صبري سليم - هوان المسلمين (1) - بوابة الفتح الالكترونية
صبري سليم
2018-09-04 16:53:50

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد هان المسلمون على الدنيا حتى أصبحوا مِن الهوان بما لم يعد يأبه بهم أحد؛ سقطت هيبتهم التي كان الله -تعالى- قد ألبسهم إياها لما أحسنوا توحيد الله والاعتصام بحبله المتين، وأصبحت كثرتهم لا تغني عنهم شيئًا "غثاء كغثاء السيل"، نزع الله الهيبة مِن قلوب أعدائهم لهم، وسلط عليهم حب الدنيا وكراهية الموت، عجزوا عن جهاد أنفسهم فكانوا عن جهاد عدوهم أعجز، وهانوا تبعًا لذلك على حكامهم وعلى الناس؛ فأصبح هؤلاء الحكام لهم جلادين وظلمة ومستعبدين، ولصوصًا يأكلون أرزاقهم ويضربون أبشارهم، ويقيدون حريتهم.

وهانوا على الله -عز وجل- فتركهم لأعدائهم وسلط عليهم حكامهم، ونزع البركة مِن بلادهم وأرضهم وسلط عليهم هذه النماذج مِن سيول وأنفلونزا طيور، وحرائق وحوادث، إلخ، والنَّاس لا يريدون أن ينزعوا ما هم عليه مِن شر ولم يتفطنوا أن الله مالك الملك ومالك الملوك، وأن العباد إذا أقبلوا على الله -عز وجل- أصلح لهم حكامهم وولى عليهم حلماءهم، وأن العباد إذا فروا مِن الله وأغضبوه، وهجروا تعاليمه واستخفوا بدينه؛ سلط عليهم أعداءهم، وسلط عليهم حكامًا لا يخافون الله ولا يرقبون في المسلمين إلًّا ولا ذمة، وجهلوا أن البركة مِن الله -تعالى-.

وكم حذرهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- مِن معاصٍ معينة توعدهم إن هم ارتكبوها أن تنزع البركة مِن أعمالهم ومِن أرزاقهم، وهوان المسلمين على الله وعلى الناس في الخارج والداخل قد ابتلوا بمثله سلفًا، فكم مرت بالمسلمين مِن أزمات وأعاصير، وكم اجتاح بلادهم مِن طوفان مرات مِن الصليبية الحاقدة التي ما تعرف ربًّا ولا دينًا، وإن زعمت أنها على دين نبي كريم، وسلط عليهم مرات أخرى مجموعات مِن البشر الهمج الذين كانوا يعرفون بالتتار؛ استباحوا بيضتهم، واحتلوا مركز الخلافة مِن بلادهم، وعثوا في أرضهم فسادًا.

واجتاز المسلمون تلك المحن واجتازوا مِن قبلها محنًا أخرى، وسوف تجتاز هذه المِحنة ولابد؛ لأن هذا وعد الله -عز وجل-، لكنها طالت هذه المرة؛ لأن المسلمين في الحقيقة تغيروا عما كانوا عليه فيما سلف، لقد احتلت بلادهم وسلط الله عليهم أراذل خلقه فساموهم سوء العذاب، واستخفوا بالناس واستحلوا الدماء، ونهبوا الأموال، من الهوان والمذلة أن تتحكم فينا دويلة لا تذكر مثل أثيوبيا في موارد مياهنا، لكن المسلمون كانوا في هذه المحن القاسية يستمسكون بعزة الإسلام رغم أنهم كانوا محتلين، وأن المحتل لهم فعل بهم الأفاعيل، لكنهم كانوا على عقيدة لا يختلفون عليها، وكانوا على منهج يعلمون أنه الحق، كانوا ليس عندهم أدنى شك أن الاسلام هو الدين الحق، وكانوا ما يتشككون أن هؤلاء الهمج الغالبين سواء كانوا مِن عُبَّاد الصليب أو كانوا من عُبَّاد أهوائهم ليس معهم مِن الحق شيء؛ إنما هم ظلمة بغاة، وأن الحق كله في جانب المسلمين، لم يكن الإسلام في نفوسهم في ذلك الوقت مجالًا للاختبار ولا للتجربة، إنما كانوا يعلمون أن الإسلام هو الدين الحق وأنهم رغم ذلتهم فهم على الدين الحقيقي، وأن أعداءهم رغم كثرتهم وعلوهم فهم كفرة ليس معهم مِن الحق شيء.  

أصبح المسلمون لا أقول فقط ينظرون إلى دينهم بريبة، إنما أصبح الدين منحى في حياتهم تمامًا، فالدين لا يعرفه الجالسون على مقاعد الحكم وما تعرفه مؤسسات الدول، فكلً في جانبٍ والدين في جانبٍ، واهتزت القيم في نفوس الناس؛ ذلك لأن المستعمرين لبلادهم أفسدوا عقيدتهم، وغزوهم غزوًا ثقافيًّا وفكريًّا، وسلطوا عليهم ناس مِن بني جلدتهم ينتسبون إلى الإسلام بالاسم فقط، وما منهم إلا يغيروا أسماءهم إلى أسماء الكفرة وقد أصبحوا منهم؛ إلا أنهم يريدون الكيد لهذا الدين وإلى أهله، وجعلوهم أصحاب الفكر وأصحاب التوجيه في بلاد المسلمين.    

فما تكاد ترى في مراكز الإعلام والتعليم والمؤسسات التي لها دور كبير في تنشئة الأمة وتربية الأجيال إلا رأيت على رأسها مِن هؤلاء مَن بقيت أسماؤهم إسلامية والدين منهم برآء، ليس عندهم حتى ولاء لوطنهم الذي أكلوا خيره وأنكروا فضله، هؤلاء أفسدوا على المسلمين دنياهم تمامًا، واهتزت القيم اهتزازًا شديدًا، واستمرأ المسلمون الذلة والهوان مِن كثرة ما عاشوا فيه كبني إسرائيل مِن قبل، الذين استزلتهم الفراعنة يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم ويفسدون عليهم حياتهم.

للأسف الشديد أصبح المسلمون في موقف لا يحسدون عليه؛ ليس فقط لأنهم هانوا على أعدائهم في بلاد الكفر فقتلوهم وشردوهم، وليس كذلك فقط لأنهم سلطوا عليهم حكام ظلمة لا يعرفون دينًا ولا خُلُقًا، ولا وطنية؛ فهذه أمور كلها يمكن أن تُستدرك، ولكن الأمر خطير مردوا على الذلة والهوان، أسلموا أنفسهم لغيرهم كأنهم قدر لا يُقاوم، ورضوا بالذلة والمهانة، وتنازلوا عن عزة الإسلام!

وهذه أخطر محنة تمر بالمسلمين، وقد سبق للمسلمين أن اقتطعت مِن بلادهم جنة أرضهم وهي الأندلس، وسبق للمسلمين -وما يزال- إن سلبت منهم قطعة مِن أراضيهم، ومقدس من مقدساتهم "وهو بيت المقدس"، وسبق لهم أمور أخرى كثيرة، هذا كله سبق للمسلمين، لكن قد بقي للمسلمين شيء هو الذي جعل المحن لا تثقل وطأتها ولا تطول مدتها؛ ألا هي عزة المسلم بدينه واعتزازه بعقيدته ودينه هو الحق هو الذي شرعه الله -عز وجل- وهو ناصره.

اللهم أعز الاسلام والمسلمين.

وللحديث بقية -إن شاء الله تعالى-.