جمال فتح الله عبدالهادي - أنا الملك! - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ) (متفق عليه).

وقال أبو هريرة: "القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده".

والقلب: الملك المستعمل لجميع آلات البدن، والمستخدم لها؛ أشرف الأعضاء على الإطلاق، وجميع أعضاء البدن وأجزائه وأبعاضه جنود تابعة لهذا القلب، فإذا كان القلب صالحًا بما فيه مِن الإيمان علمًا وعملًا قلبيًّا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد.

قال ابن القيم عن أعمال القلوب: "هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبع ومكملة ومتممة، والنية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فموات، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية فحركة عابث. فمعرفة أحكام القلوب أهم مِن معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها، وأحكام الجوارح متفرعة عليها".

وقال شيخ الإسلام: "ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب؛ والإيمان أصله في القلب، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإذا كان الإيمان في القلب، فقد صلح القلب، فيجب أن يصلح سائر الجسد، فلذلك هو ثمرة ما في القلب؛ فلهذا قال بعضهم: الأعمال ثمرة الإيمان.

وإذا أفرد الإيمان أدخل فيه الأعمال الظاهرة؛ لأنها لوازم ما في القلب؛ لأنه متى ثبت الإيمان في القلب والتصديق بما أخبر به الرسول وجب حصول مقتضى ذلك ضرورة، فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا ثبت التصديق في القلب لم يتخلف العمل بمقتضاه ألبتة، فلا تستقر معرفة تامة ومحبة صحيحة، ولا يكون لها أثر في الظاهر؛ ولهذا ينفي الله الإيمان عمَن انتفت عنه لوازمه، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، كقوله -تعالى-: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء) (المائدة:81)، فالظاهر والباطن متلازمان، لا يكون الظاهر مستقيمًا إلا مع استقامة الباطن، وإذا استقام الباطن فلابد أن يستقيم الظاهر".

وقال الحافظ ابن رجب: "القوم إذا صلحت قلوبهم فلم يبقَ فيها إرادة لغير الله صلحت جوارحهم، فلم تتحرك إلا لله -عز وجل-، وبما فيه رضاه".

وقال أيضًا: "ويلزم مِن صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح".

وبعض مَن نقص علمه قد يظن أن هناك انفصالًا بيْن صلاح القلب وصلاح العمل الظاهر، وقد يستدل بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (التَّقْوَى هَاهُنَا) وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم)، وهذا فهم خاطئ للشريعة، وإنما يدعو إليه أحد أمرين: إما الجهل، وإما الهوى.

والواجب علينا أن نعلم: أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن صلاح الباطن يؤثِّر في صلاح الظاهر، وكلما ازداد صلاح الباطن كان ذلك زيادة في صلاح الظاهر.

ومما يدل على هذا الترابط أيضًا: حديث أبي هريرة رضي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) (رواه مسلم).

فيجب على المسلم أن يهتم بصلاح قلبه، فيتفقده دائمًا، ويتجنب ما قد يعرض له مِن المفسدات؛ سواء أكانت مِن الشبهات أم مِن الشهوات؛ وذلك لأنه إذا صلح القلب تبعته جميع أعضاء البدن، كما ينبغي على الدعاة والمعلمين أن يهتموا بإصلاح قلوب العباد، فإنها إذا صلحت استجاب الناس لشريعة الله، ورغبوا فيما عنده.

ومما يعين على صلاح القلب: التضرع إلى الله -تعالى-، واللجوء إليه، وكثرة الدعاء؛ قال -تعالى- مخبرًا عن دعاء عباده الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8).

وكان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) (رواه مسلم)، وكان -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم أصحابه -رضي الله عنهم- أن يدعوا بهذا الدعاء: (وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

فنسأل الله أن يصلح قلوبنا.