د. ياسر برهامي - تأملات في حجة الوداع (17) - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2018-11-15 18:09:44

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أمور الجاهلية التي نهى عنها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومِن أمور الجاهلية التي وَضَعَها النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأبْطَلَها في خطبته في حَجَّة الوَدَاع: الأربعة المذكورة في حديث أبي مالك الأشعري في صحيح مُسْلِمٍ: (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ) وَقَالَ: (النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ) (رواه مسلم). أي: تلبس ثوبًا مِن جَرَب؛ تَحُكُّ جَسَدَها بسبب النِّيَاحَة.

وهذا الحديث يدل على أن مِن خصال الجاهلية ما يُجامِع أصلَ الإسلام؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخبر أن هذه الأمور الأربعة في أُمَّتِه، وأن الأُمَّة لن تتركها، أي: ستظل طائفة منها تفعلها وهي ضمن الأمة، وإن كان بعض هذه الخصال قد يوجد فيه أنواعٌ تُنَاقِضُ أصلَ الإيمان، كما سيأتي بيانه في الاستسقاء بالنجوم، وكذا في الفخر بالأحساب؛ إلا أن الأغلب الأعم منها هو مِن المعاصي والذنوب، وبعضها مِن الكبائر، ثم إن ما كان مِن جاهلية الكفر الأكبر منها فانتسابُ فَاعِلها إلى الأُمَّة هو باعتبار حَالِه السابق على فعله ذلك قبْل خروجه مِن المِلَّة، أو باعتبار استمرار انتسابه للأُمَّة رغم فعله وقوله واعتقاده الكفر نفاقًا وزندقة، كما قال -تعالى- عن المنافقين: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (النساء:88-89)؛ فوَصَفَهم بالكُفر وأَمَر بقتالهم ونهى عن الاختلاف فيهم؛ وذلك لأنهم أظهروا نِفاقَهم الأكبر والكفر الأكبر، وظَلُّوا ينتسبون إلى الإسلام مع ذلك؛ فصَحَّ أنهم منافقون، وأنهم قد كفروا.

لكن يَظَلُّ الأغلب الأعم في هذا الحديث: أن هذه الأمور مِن جنس المعاصي والذنوب، وليست تُخْرِج من المِلَّة، وهذا مِن أهم الردود على مَن يَستغل لفظَ الجاهلية بمعنى الكُفر دائمًا، ويصف المجتمع بأنه جاهلي لوجود بعض صفات الجاهلية، ويُعامِل أهلَه مُعامَلة الكفار، أو يتوقف فيهم فلا يحكم لهم بإسلام ولا كفر؛ مما ترتب عليه ما هو مِن أعظم أمور الفتن.

ومعنى الفخر بالأحساب المذكور في الحديث: ذكر مآثر الآباء والأجداد، والتعالي بذلك على الناس، كمَن يفتخر بأن أجداده كانوا يُطْعِمون الطعام، أو كانوا سَدَنة البيت، أو كانوا سَدَنة الأوثان، وفي زماننا هناك مَن يَفتخر بالفَرَاعِنَة، بل بعضهم يقول: "لو تَعارَضَت الفِرْعَوْنِيَّة مع الإسلامية قَدَّمْنَا الفرعونية!"، وهذا نفاقٌ أكبرٌ بَيِّنٌ -والعياذ بالله-، وهذا مما يدخل في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعْضُوهُ بِهِنَّ أَبِيهِ، وَلا تُكَنُّوا) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني). أي: يجعلهم الله أهون عليه مِن الخنافس والحشرات التي تدفع بأنفها النجاسات؛ والناس قد فَطَرَهم اللهُ على أن لا يَعبأوا بهذه الحشرات في قَتْلِها وإزالتها لِهَوَانِها.

والمعتاد في مثل هذا الأمر أن يكون صاحبُه إنما يفتخر بأفعال الآباء والأجداد مِن الكفار -كنحو العمارة والبناء وبعض صور الحضارة- دون أن يُصَوِّب مِلَّتَهم؛ فأما مَن صَوَّب مِلَّتَهم -كمَن قال: "نُقَدِّم الفرعونية على الإسلام!"، ويرى أن حضارتهم أعظم مِن حضارة الإسلام وما جاء به!-؛ فهذا كُفرٌ، وكما كان بعضُ المنافقين يفتخرُ في أشعارٍ قالها المشركون في جاهليتهم قبل أن يُسْلِموا مفتخرين بما فعلوه يوم أُحُد، فافتخر به البعضُ لَمَّا وَقع ما وَقع في يوم الحَرَّة -روي ذلك وإن لم يثبت والله أعلم-، كمن تَفَاخَر بقول عبد الله بن الزِّبَعْرَى:

