د. علاء بكر - بناء حائط الصواريخ (أيقونة الصمود والتحدي بعد هزيمة 1967م) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2018-08-25 16:29:35

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جاءت عملية إعادة بناء مواقع الصواريخ المصرية غرب قناة السويس بعد هزيمة يونيو 1967م المريرة، وما ترتب عليها مِن استعادة قدرة الجيش المصري على التصدي مِن جديدٍ للطيران الإسرائيلي رمزًا على قوة وصلابة المقاتل المصري، الذي تعرض لظروفٍ صعبةٍ للغايةٍ في مواجهة عدوٍّ حقق نصرًا كاسحًا.

لقد كانت هزيمة يونيو 1967م نقطة سوداء في تاريخ العسكرية المصرية؛ إذ أدى عدم وضوح الرؤية للموقف السياسي، مع التردد بيْن الهدف السياسي والهدف العسكري إلى حشد ما يقرب مِن مائة ألف جندي في شبه جزيرة سيناء دون أن تكون لهم أي مهامٍ محددةٍ! وكانت النتيجة الطبيعية الهزيمة التي تمتْ.

ولقد "انتهت كارثة يونيو 1967م بخسائر جسيمة في المعدات؛ إذ فقدت جميع الوحدات والتشكيلات التي كانت في سيناء كل معداتها تقريبًا؛ إما نتيجة للقتال المباشر مع العدو، أو نتيجة لتدميرها لمنع وقوعها في يد العدو؛ لعدم القدرة على نقلها، ولعدم توفر الوقت اللازم؛ لذلك أصبح لا يتوافر لدى القوات المسلحة المصرية أي معدات ثقيلة: كالمدفعية والدبابات تجابه بها العدو".

"لقد تأكدت إسرائيل في اليوم الثالث للقتال مِن أنها دمرت القوات المسلحة المصرية، وأن القوات المصرية التي انسحبت إلى غرب القناة في هيئة فلول لم تحمل معها مِن أسلحتها إلا الأسلحة الخفيفة، وفي ضوء ذلك قدرت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن مصر أمامها لتستعيد موقفها العسكري ما لا يقل عن عشر سنين".

وفقدت المدفعية المصرية تقريبًا معظم وحداتها المضادة للطائرات، وأجهزة الرادار التي كانت في سيناء؛ إذ عاد الكثير مِن الوحدات بدون معدات، في حين عاد البعض ببعض قطعٍ مِن المدفعية المضادة للطائرات، أما أجهزة الرادار وهي العصب الرئيسي لوحدات المدفعية المضادة للطائرات فكانت الأهداف الأولى لهجمات العدو الجوية، وما نجا منها لم تتمكن الوحدات مِن سحبه للخلف لثقلها، وحاجتها إلى وقت طويل نسبيًّا لتجهيزها للتحرك، ولم تيسر ظروف الانسحاب ذلك الوقت للوحدات؛ هذا بالإضافة إلى ما فقد مِن وحدات الصواريخ الموجهة م / ط أرض – جو؛ لعدم القدرة على سحبها للخلف مِن سيناء، أو ما فقد كنتيجةٍ مباشرةٍ لهجمات القوات الجوية الإسرائيلية عليها خلال أيام القتال.

حالة الدفاع الجوي المصري قبْل حرب 1967م:

كان الدفاع الجوي المصري يتكون مِن:

1- وحدات مِن المدفعية المضادة للطائرات مِن أعيرة مختلفة، تتدرج مِن الرشاشات 7و12 مم إلى المدفعية المتوسطة عيار 100مم، منتشرة في جميع الوحدات مِن مستوى كتيبة المشاة فأعلى، وكان جزء كبير منها مخصص للدفاع عن الأغراض الحيوية: كالمدن الكبرى، والمناطق الصناعية، والمواني المهمة، والكباري والقناطر، والخزانات والسدود؛ بالإضافة إلى الدفاع عن القواعد البحرية والجوية، والمواني والمطارات.

