لكنها توقفتْ في يوليو 1980م عقب إصدار الكنيست الإسرائيلي قانونًا باعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ومقرًّا لرئيس الدولة والكنيست والحكومة والمحكمة العليا، مما يُعد تصرفًا أحاديًّا مِن جانب إسرائيل يتعارض مع الاتفاق على تأجيل النظر في شأن القدس للمباحثات النهائية، خاصة وأن القدس في قرارات الأمم المتحدة الدولية أرض محتلة لا يحق لإسرائيل ضمها لدولتها.

وكان تقييم هذه المرحلة مِن المفاوضات يشير إلى صعوبة المفاوضات لاختلاف المفاهيم الأساسية حول طبيعة الحكم الذاتي ومداه والهدف منه، حيث كان هناك تقدمًا في مناقشة الترتيبات الانتخابية لسلطة الحكم الذاتي فيما عدا رفض إسرائيل مشاركة سكان القدس الشرقية فيها، واعتراض إسرائيل على عدد أعضاء السلطة، حيث تريده إسرائيل مقتصرًا على عددٍ يساوي المهام الموكلة إليها.

وترى مصر أنها ينبغي أن يتناسب مع عدد سكان الضفة وغزة، بينما وقع الاختلاف حول العديد مِن القضايا، منها: طبيعة ومصدر السلطة، هل السلطة تستمد سلطاتها مِن الشعب الفلسطيني الذي سينتخبها أم أنها تعمل بتفويضٍ مِن إسرائيل؟ وهل للسلطة دور تشريعي أم دورها إداري فقط، ومدى صلاحية إصدار هذه السلطة للتشريعات اللازمة لممارسة مسؤولياتها؟ وحول المشاركة في المياه بما لا يضر الفلسطينيين أو الإسرائيليين، وحول الأرض واحترام الملكيات الخاصة، وكفالة الأمن الداخلي، ووضع الترتيبات للتواصل بيْن قوة الشرطة المحلية وسلطات الأمن الإسرائيلية.

المرحلة الثانية مِن المباحثات:

بدأت هذه المرحلة مِن المباحثات المصرية الإسرائيلية حول الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة وغزة في سبتمبر1981م.

وتميزت هذه المرحلة بالمناقشات المستفيضة التي تعرضت لكثيرٍ مِن التفاصيل والجزئيات، حققت بعض التقدم في المواقف، لكن ظلت الخلافات حول المفاهيم الأساسية تتحكم في مواقف الوفدين المفاوضين.

وقد قامت مصر بإيقاف المفاوضات نهائيًّا في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان في يونيو 1982م، كما قامت بسحب السفير المصري مِن إسرائيل وقتها.

لقد أثبتت إسرائيل في هذه الفترة أنها لا ترغب في السلام في المنطقة، وأن السلام مع مصر مرحلي ليس إلا؛ لذا فقد استغلت حالة السلام الدائم في الجبهة المصرية لتمارس اعتداءاتها على جيرانها العرب بضم القدس لإسرائيل عام 1981م، وهي أرض فلسطينية محتلة، وبضرب المفاعل العراقي، وبغزو لبنان ودخول بيروت عام 1982م، أي في غضون ثلاث سنوات فقط مِن توقيع معاهدة السلام مع مصر (مِن عام 1979م إلى عام 1982 م)؛ بالإضافة إلى تبني حكومة (مناحم بيجن) القيام بإجراءاتٍ عمليةٍ ترمي إلى الضم الفعلي للضفة الغربية.

تغير أوضاع المنطقة العربية:

شهدت أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات تطوراتٍ كبيرة، بعضها إقليمي وبعضها دولي، كان له انعكاساته الواضحة على المنطقة، منها:

- انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى).

- سقوط الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة.

- قيام الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر عام 1987م.

- إعلان الأردن في يوليو 1988م فك الروابط القانونية والإدارية مع الضفة الغربية.

 - انتهاء المقاطعة العربية لمصر، وعودة مصر لمقعدها في الجامعة العربية.

- غزو العراق للكويت و (حرب الخليج الثانية).

وزاد الأمر سوءًا تأييد ياسر عرفات لغزو العراق للكويت؛ مما أوقعه في عزلةٍ عربيةٍ في أعقاب تحرير الكويت.