لَـيـْت أَشْيَاخِـي بِـبَـدْرٍ شَهـِـدُوا                        جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْـعِ الْأَسَـلْ

حِـيـنَ حـَكـَّـتْ بـِقُبـَـاءٍ بَـرْكـَهَـا                       وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عَـبْدِ الأَشـَلْ

ثمّ خـفّـوا عِــنـْـد ذَاكُـمْ رُقَّصـًـا                       رَقصَ الْحَفَّانِ يَعْلـُو فِي الْجَبَـلْ

فَقَتَلْنَا الضِّعْــفَ مِنْ أَشْـرَافِهِـمْ                       وَعـَـدَلْنَا مَيـْـلَ بَـدْرٍ فـَاعْــتَــدَلْ

فمَن افتخر بمثل هذا الشعر -إن صَحَّ افتخاره به- بما جرى مِن قَتْل الأنصار يوم الحَرَّة فهو أيضًا -والعياذ بالله- مِن الكفر؛ فإنه يُصَوِّب ما فعله أجدادُه الكفار، لكن ما يقع مِن المسلمين في ذلك فهو دائمًا مِن جنس المعاصي والذنوب حين يذكرون الاستعلاء بفضائل آبائهم وأجدادهم دون عملهم، وذلك مخالف لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) (رواه مسلم).

وأما الطعن في الأنساب فإنه منتشر انتشارًا شديدًا في الجاهلية، وكذلك في الإسلام، حين يَطعن الإنسان في نَسَب من يُخاصِمهم ويَنتقصهم، وأشد ذلك أن يتهمهم بالزنا والفاحشة؛ مثل مَن يقولون: "فلان ابن حرام!"، وصار هذا في زماننا أمرًا مَعهودًا عند الفُسَّاق، وربما قَصَد بعضُهم مَهَارَتَه في فَنٍّ مُعَيَّن فيقول: إنه "ابن حرام!"، مِن كَثْرَة ما تَعَوَّدوا عليه في شتائمهم وسِبابهم، وقد وَصَل بالبعض أن يُحَيّي بعضُهم بعضًا في أول النهار بِسَبِّ أُمِّه وأبيه، فيقول: يا ابن فلانة الزانية، وهم يَتَضَاحَكون! مما يُوجِب بذلك حَدَّ القذف، إلا أن يأتي بأربعة مِن الشهود العُدُول يشهدون بأنها قد زَنَت أمام أعينهم، وأنَّى له بذلك! ربما كانت أُمُّه قد ماتت ومات أبوه! نعوذ بالله مِن ذلك.

ومِن الطعن في الأنساب: تَبَرُّؤ بعض الآباء مِن نَسَب أبنائهم ونفيهم لمجرد الشك، أو لمجرد وجود شَبَهٍ مُخَالِف، كما كان أهل الجاهلية يطعنون في نسب أسامة بن زيد مِن أبيه؛ لأن أسامة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان شديد السواد، وأباه زيد بن حارثة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان أبيضَ، وقد بَيَّنَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِثل ذلك لرجلٍ جاء يُعَرِّض بنفي وَلَدِه لاختلاف لونه، كما روى أبو هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ! فَقَالَ: (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (مَا أَلْوَانُهَا؟) قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: (هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَأَنَّى ذَلِكَ؟) قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ؛ قَالَ: (فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ) (متفق عليه). أي كان في بعض الأجداد هذا اللون، فأَثَّر على هذا الولد.

وأما الاستسقاء بالأنواء -وهي النجوم، جمع نَوْء، والنَّوْء هو النجم-: فقد كان مِن اعتقادات أهل الجاهلية أن النجوم هي التي تُنزل المطر، وما زال في مجتمعاتٍ كثيرةٍ مِن الوثنيين مِن البوذيين والكونفوشيوس والمشركين الوثنيين يقولون: "هذا عام النجم الفلاني!"، وينسبون نزول الأمطار إلى الكواكب، وكذا كان هذا في الهندوس واليونان القدماء والرومان والفراعنة، والمشركون مِن قريش أخذوا وضاهوا هؤلاء؛ فكان الاستسقاء بالأنواء والنجوم على ذلك.

فمن اعتقد أن النجم يُنزل المطر ويُنشِئه -مع الله، أو مِن دون الله- فهو شرك أكبر؛ فمَن قال: "مُطِرنا بنوء كذا وكذا" معتقدًا هذا الاعتقاد فهو كافرٌ بالله، مؤمنٌ بالكوكب، وكفره كفرٌ أكبر، كما في الصحيح عن زيد بن خالد الجهني -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) (متفق عليه).