2- وحدات صواريخ "أرض / جو" مِن نوع (سام 2) معدل، تتمثل في 30 كتيبة تقوم بالدفاع عن منطقة القناة والقاهرة وشمال الدلتا، والإسكندرية وأسوان.

3- المقاتلات التابعة للقوات الجوية.

وكانت خطة الدفاع الجوي موضوعة بالتعاون مع المقاتلات، وتتبع جميع عناصر الخطة لقيادة قائد القوات الجوية والدفاع الجوي، فهو قائد القوات الجوية الذي يسيطر على عمليات المقاتلات، وهو الذي يقود المدفعية والصواريخ عن طريق قيادة شكلت لهذا الغرض باسم (قيادة مدفعية الدفاع الجوي).

دور الدفاع الجوي في حرب 1956م:

يُذكر للمدفعية المصرية المضادة للطائرات دورها الكبير في التصدي -رغم قلتها- لطائرات إنجلترا وفرنسا وإسرائيل في حرب 1956م، حيث كانت تدافع عن القوات البرية أثناء انسحابها مِن سيناء، فأدت دورها بنجاحٍ؛ مما ساهم في صلابة القوات البرية في القتال وفي الانسحاب مِن سيناء، كما أنها لم تمكِّن طائرات العدو مِن تدمير المعابر التي أقيمتْ على قناة السويس أثناء انسحاب القوات البرية إلى غرب القناة، فعبرت القوات البرية بنجاحٍ إلى غرب القناة، ومنعت تقدم القوات الإنجليزية والفرنسية مِن بورسعيد إلى الإسماعيلية، كما نجحت في الدفاع عن قاعدة الإسكندرية البحرية ومينائها، ولم يصب في هذه الحرب أي غرضٍ مِن الأغراض الحيوية السياسية والاقتصادية والعسكرية التي كانت تقوم بالدفاع عنها؛ حققت هذا النجاح رغم تخلفها وقتئذٍ عن الطائرات التي تعاملت معها مِن أنواع: "كامبيرا – ومستير - وسوبر مستير - وسي فينرم"، ويرجع هذا النجاح إلى أن رجال هذه المدفعية كانوا قد تمرسوا على هذه المدفعية خلال الحرب العالمية الثانية، وسبق لهم التصدي لهجمات دول المحور على مصر في هذه الفترة، فبلغوا درجة عالية في استخدام هذه المدفعية وتطويرها.

ورغم أن هذه الوحدات ظلت على ما هي عليه فلم تزد شيئًا مِن بعد الحرب العالمية، لكن جاء نجاحها في حرب 1956م؛ بسبب الأساس السليم الذي بنيت عليه، وبسبب كفاءة أفرادها.

وقد استفادت قيادات إسرائيل العسكرية مِن دروس حرب الصحراء 1940م -1945م، ومِن حرب سيناء 1956م؛ إذ تبيَّن لها أن أسس بنائها للجيش الإسرائيلي سليمة، وأن المطلوب منها إيجاد حالة مِن التفوق النوعي على الدول العربية، والتركيز في معارك الصحراء على الدبابات والطائرات، خاصة وأن مسرح قتالها مع الدول العربية -خاصة مصر- غالبيته مسرح صحراوي، وأن قواتها لا يمكنها العمل دون غطاء جوي للوقاية مِن القوات الجوية المعادية، فخططت على أساس الحصول على السيادة الجوية.

وعلى ذلك بدأت إسرائيل تعمل وبجد على تقوية قواتها الجوية، وبناء صناعة للطائرات معتمدة على خبرة تكنولوجية وإن كانت محدودة، مع مراقبتها المستمرة للتطور في وسائل الدفاع الجوي المصري، فتعاقدت إسرائيل مع فرنسا عام 1958م على صفقة 50 طائرة ميراج 3 سي، وعليه تم تزويد القوات الجوية المصرية بالطائرات الميج 17 و19 ثم 21.، وتزويد المدفعية المصرية المضادة للطائرات بالمدفعية م.ط. 57مم و100 مم.

