محمود عبد الحفيظ البرتاوي - (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جعل الله -تعالى- الظالمَ قسيم التائب، وقسَّم العباد إلى قسمين لا ثالث لهما، فقال -سبحانه وتعالى-: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات:11)، فالعباد إما تائبون وإما ظالمون.

ووعد الله -تبارك وتعالى- التائب بالفلاح في الدنيا والآخرة فقال: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور:31)، وقال عن الظالمين: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (الأنعام:21).

والتوبة هي: الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، وهي أولُ منازل العبودية وأوسطها وآخرها.

قال ابن القيم -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:117): "هذا مِن أعظم ما يُعرِّفُ العبدُ قدرَ التوبةِ وفضلَها عند الله، وأنها غايةُ كمالِ المؤمن، فإنه -سبحانه- أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات، بعد أن قضوا نَحْبَهم، وبذلوا نفوسَهم وأموالَهم وديارَهم لله، وكان غايةُ أمرِهم أن تاب عليهم؛ ولهذا جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يومَ توبةِ كعب بن مالك خيرَ يومٍ مَرَّ عليه منذ ولدتْه أمُّه إلى ذلك اليوم، ولا يعرف هذا حقَّ معرفته إلا مَن عَرَفَ اللهَ وعرف حقوقه عليه، وعرف ما ينبغي له مِن عبوديته، وعرف نفسه وصفاتِها وأفعالَها، وأن الذي قام به مِن العبودية بالنسبة إلى حق ربه عليه كقطرةٍ في بحر" (زاد المعاد).

 وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا صفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين وهم الصحابة الكرام "ومَن بعدهم": (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

والتوبة وإن كانت لازمة للعبد في كل أحواله وأحيانه، إلا أنها تتأكد أكثر عند استقبال مواسم الطاعات والقربات؛ تعرضًا لنفحات الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني).

وإن مِن مواسم الخير العظيمة "أيام العشر مِن ذي الحجة"؛ تلك الأيام المباركة التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أفضلُ أيامِ الدُّنْيا أيامُ العَشْرِ) (رواه البزار، وصححه الألباني)، فحقيق بالمسلم أن ينشغل بالاستعداد لها ليفوز بخيرها، ويتقرب إلى الله فيها بصنوف الطاعات والقُرُبات.

والتوبة والاستغفار والرجوع إلى الله خير معين للعبد على ذلك؛ فإن الله يحب التوابين ويفرح بتوبتهم، ويكرمهم ولا يخزيهم، كما قال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) (التحريم:8)