 وقد وجدت أمريكا في سقوط الاتحاد السوفيتي فرصتها التاريخية في فرض نظامٍ جديدٍ تهيمن عليه، ووجدت في تردي الأوضاع العربية عقب حرب الكويت فرصة ملائمة للضغط على العرب ودفعهم للسلام مع إسرائيل فتقدمت بمبادرة لعقد مؤتمر مدريد.

التحرك السياسي الفلسطيني في الثمانينيات:

قامت منظمة التحرير عند إنشائها في الستينيات -كما في ميثاقها الوطني- على تبني الكفاح المسلح كوسيلةٍ لتحرير فلسطين، وكانت التسوية السياسية التي تدعو إليها المنظمة هي إقامة دولة علمانية في كافة الأراضي الفلسطينية بحدودها تحت الانتداب البريطاني، يعيش فيها المسلمون واليهود والنصارى على السواء في الحقوق والواجبات.

وفي السبعينيات ظهرت الدعوة إلى إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي أرض تتحرر مِن الاحتلال الإسرائيلي للوقوف في وجه الحلول الاستعمارية، وبالتالي اتباع سياسة دولية تمكِّن الشعب الفلسطيني مِن الاعتماد على نفسه وإقامة دولته على أرضه، ولفتح الطريق أمام إشراك منظمة التحرير في المساعي السلمية وافق المجلس الوطني الفلسطيني في 8 يونيو 1974م على فكرة إنشاء سلطة وطنية على أية أجزاء تتحرر مِن الأراضي الفلسطينية باعتبارها خطوة نحو إقامة الدولة الفلسطينية.

وفي المقابل كانت إسرائيل لا تعترف بالوجود الفلسطيني، ولا تعترف بمنظمة التحرير، وترى في الأردن -التي أعلن ملكها عبد الله (الأول) ضم الضفة الغربية إلى مملكة شرق الأردن بعد حرب 1948م- هي الوطن البديل للفلسطينيين، أو بتعبير آخر للاجئين العرب الذي تركوا أراضيهم في أعقاب حربي: 1948م و1967م، أي أن المشكلة الفلسطينية ما هي إلا مشكلة عرب لاجئين يمكن ضمهم للمملكة الأردنية، بينما كانت أمريكا تشترط على منظمة التحرير للمشاركة في أي مساعٍ دولية أن تعترف بوجود إسرائيل كدولةٍ، وقبول قرار مجلس الأمن رقم: 242، ونبذ العنف، أي عدم القيام بأي عملياتٍ عسكريةٍ ضد إسرائيل، في الوقت الذي كانت تتمسك فيه المنظمة برفض القرار: 242، وتجد صعوبة في التوصل لصيغة تشترك فيها مع الأردن في التفاوض بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة.

ولتحريك المواقف أعلن الملك حسين إنهاء روابط الأردن القانونية والإدارية مع الضفة الغربية في 31 يوليو 1988م، ليسقط بذلك أي خيارٍ سياسيٍ يقوم على التسوية للمسألة الفلسطينية على أساس تسوية إقليمية تعقد مع الأردن، وبالتالي إعطاء الفرصة لمنظمة التحرير لتتولى المسؤولية في مواجهة إسرائيل، حيث إن المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

وعليه أعلن المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعه في الجزائر في 15 نوفمبر 1988م قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس، ودعا المجلس إلى ضرورة عقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة وبمشاركة الدول دائمة العضوية لمجلس الأمن وكل أطراف النزاع بما فيها منظمة التحرير على أساس قراري مجلس الأمن: 242 و338، وحصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، خاصة حقه في تقرير مصيره وفقًا لمبادئ وأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ومبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، وبدأ التحرك السياسي لمنظمة التحرير على الساحة الدولية.

وأمام رفض أمريكا منح ياسر عرفات تأشيرة الدخول لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك -حيث مقر منظمة الأمم المتحدة- نقلت جلسات الجمعية في هذا العام -عام 1988م- إلى جينيف حيث ألقى عرفات كلمته في 13 ديسمبر 1988م مؤكدًا على قبول المنظمة للقرارين: 242 و338 ونبذ العنف، مما اعتبرته أمريكا كافيًا للدخول في حوار مع المنظمة، خاصة في ظل وجود الانتفاضة الفلسطينية من ديسمبر 1987م، والتي فشلت إسرائيل في إيقافها.