وفي أوائل الستينيات قامت القوات الجوية الإسرائيلية بالتعاقد على شبكة صواريخ مِن طراز (هوك) قادرة على التصدي لطائرات الميج 21 التي تمتلكها مصر، فقامت مصر بالتعاقد مع الاتحاد السوفيتي في 1963م لإدخال عددٍ مِن وحدات الصواريخ أرض - جو، والتي خصصت للدفاع عن المدن الهامة: "كالقاهرة – والإسكندرية – وأسوان".

ومع مشارف حرب 1967م كانت مصر تملك عددًا مِن المدفعية المضادة للطائرات وصواريخ "أرض - جو" ليس كبيرًا وليس محدودًا، مقارنة بما تمتلكه إسرائيل مِن قوات جوية، ورغم كثرة عدد طائرات القوات الجوية الإسرائيلية وقتها -والتي بلغت نحو 200 طائرة مقاتلة وقاذفة- فقد كانت هذه الطائرات -عدا طائرات الميراج- لا تتعدى سرعتها سرعة الصوت، وقدرتها على المناورة في الجو محدودة، وقدرتها أيضًا على حمل أسلحة الدمار محدودة، وكانت مصر تمتلك عددًا مماثلًا تقريبًا مِن الطائرات المختلفة لا تقل كفاءة عن الطائرات الإسرائيلية عدا الميراج 3 س.

وفي حرب 1967م قام تخطيط إسرائيل على توجيه ضربة جوية مفاجئة وشاملة لكل القواعد والمطارات المصرية لإرباك القيادة العليا المصرية، فيتحقق لإسرائيل السيادة الجوية، وتصبح قواتها البرية قادرة على العمل بحرية تحت ستار المعاونة الجوية، وهذا ما نجحت فيه إسرائيل نجاحًا فاق ما كانت تأمله وتتوقعه.

ويرى محللون عسكريون أن النجاح الكبير للضربة الجوية الإسرائيلية الشاملة في 1967م كان لأسبابٍ عديدةٍ، منها:

1- إن الإجراءات الواجب اتخاذها لتلافي مثل هذه الضربة لم تنفذ، وإن وضع الاستعداد لم يكن يتفق مع خطورة الموقف.

2- إن مصر لم تستفد مِن الناحية العسكرية مِن حرب الصحراء الغربية أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم تستفد مِن الناحية العسكرية مِن حرب سيناء 1956م، مكتفية بما حققته مِن نصرٍ سياسيٍ فيها.

3- إن بناء القوات المسلحة المصرية مِن بعد حرب 1956م لم يستند إلى درجةٍ جيدةٍ مِن العلم العسكري أو الخبرة القتالية.

4- عدم الاستفادة مِن دروس القتال الدائر وقتها في فيتنام، والقصور الذي ظهر في دفاعها الجوي إزاء هجمات الطائرات الأمريكية عليها في الستينيات، وهو ما تلقت إسرائيل خبراته عند استخدام الطائرات الأمريكية والتدريب عليها مِن القوات الأمريكية.

5- إن مصر أخطأت في تقدير قدرات العدو وإمكانياته العسكرية، وكان الواجب الحذر مِن ذلك، ووضع العدو دائمًا -كما تؤكد عليه أسس العمل العسكري- في الموضع الأقل مِن جهة، وعدم التقليل مِن شأنه مِن جهةٍ أخرى، بوضع ما يتناسب مع قدراته وإمكاناته وأسلوب قتاله.

6- عدم استيراد أسلحة جديدة مناسبة وهي كثيرة، وعدم تطوير أسلوب استخدام الأسلحة الموجودة للحصول على الفائدة المرجوة منها بفاعلية أكثر لزيادة نسبة التدمير لطائرات العدو.

7- حالة الخمول والدعة التي كانت عليها القيادات المصرية مقارنة بما كان ينبغي أن تكون عليه حتى لا تمنى بهذه الهزيمة التي لم يعرف مثلها في تاريخ الحروب المصرية.

