أسامة شحادة - عِبر مِن قصص الأنبياء (4) - بوابة الفتح الالكترونية
أسامة شحادة
2018-09-03 17:46:55

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ب- نوح -عليه السلام-: 

تميزت سيرة نبي الله نوح -عليه السلام- بكونها تجربة دعوية طويلة (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) (العنكبوت:14)، قضاها -عليه السلام- بدعوةِ قومه بكل طريقة ووسيلة (رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) (نوح:5-9).

وفي هذه المرحلة الدقيقة مِن حياة أمة الإسلام كم نحتاج إلى تفعيل عبادة الدعوة إلى عبادة الله -عز وجل- وهداية الناس لرحمة الله -عز وجل-، والسعادة في ظل شريعة الرحمن، والخروج مِن ظلمات الجاهلية المعاصرة وقيود الحداثة العلمانية.

وفي ظل محاصرة المنابر الدعوية الإعلامية والعبث بمناهج التعليم، ومحاصرة دور المساجد والمحاضن التربوية، فإن واجب الدعوة الفردية للأهل والأصدقاء والزملاء، وعبْر الوسائل الحديثة يتعاظم ويتضاعف، وهذا أصلًا مِن أعظم الأبواب الموصلة لرضا الله -عز وجل- ونعيمه (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) (فصلت:33).

فلنحرص جميعًا على تعاهد أسرنا الضيقة والواسعة، ودائرة الزملاء والأصدقاء بالرسائل والمقاطع الدعوية والعلمية المناسبة لأعمارهم وأحوالهم، واستغلال مواسم الخير والطاعات بتذكيرهم بها وحثّهم على استثمارها وتبصيرهم بخطر المعاصي والمنكرات بعامة، والتركيز على تفصيل ما يشيع بينهم وحولهم منها، وليكن نوح -عليه السلام- أسوة لنا بطول النفس والصبر على دعوتهم، وتنويع الأساليب والأدوات في دعوتهم، حتى نحصّن أمتنا ومجتمعنا مِن طوفان الشهوات والشبهات الزاحفة.

ومِن عِبر قصة نوح -عليه السلام- أن تشكيكات المنكرين والجاحدين لأنوار النبوة والوحي اليوم هي هي منذ ذلك الزمن القديم! فقد رفض زعماء وكفار قومه رسالته ونبوّته؛ لأنه بشر مثلهم! (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) (هود:27).

ولليوم، فإن في الملاحدة والكفار المنكرين لنبوّة محمد -عليه الصلاة والسلام- مَن يبررون كفرهم بأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بشر مثلنا، فلِم نطيعه ونصدقه؟! وبعضهم مِن دعاة العقلنة والفهلوة يبرر كفره وإلحاده بالزعم بأن الملتزمين والمتديّنين هم مِن السذّج والبُلْه!

والطعن في بشرية الأنبياء مناقض للعقلانية الحقة؛ فهل سنرفض كل ما جاء به البشر مِن العلوم والمعارف لأنهم بشر؟! أليس هذا هدمًا للحضارات والمدنية التي عرفتها البشرية في مسيرتها؟! فكون الأنبياء بشرًا ليس فيه مطعن عند العقلاء.

والسبب في تشابه تبريرات الكفار لكفرهم عبْر التاريخ أن معلمهم واحد، وهو إبليس وأعوانه: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (سبأ:20)، فعلى أهل الإيمان التنبه إلى فساد تشكيكات الكفار تجاه الإيمان بالله -عز وجل- ورسله وأنبيائه، وأنها افتراءات فاشلة ومتكررة عبْر التاريخ، وهي مِن وحي الشيطان مهما زخرفوها بالعبارات العصرية والمصطلحات البراقة.