وظهرت المبادرات العديدة بدءًا مِن مبادرة (شولتز) الأمريكية في مارس 1989م، والتي رفضتها إسرائيل، إلى مبادرة (إسحاق رابين) في يناير 1998م، ومبادرة (شامير) في مايو 1989م، والخطة المصرية للسلام، والتي اختلفت الآراء في إسرائيل حولها، ثم خطة (جيمس بيكر) الأمريكية في أكتوبر 1989م، وكلها مبادرات تدور حول حكم ذاتي انتقالي ثم مفاوضات نهائية، على اختلاف حول التمثيل الفلسطيني في المفاوضات ووضع القدس وقيام دولة فلسطينية، ولكن سرعان ما توقف الحوار الأمريكي مع منظمة التحرير في يونيو 1990م عقب إحباط إسرائيل لعملية فدائية داخل إسرائيل رفضت بعدها منظمة التحرير طلب أمريكا لها بإدانة هذا العمل ومحاسبة المسؤول عنه.

دعوة أمريكا لمؤتمر للسلام:

- في أعقاب الأوضاع العربية المتردية وحالة الشعور بالإحباط التي تلت حرب تحرير الكويت، ومِن خلال تقويم أمريكي جديد لمواقف أطراف النزاع، رأت أمريكا أن الأوضاع مواتية للقيام بعملية للسلام، فهزيمة العراق وقبله سلام مصر مع إسرائيل يقلل مِن إصرار الدول العربية المتشددة على الحل العسكري للقضية الفلسطينية.

- ورفض عرفات إدانة غزو العراق للكويت أضر بصورته على الساحة الدولية، وأدى إلى تدهور علاقاته مع دول الخليج العربي، وفتور علاقاته مع الدول العربية الأخرى، كما أفقد الفلسطينيين موارد مالية كبيرة كانت تأتيهم مِن الحكومات العربية، ومِن الجاليات الفلسطينية التي كانت تعمل في دول الخليج واضطرت أعداد كبيرة منها إلى الرحيل عنها بعد الحرب؛ مما أدى إلى وقوع الفلسطينيين في عزلةٍ كبيرةٍ تجعل عرفات أكثر استجابة لأي ضغوطٍ عليه.

- وسقوط الاتحاد السوفيتي وخروجه مِن الحرب الباردة مهزومًا، أفقده الرغبة أو القدرة على مناصرة ودعم الأنظمة العربية المتشددة، بل إن روسيا تعاونت مع أمريكا في مواجهة صدام حسين.

- التقارب الأمريكي السوري وتحسن العلاقة بينهما بعد مشاركة سوريا في التحالف ضد صدام حسين، بل وإرسال قوات سورية للمشاركة في مقاومة غزو الكويت.

- اتباع إسرائيل لسياسة ضبط النفس، مع عجزها عن القيام بأي دورٍ علني في الحرب ضد العراق، رغم تساقط صواريخ صدام عليها وقت الحرب، مما يقلل مِن دورها كحليفٍ إستراتيجي لأمريكا في المنطقة، في الوقت الذي تحسنت العلاقات الأمريكية مع مصر والسعودية، فقررت أمريكا إعفاء مصر مِن ديونها العسكرية، وقامت أمريكا ببيع صفقة سلاح كبيرة للسعودية؛ مما يشجع على الضغط على إسرائيل تحقيقًا للمصالح الأمريكية المترتبة على دفع عملية السلام.

الجهود الأمريكية للحصول على موافقة كل الأطراف:

- أعلن جورج بوش في 6 مارس 1991م عن رغبته في تحقيق سلامٍ شاملٍ بيْن إسرائيل والعرب، وبين إسرائيل والفلسطينيين على أساس قراري: 242 و338، ومبدأ الأرض مقابل السلام لوضع نهاية للنزاع العربي الإسرائيلي.

- قام جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكية خلال عام 1991م بثماني رحلات إلى المنطقة للتوصل إلى اتفاق لبدء المفاوضات بشأن السلام.