إن السلاح الجوي الإسرائيلي لم يجد في صباح يوم 5 يونيو وحدات الدفاع الجوي المصري مستعدة -أو قادرة- على التعامل معه فكانت الكارثة، ففقد الدفاع الجوي المصري الكثير مِن المدفعية المضادة للطائرات، وخسر 9 كتائب صواريخ كان منوط بها الدفاع عن منطقة القناة، أمكن بعدها إصلاح بعضها وإدخالها الخدمة مرة أخرى بواسطة المهندسين المصريين.

الحصول على سلاح جديد:

لإعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة 1967م وصلت كميات كبيرة مِن المدفعية المضادة للطائرات غالبيتها مِن روسيا وبعض الدول الاشتراكية، لم تصل جملة واحدة، ولكن تباعًا. وبدأ تشكيل وحدات جديدة حسب السلاح المتيسر، ثم إرسالها للعمل على خط المواجهة أو للدفاع عن القواعد الجوية والمطارات بمجرد الانتهاء مِن تدريبها، ولم يتم أي تغيير في أسلوب عمل وتوزيع هذه الوحدات، رغم أن توزيعها كان مِن أسباب تمكن العدو مِن التعامل معها وتدميرها.

كان الوضع صعبًا للغاية؛ فلقد أصبح سلاح الجو الإسرائيلي سلاح الرعب الذي لا يمكن معه للقوات البرية تنفيذ أي مهمة قتالية، وبدأت قيادات الجيش الجديدة في العمل الجاد والتدريب الشاق لإيجاد وحدات قادرة على القتال في ضوء خبرة حرب 1967م.

خلال هذه الفترة كان هناك سريان لقرار وقف إطلاق النار بعد نهاية حرب يونيو 1967م، فلم تقع اشتباكات مع طيران العدو؛ إذ قنعت إسرائيل بما حققته مِن مكاسب، فكان نشاطها محدودًا فوق سيناء، ولكنها عمدت إلى تقوية قواتها الجوية وتحديثها بتزويدها بأحدث أنواع الطائرات الأمريكية مِن طراز فانتوم وسكاي هوك، واستغلال هذا التحديث في شن حرب نفسية قوية ضد الدول العربية، بزعم قدرتها الجوية على تدمير ما شاءت مِن الأهداف والأغراض، والوصول إلى أي هدف في أعماق الدول العربية.

مع أوائل 1968م تم نشر 7 كتائب صواريخ سام 2 معدل على خط المواجهة على طول القناة، وطوله 190 كم، فكانت أشبه بوحدات مبعثرة يسهل على العدو مهاجمتها وتدميرها.

ومع بداية حرب الاستنزاف في مارس 1968م قامت بعض وحدات الصواريخ المصرية بتدمير طائرات استطلاع هيلوكوبتر إسرائيلية؛ مما جعل العدو يقحم قواته الجوية في الاشتباكات، فهاجمت طائراته كتائب الصواريخ فدمرتها تباعًا، فلم يأتِ آخر يوليو 1969م حتى كانت الجبهة خالية تمامًا مِن كتائب الصواريخ المصرية! مع خسائر كبيرة نسبيًّا في رجال الصواريخ أضعفت الروح المعنوية، وثبطت الهمم، وأوقعت الحيرة في كيفية التعامل مع الطائرات الإسرائيلية بعد ظهور عدم القدرة على التعامل معها.

بدأت هجمات قوات العدو الجوية -والتي فرضت سيطرتها الكاملة على جبهة القناة- على وحدات مدفعية الميدان التي تقوم بضرب مواقع العدو في خط "بارليف" خلال حرب الاستنزاف، فواجهتها ببسالةٍ وشجاعةٍ وحدات المدفعية المضادة للطائرات مِن الأعيرة المتوسطة والرشاشات، وهي الوسيلة الوحيدة التي كانت متيسرة للتعامل مع العدو؛ فقللت مِن الخسائر التي كان يهدف العدو إلى إلحاقها بقواتنا، ولكن لم يكن تأثيرها كافيًا لإيقاف طائرات العدو، وكان لابد مِن تواجد وحدات صواريخ في الجبهة!