وأما مَن اعتقد أن الله جعل النجم سببًا لنزول المطر -فهو يؤثِّر بإذن الله، وأن الله هو الذي ينزل المطر، لكن جعل النجم سببًا- فهذا شركٌ أصغر؛ لأنه كَذِبٌ على الشرع وعلى القدر، وكل مسائل الأسباب كذلك؛ لابد أن يكون السبب إما شرعيًّا بدليلٍ مِن الشرع، أو كونيًّا دَلَّت عليه السُّنة الكونية التي يَعرفها المؤمن والكافر، والبَرُّ والفَاجِر بالتجربة، فأما إذا لم يُعرف ذلك؛ فادِّعاء أن شيئًا ما سببٌ لشيءٍ آخر دون دليلٍ كذبٌ على الشرع وعلى القدر، وهو ذريعة إلى الشرك، ومشابهةٌ لأهل الشرك في ألفاظهم، ويكون شركًا أصغر.

وأما مَن اعتقد أن الله يُنزل المَطَر لكن النَّوْء علامة؛ فهو ليس سببًا، ولكن جَرَت العادةُ بأنه عند ظهور النجم الفلاني يَنزل المطر، ومِن هذا ما يسميه الناس في أزماننا: "النَّوَّات"؛ فإنما يقول أكثرُهم إن ذلك عادةٌ جَرَت؛ لأنه في التاريخ الفلاني -وقد غاب عن الناس علم النجوم، لكن التاريخ صار محفوظًا- يقولون هذا نوء كذا، فقد قال بعضُ أهل العلم إن هذا مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ، وقال بعضُهم مكروه كراهة تحريمٍ، وهو الراجح.

وأما إذا قصد بالنوء الرياح وسَمَّاها بأسماء مُعَيَّنة دون قصدٍ، ولم يسمِ النَّوْء؛ فمثل هذا لا يظهر تحريمه.

فالاستسقاء بالأنواء على ثلاث مراتب:

- المرتبة الأولى: مرتبة الشِّرْك الأكبر، وهو أن يعتقد أنها تُنشِئ المطر وتُنزله -مِن دون الله مِن قِبَل نفسها أو مع الله-، أو يدعوها -أي: النجوم- لتُنزل ذلك؛ فهذا مُخْرِجٌ مِن المِلَّة.

- المرتبة الثانية: أن يعتقد أنها سببٌ -جعلها الله كذلك-؛ فهذا شِركٌ أصغر، وكَذِبٌ على الشرع والقَدَر.

- المرتبة الثالثة: وهي المُخْتَلَف في حكمها، أنه إذا قال: "مُطِرنا بِنَوْءِ كذا وكذا" على سبيل العلامة والتوقيت والعادة؛ فبعض أهل العلم قال إنه مكروهٌ تحريمًا، وبعضهم قال تنزيهًا، والصحيح التحريم.

أما النِّيَاحَة فهي: الصياح على الميت بتعديد مَنَاقِبه وآثاره، والدعاء بالويل والثُّبور عند فَقْدِه، كمَن تقول: "يا ويلي، يا خرابي، يا لهفي، يا أسدي، يا كَسْبِي، مَن لنا بعدك؟ وإلى مَن تتركنا؟ مع الصياح والبكاء ورفع الصوت، والتَّكَلُّم بالكلام المنكر عند الموت؛ وكل هذا مِن النياحة المُحَرَّمة، بل هي كبيرةٌ مِن الكبائر؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ) (رواه مسلم)، والقَطِران يَزداد اشتعالًا في النار، والجَرَب يَحُكُّ جسمها كما لَطَمَت خَدَّها وشَقَّت جَيْبَها، والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) (متفق عليه)، كالألفاظ التي سبقت.

وأما البكاء المُجَرَّد -بِدَمْع العين مع حزن القلب- دون تَلَفُّظٍ بألفاظٍ مُنْكَرَة، ولا أفعال مُنْكَرَة ولا صِيَاحٍ؛ فليس مُحَرَّمًا، بل هو مِن الرَّحمة التي جَعَلَها اللهُ في قلوب عِبَادِه، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ) (متفق عليه)، قاله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عند موت ابنه إبراهيم.

وأما إذا تَكَلَّمَت النائحةُ -أو غيرُها- بالكُفْرِ أثناءَ النِّيَاحَة والصِّيَاح مما فيه سبٌ لقَدَرِ الله واعتراض عليه، أو يسبون الله الذي فعل ذلك، أو يتهمونه بالظلم -سبحانه-؛ فإذا تلفظوا بذلك؛ فهذا كفرٌ ناقلٌ عن المِلَّة.

نسأل الله أن يُعِيذَ المسلمينَ ويُنَجِّيهِم مِن الجَاهِلِيَّةِ كُلِّها.