- استجاب بيكر لشروط شامير المتشددة والمجحفة ثمنًا لقبول التفاوض، حيث اشترط أن يكون التفاوض مع وفدٍ أردني فلسطيني مشترك، فلا يكون للفلسطينيين وفد مستقلًا بذاته، وأن يشكَّل الوفد مِن شخصياتٍ مِن داخل الأراضي المحتلة وليس مِن خارجها، وألا يضم أحدًا مِن سكان القدس الشرقية، وأن يكون الاتفاق على مرحلتين مِن المفاوضات: الأولى حول فترة انتقالية مدتها خمس سنوات مِن الحكم الذاتي الفلسطيني، والأخرى بشأن الوضع النهائي للضفة الغربية وقطاع غزة، وتبدأ مفاوضاتها قبْل بداية السنة الثالثة مِن الفترة الانتقالية.

- وأن تكون المفاوضات في مسارين: أحدهما بيْن الدول العربية وإسرائيل، والآخر بيْن إسرائيل والفلسطينيين، مع عدم الربط بيْن المفاوضات الثنائية والمفاوضات المتعددة الأطراف الأخرى.

ملحوظة: تحرص إسرائيل على التفاوض مع كل طرف عربي على حدةٍ؛ لتنتزع مِن كل طرفٍ أقصى ما تستطيع الحصول عليه دون أن تتضامن هذه الأطراف مع بعضها البعض في مواجهة إسرائيل.

ولم تكن منظمة التحرير الفلسطينية في وضع يسمح لها برفض تلك الشروط القاسية؛ فقبلتها على أمل التمكُّن مِن تغييرها خلال عملية السلام.

ولطمأنة الأطراف المشاركة:

- أكدت أمريكا لإسرائيل على تلبية احتياجاتها الأمنية، والتزامها بتفوقها النوعي على جيرانها العرب، وبتحديد حدود آمنة قابلة للدفاع عنها مِن خلال المفاوضات المباشرة مع جيرانها.

- أكدت أمريكا لسوريا أن أمريكا ستظل ترفض الاعتراف بضم إسرائيل للجولان، وتعارض النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة وتعتبره عقبة في طريق السلام، وأنها مستعدة لتقديم ضماناتٍ بشأن الحدود التي سيتم الاتفاق عليها مع إسرائيل.

- وأكدت أمريكا للبنان أنها تؤيد قرار مجلس الأمن: (425)، وترى حق لبنان في الاستقلال ووحدة أراضيه ضمن حدوده الدولية المعترف بها.

- وأكد بيكر لفيصل الحسيني -الذي كان يتولى الاتصال معه نيابة عن منظمة التحرير الممثلة للشعب الفلسطيني- على أن عملية السلام تقوم على أساس قراري مجلس الأمن: 242 و338، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وأن الوضع النهائي للقدس يتقرر مِن خلال المفاوضات النهائية، وأن أمريكا لا تعترف بضم القدس الشرقية أو توسيع حدودها البلدية، وأن للفلسطينيين الحرية في إثارة أي مسائل ومناقشتها في مفاوضات الوضع النهائي، مع معارضة أمريكا للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة عام 1967م باعتباره عقبة في طريق عملية السلام.

 وقد ناقش المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في 28 سبتمبر 1991م الأمر، ووافق على المشاركة في عملية السلام رغم معارضة فصائل فلسطينية متعددة، ورفض حماس لعملية السلام.

وفي30 أكتوبر 1991م افتتح مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط بمشاركة الأطراف العربية وإسرائيل إلى جانب أمريكا وروسيا وممثل عن الجماعة الأوروبية.

وفي ديسمبر 1991م بدأت المفاوضات العلنية الصعبة في واشنطن والتي امتدت لعشر جولات في أكثر مِن عامين، ولم تحقق المطلوب منها، ولكن الجولة الأخيرة لم تكتمل؛ بسبب الإعلان عن التوصل إلى مبادئ للمرحلة الانتقالية بيْن إسرائيل والفلسطينيين، طبقًا لما كان مقررًا مِن خلال مفاوضات سرية بيْن الطرفين أجريت في (أوسلو).