بدأ التفكير في وضع الصواريخ في مواقع محصنة مِن طرازٍ معينٍ، فقامت شركات المقاولات المصرية في ثلاثة أشهر -دون أن يفطن لها العدو- ببناء 4 مواقع تعطي وقاية كاملة للمعدات وأطقم الكتائب ضد القنابل زنة 500 -1000 رطل، وأدخلت في 5 ديسمبر 1969م قوة محدودة مكونة مِن كتيبتي صواريخ في قطاع الجيش الثالث الميداني، وتمكنت مِن المشاركة في قتال العدو بنجاحٍ محدودٍ، وأسقطت بعض طائراته، ولكن العدو سرعان ما تغلب عليها وأسكتها.

وفي تطوير جديد تم إدخال 6 كتائب صواريخ في مواقع ميدانية يوم 25 ديسمبر 1969م؛ أربعة كتائب أمامية، وكتيبتان خلفهما، مع حشد أكبر قدرٍ مِن المدفعية والرشاشات م. ط، وعناصر محدودة مِن الصواريخ "سام 7"؛ لتوفير الحماية لكتائب الصواريخ، وباكتشاف العدو للكتائب وتحديد أماكنها بدأ في مهاجمتها بعنفٍ، وتمكن بعد عدة ساعات مِن إسكاتها بعد أن دمرت له 5 طائرات، وهكذا انتهى في 25 ديسمبر 1969م تواجد وحدات الصواريخ المصرية مِن جديد، وللمرة الثانية بعد هزيمة 1967م.

دروس مستفادة:

لقد أظهرت معارك 1969م بيْن وحدات الدفاع الجوي والقوات الجوية الإسرائيلية:

1- قدرة المواقع المحصنة على وقاية الأفراد والمعدات.

2- فشل نظام الدفاع الخطي، بتواجد الوحدات على خطٍّ واحدٍ بفواصل كبيرة؛ مما يؤثر على التعامل مع الهجمات الجوية الحديثة التي تتميز بكثافة كبيرةٍ مِن الطائرات التي تطير على ارتفاعات منخفضة، فطول الفواصل والارتفاع المنخفض يضعف مِن قدرة الصواريخ على التعامل مع الطائرات المهاجمة.

3- ضرورة التدريب على التعامل مع الهجمات الجوية المكثفة والمحدودة، وعلى جميع الارتفاعات، خاصة المنخفضة.

4- إن الطائرات التي زودت بها إسرائيل مِن أمريكا لها قدرات فنية وتكتيكية عالية تقلل مِن كفاءة الصواريخ م. ط، كما لها قدرة عالية على تدمير الأهداف التي تهاجمها.

5- إن عصر المدفعية م. ط. قد انتهى وولى؛ إذ ظلت المدفعية على ما هي عليه، في حين قفزت صناعة الطائرات قفزات واسعة مِن تطوير سرعاتها لتصل إلى ثلاثة أمثال سرعة الصوت، مع القدرة العالية على المناورة للإفلات مِن النيران.

6- إن سماء أي دولة مفتوحة أمام الطيران الحديث، ولإيجاد دفاع جوي قادر على سد أجواء أي دولة مِن كل الاتجاهات، فإن تكلفته ستكون عالية جدًّا.

لقد أعطى نجاح إسرائيل خلال عام 1969م في تدمير الصواريخ المصرية بالجبهة مرتين في وقتٍ قصيرٍ ثقة كبيرة للإسرائيليين، وإن احتاجت في المرة الثانية إلى فترة أطول وحمولات مِن القنابل المدمرة مضاعفة إذا قورنت بالمرة الأولى؛ بسبب ما أضفته المواقع المحصنة على المعدات مِن وقاية يسرت لها بقاءً أطول في القتال، وكان لزامًا على إسرائيل أن تمنع دخول الصواريخ مِن جديدٍ للجبهة، وأن تتصدي لأي محاولات لتطوير السلاح الجوي المصري لتضمن استمرار سيادتها الجوية، فلجأت إلى عمل كمائن جوية في مناطق تختارها وتجبر القوات الجوية المصرية على الدخول في معارك غير متكافئة فيها، فيتم تدميرها، فتفقد مصر المزيد مِن الطائرات والطيارين.

كما قامت بعمليات الاستطلاع المستمرة على طول الجبهة لتحديد أماكن إنشاء أي مواقع جديدة وضربها، واستخدمت في ضربها قنابل (النابالم) الحارقة؛ لما تسببه مِن إشعال للقوائم الخشبية المستخدمة في الإنشاء، ونجحت في ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ خلال الأشهر الأولى مِن عام 1970م؛ مما تسبب في خسائر مادية كبيرة في مواد البناء والمعدات، وخسائر بشرية في العمال مِن شركات المقاولين القائمين بعمليات الإنشاء، مما بث الرعب في أوساطهم، وتوقف العمل في إنشاء المواقع المطلوبة لفترات، فلم يتم خلال 4 أشهر إلا بناء 3 مواقع وإصلاح 3 آخرين مِن المواقع المدمرة.

ومع وصول وحدات صواريخ روسية جديدة في مارس 1970 م تم نشرها في بعض المواقع في العمق، والاستغناء عن وحدات المدفعية م. ط. فيها، وبالتالي نقلها مِن العمق إلى الجبهة، فتم حشد حوالي ألف مدفع مِن الأعيرة المختلفة على طول خط المواجهة، ولكن تبين عند مشاركتها في أعمال القتال اليومية قلة ما تحدثه مِن خسائر في طائرات العدو رغم كبر حجمها، لتخلف نوعياتها بالمقارنة بتطور طيران العدو، فكان لابد مِن إدخال الصواريخ إلى الجبهة مِن جديدٍ، فشاركت جميع التشكيلات الميدانية وبجهودٍ خارقةٍ في إنشاء مواقع ميدانية ومحصنة في أقصر وقت ممكن في حماية المدفعية المضادة للطائرات والتي كانت موجودة على مستوى كل الوحدات المقاتلة، واعتبرت المسئولة عن توفير الحماية للقوات والأغراض على طول الجبهة في تلك الفترة، وقد تكبدت المدفعية في معاركها اليومية خسائر كبيرة نسبيًّا في الأفراد والمعدات رغم بسالة وقوة رجالها، ومحاولات تعديل أسلوب الاشتباك وتطوير أساليب إدارة النيران، في ظل الرصد الدائم والقصف المتواصل مِن طيران العدو الذي يتمتع بالسيادة الجوية على طول الجبهة، خاصة بعد تسلم طائرات أمريكية جديدة في أوائل عام 1970م مِن أنواع الفانتوم، وسكاي هوك بقدراتها الفائقة.

ثم تقرر في سريةٍ تامةٍ إدخال وحدات الفرقة الثامنة دفاع جوي إلى جبهة القتال بدءًا مِن منتصف مايو 1970م بعد تجميعها وتجهيزها ورفع كفاءة معداتها في العمق (في القاهرة) وتحريكها في مواجهة العدو، في ظل حماية تجميع صواريخ القاهرة.

أول لقاء جوي لحائط الصواريخ مع العدو:

- بالفعل فوجئ العدو صباح يوم 30 يونيو بوجود وحدات صواريخ في الجبهة، وقيامها بأول لقاء جوي مع العدو؛ ففي 30 يونيو 1970م هاجم العدو تجميع صواريخ الفرقة الثامنة دفاع جوي بعد رصدها وتحديد أوضاعها بنحو 16 طائرة فانتوم، وسكاي هوك، فتم تدمير طائرتين وأسر 3 طيارين، ثم هاجمت 24 طائرة وحداتنا في مجموعات متتالية على ارتفاعٍ منخفضٍ جدًّا فوق البحيرات المرة في اتجاه مدينة (فايد) فنجحت في الاقتراب مِن الكتائب الأمامية قبْل اكتشافها؛ مما أدى إلى تدمير كتيبتين.

- بعد تريث وأعمال خداع وتضليل هاجم العدو في 2 يوليو 1970م اللواء 95 صواريخ فأصاب كتيبة، ولم تتمكن الوحدات مِن إصابة طائرات العدو.

- في 3 يوليو اكتفى العدو بمهاجمة القوات البرية دون الاقتراب مِن تجميع الصواريخ ومهاجمته.

- في 5 يوليو وبعد عمليات الاستطلاع المعتادة قصف العدو القوات البرية في (القنطرة) و(البلاح)، وقصف المواقع المحصنة الجاري إتمامها، ثم هاجم وحدات الصواريخ بنحو 32 طائرة، وتمكن مِن إصابة إحدى الكتائب.

- في 18 يوليو هاجمت 26 طائرة للعدو اللواء 95 صواريخ، فتم تدمير طائرتين فانتوم، وأخرى سكاي هوك، وأسر 3 طيارين وملاحين.

- في 3 أغسطس هاجم العدو كتائب منطقة أبي صوير فتم تدمير 3 طائرات، وأسر بعض طياريه.

- لقد كانت حصيلة 6 مواجهات خلال 37 يومًا بيْن طيران العدو وتجميع صواريخ الفرقة الثامنة دفاع جوي تدمير 9 طائرات، وأسر عددٍ مِن طياريه بعد إطلاق 77 صاروخًا (بمتوسط 5و8 صاروخ لكل طائرة)، في مقابل تدمير معدات 5 كتائب صواريخ تدميرًا جزئيًّا، فكانت تلك نقطة تحول في الصراع وبداية لانتهاء السيادة الجوية الإسرائيلية، واستعادة للقدرة على المواجهة الفعالة للعدو، جعلته يفكر كثيرًا قبْل أن يجازف في تكرار هجماته على قواتنا الجوية.

وقد أطلق العدو على تجميع صواريخ الفرقة الثامنة دفاع جوي اسم (حائط الصواريخ) حيث ضمت الفرقة 38 كتيبة تخدمها بعض الوحدات الفنية الأخرى تحتل المنطقة مِن بحيرة المنزلة شمالًا حتى جبل عتاقة جنوبًا وعلى أنساق؛ يبعد النسق الأول منها عن القناة نحو 18 كم وبعمق 25 كم، ويحتل منطقة مساحتها 2500 كم مربع، فتقف كسدٍّ منيعٍ في وجه القوات الجوية الإسرائيلية إذا حاولت مهاجمة قوات الجيشين الثاني والثالث الميداني، أو حاولت التسلل إلى القاهرة، وعليه فأقرب تسمية له هي (حائط).

وبعد هذه التطورات قبلت إسرائيل مبادرة (روجرز) وزير خارجية أمريكا بوقف إطلاق النار لمدة 3 شهور، بعد أن وافق عليها عبد الناصر، وبدأ التنفيذ مِن ليلة 7 -8 أغسطس 1970م، وخلال فترة وقف إطلاق النار تم استكمال بناء مواقع الصواريخ كما خططت له القيادة المصرية.

وفي 30 -11-1970م قام الرئيس المصري السادات -بعد توليه الرئاسة بعد وفاة عبد الناصر- بمنح علم الفرقة الثامنة (دفاع جوي) نوط الجمهورية العسكري تقديرًا لما بذلت الفرقة مِن جهود وقدمته مِن تضحيات في مرحلة الصمود والتحدي.

للاستزادة راجع:

(حائط الصواريخ في أكتوبر1973م -حرب رمضان 1393 هجريًّا) تأليف: اللواء أركان حرب محمد سعيد علي. ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب 2014م.